مكتبـــــة المحاضرات

2025-08-12 07:53:11

براءة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب من مذهب الخوارج

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلا يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا اللقاء لقاءً نافعا مباركا، وأن يلهمني وإياكم رشدنا، وأن يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا.
وأسأل الله تعالى أن يجزي سماحة شيخنا العلامة المفتيَ العام للمملكة العربية السعودية الشيخَ عبدَ العزيز بنَ عبد الله آل الشيخ خير الجزاء، على رعايته لهذه المحاضرات، نفعنا الله بعلمه، وأمدَّ في عمره على عمل صالح.
أيها الإخوة الكرام . . لقد بعث الله نبيه محمداً r بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، ودعا الناس إلى التوحيد الخالص، وإلى كل ما فيه صلاحهم وفلاحهم، ونهاهم عن الشرك والبدع، وكلِ ما فيه ضررهم وهلاكهم، ثم خَلَفه صحابته الكرام y يدعون إلى ما دعا إليه، ويأمرون الناس بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، وتبعهم على هذا المنهاج القويم التابعون لهم بإحسان إلى زماننا هذا.
ومن رحمة الله تعالى بعباده أن يهيئ لهذه الأمة بين وقت وآخر من يقوم بتجديد دينها، كما صح بذلك الخبر عن رسول الله r، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»([1]).
وقد ذكر العلماء أن المجدد للدين قد يكون عالما واحدا، وقد يكون جماعة من العلماء يحصل بمجموعهم تجديدُ الدين في قرن من القرون([2])، فيُظهِر الله عز وجل الحق على يد المجدد للدين، فيدعو إليه، ويحذر الناس من الباطل، فيُحيي الله به ما اندرس من معالم دين الإسلام، بإظهار التوحيد الذي هو حق الله على العباد، ومحاربةِ الشرك والبدع والمحدثات، وكل ما يخالف أمر الله تعالى؛ لأن الله تبارك وتعالى ناصر دينه إلى قيام الساعة، فعن ثوبان t قال: قال رسول الله r: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»([3]).
 ولا شك أن شيخ الإسلام محمدَ بنَ عبد الوهاب رحمة الله عليه من أولئك الأعلام المجددين لما اندرس من معالم الدين في القرن الثاني عشر الهجري، وقد نفع الله به نفعا عظيما، وأظهر الله الحق على يديه، ولا تزال آثار دعوته ونصحه وتجديده موجودةً إلى زماننا، وانتفع بدعوته الفئام من الناس، ممن أراد الله هدايتهم للحق، وشرِق بدعوته آخرون، ممن أراد الله ضلالهم، فعادَوه أشد العداء، ورموه وأتباعَه عن قوس واحدة، وهذه سنة الله تعالى في أوليائه، والدعاةِ إلى الحق، أنهم يؤذون ويحاربون، كما قال ورقة بن نوفل t للنبي r لما نزل عليه الوحي: يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا([4]).
والشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعُه من أئمة هذه الدعوة رحمهم الله تعالى يقررون في مواضع كثيرة من كتبهم أنهم على اعتقاد أهل السنة والجماعة، وأنهم متبعون لكتاب الله عز وجل، وسنة رسوله r، وأنهم على ما كان عليه السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وأنهم في الفروع والأحكام على مذهب الحنابلة، وقد يخرجون عن المشهور من مذهب الحنابلة في بعض المسائل إذا قوي عندهم الدليل فيها.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى مبيناً حال مصنفات الشيخِ محمد، وأقوالِه في الأصول والفروع: (وقد تتبع العلماء مصنفاتِه، رحمه الله- من أهل زمانه وغيرهم- فأعجزهم أن يجدوا فيها ما يعاب. وأقواله في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأما في الفروع والأحكام فهو حنبلي المذهب، لا يوجد له قول مخالف، لما ذهب إليه الأئمة الأربعة، بل ولا خرج عن أقوال أئمة مذهبه، على أن الحق لم يكن محصورا في المذاهب الأربعة)([5]).
وهذا فيه أن الشيخ رحمه الله تعالى لم يأتِ بمذهب خامس كما يزعم خصوم الدعوة، بل هو متبع للسلف الصالح في الاعتقاد والعمل.
ومن التُّهم الباطلة التي رُميت بها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أنها دعوة خارجية، وأن الشيخ وأتباعه خوارج، يُكفِّرون المسلمين بغير مُكفِّر، ويستحلون الدماء المعصومة بغير حق . . . إلخ المزاعم الباطلة التي يروجها أعداء هذه الدعوة.
وهذه الفِرية تظهر في كل زمان، ويتلقفها أعداء الدعوة جيلا بعد جيل، ويُلْبِسُونها بلَبُوس الحق، وهي بعيدة عنه، فتروج على كثير من الجهال، ومع الأسف أن يكون ممن يصف دعوة الشيخ بأنها خارجية بعض من ينتسب إلى العلم، وهؤلاء إما أنهم جاهلون بحقيقة دعوة الشيخ، فتكلموا بجهل – مع أنهم لا يعذرون في مثل هذا الزمان الذي انتشرت فيه كتب الشيخ وأتباعِه وتبينت حقيقة دعوتهم - وإما أنهم أهل بدع وضلال لا يروق لهم ما دعا إليه الشيخ من التوحيد الخالص من شوائب الشرك والبدع، فلذا عادوه وعادوا دعوته، ووصموها بالألقاب المشينة، والتهم الباطلة.
والخوارج من الفرق الضالة، ومن أهل البدع والأهواء، الذين يكفرون المسلمين بكبائر الذنوب التي دون الشرك والكفر، بل كفروا بعض الصحابة y كعلي ومعاويةَ وعمرو بن العاص وغيرِهم y، ويخرجون على أئمة المسلمين وجماعتهم بالسيف، ويستحلون دماء المسلمين([6]).
ويتصف الخوارج بالغلو والتشددِ في الدين، والجهلِ بالعلم الشرعي، ولا يكون منهم علماءُ وفقهاءُ في دين الله عز وجل، ولذا لم يكن في الخوارج الذين خرجوا زمن الصحابة y أحدٌ من أصحاب رسول الله r وكذا في كل زمان يخرجون فيه لا يكون منهم علماءُ ولا فقهاء في دين الله عز وجل.
ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بريئة من مذهب الخوارج، براءةً تامة، ومن عرف حال الشيخ وأتباعِه، وقرأ كتبهم يظهر له بوضوح تام لا شك فيه ولا ريب أنهم من أبعد الناس عن مذهب الخوارج، ولكن نظرا لتتابع أعداء هذه الدعوة على رميها بهذية الفرية، والتلبيس فيها على العامة، مع ما زين لهم الشيطان من التدليس والكذب على إمام الدعوة وأتباعه اقتضى المقام أن تُرَدَّ هذه الفرية، وأن تقام الدلائل على بطلانها، وأن يُبيَّن للناس الحق الذي لا مرية فيه.
وتظهر براءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى من مذهب الخوارج من عدة وجوه:
الوجه الأول: نفي الشيخ رحمه الله تعالى هذه الفرية عن نفسه:
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته لأهل القصيم في بيان عقيدته: (ولا أكفِّر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أُخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهادَ ماضيا مع كل إمام بَرّاً كان، أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة . . . وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برِّهم وفاجرِهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن وَلِي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضُوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرُم الخروج عليه)([7]).
وهذا الكلام من الشيخ رحمه الله تعالى في غاية الصراحة في مخالفته للخوارج، الذين يكفرون المسلمين بالذنوب، ويخرجون على ولاة أمرهم.
ويؤكد هذا رحمه الله تعالى بقوله: (يَذكر لنا من أعداء الإسلام من يَذكر، أنَّا نكفر بالذنوب، مثل التتن([8])، وشرب الخمر، والزنى أو غير ذلك من كبائر الذنوب، فنبرأ إلى الله من هذه المقالة، بل الذي نحن نقول: الذنوب فيها الحدود، ومعلقةٌ بالمشيئة، إن شاء الله عفا، وإن شاء عذب عليها، وأما الذي نكفِّر به: فالشرك بالله . . .)([9]).
فهذا التقرير من الشيخ رحمه الله تعالى موافق لعقيدة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة، وأنه لا يكفُر بفعلها، بل هو واقع تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه بفضله ورحمته، وإن شاء عذبه بعدله وحكمته.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (وأما التكفير: فأنا أُكفِّر مَن عَرف دين الرسول، ثم بعدما عرف سبَّه، ونهى الناس عنه، وعادى من فَعَله، فهذا هو الذي أُكفِّره، وأكثر الأمة - ولله الحمد - ليسوا كذلك، وأما القتال: فلم نقاتل أحدا إلا دون النفس والحرمة، فإنا نقاتل على سبيل المقابلة (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) وكذلك من جاهر بسبِّ دين الرسول بعدما عرفه)([10]).
وهذا تصريح من الشيخ رحمه الله تعالى أنه لا يكفِّر أكثرَ الأمة، لا كما يزعم الخصوم من أنه يكفِّر بالعموم، وإنما يكفِّر من عرف الدين ثم سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا لا يكفره الشيخ وحده بل يكفره جميع العلماء.
ولهذا قال رحمه الله تعالى: (ما ذُكر لكم عني: أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول من تبع دين الله ورسوله، وهو ساكن في بلده، أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضا من البهتان؛ إنما المراد اتباع دين الله ورسوله، في أي أرض كانت.
ولكن نكفِّر من أقرَّ بدين الله ورسوله، ثم عاداه وصدَّ الناس عنه، وكذلك من عَبَد الأوثان، بعدما عرف أنها دينُ المشركين، وزيَّنه للناس، فهذا الذي أكفِّره؛ وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء، إلا رجل معاند، أو جاهل)([11]).
وقد قرر الشيخ رحمه الله تعالى أنه لا يُكفِّر من لم تقُم عليه الحُجَّة، فقال رحمه الله تعالى: (وأما ما ذَكَر الأعداء عني، أني أكفِّر بالظن وبالموالاة، أو أكفِّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفيرَ الناس عن دين الله ورسوله)([12]).
ويقرر الشيخ رحمه الله تعالى أنه لا يكفِّر إلا بما أجمع العلماءُ على التكفير به، فيقول رحمه الله تعالى: (ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلُّهم، وهو: الشهادتان. وأيضا: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر)([13]).
وقد تقدم في كلام الشيخ رحمه الله تعالى أنه لا يكفِّر بمجرد الظن، بل لا بد من التحقق، ويؤكد هذا المعنى في إحدى رسائله بأن (مَن أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض، لا نكفِّره بالظن؛ لأن اليقين لا يرفعه الظن؛ وكذلك لا نكفِّر من لا نعرف منه الكفر، بسبب ناقض ذُكر عنه، ونحن لم نتحققه)([14]).
وهذا يدل على تحرِّيه في مسائل التكفير، وأنه لا يكفِّر المعيَّنَ بمجرد الظن، ولا يكفِّر إلا بعد التحقق من وجود الناقض في الشخص المعيَّن.
بل إن الشيخ رحمه الله تعالى يتعجب ممن ينسب إليه تكفيرَ عموم المسلمين؛ لأنه أمر لا يقبله عقل، ولا يقوله أحد، فقد قال في رسالته للسويدي من علماء العراق يبين له ما اتهمه به الخصوم: (ومنها ما ذكرتم: أني أكفّر جميع الناس إلا من اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غيرُ صحيحة. ويا عجباً! كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟!)([15]).
 
الوجه الثاني: نفي الأئمة من أتباع هذه الدعوة فريةَ أن الشيخ وأتباعه خوارج:
فقد سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخُ حمد بن ناصر بن معمر، رحمهم الله تعالى: هل تعتقدون كفر أهل الأرض على الإطلاق أم لا؟
فأجابوا: (الذي نعتقده دينا، ونرضاه لإخواننا مذهبا، أن من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقامت عليه الحجة، فإنه يكفر بذلك، ولو ادعى الإسلام؛ وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء . . .
ونكفِّر أيضا: من أنكر وجوب الزكاة، وامتنع من أدائها، وقاتل الإمام عليها، ونكفِّر أيضا: من أبغض شيئا من دين الرسول صلى الله عليه وسلم وسبَّه . . .
وأما تكفير أهل الأرض كلهم، فنحن نبرأ إلى الله من هذا، بل نعتقد أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة، بل قد أجارها الله عن ذلك، على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم)([16]).
وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمَّر رحمه الله تعالى: إنكم تكفرون بالمعاصي؟
فأجاب: (ليس هذا قولنا، بل هذا قول الخوارج، الذين يكفِّرون بالذنوب، ولم نكفِّر أحدا بعمل المعاصي؛ بل نكفر من فعل المكفرات، كالشرك بالله بأن يعبد معه غيره، فيدعو غير الله، أو يذبح له، أو ينذر له، أو يخافه، أو يرجوه، أو يتوكل عليه، فإن هذه الأمور كلها عبادة لله بنص القرآن . . .)([17]).
ويقرر الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله تعالى ما قرره الشيخ محمد رحمه الله تعالى من أنهم لا يكفرون إلا بما أجمع العلماء على التكفير به، قال: (وهذه الأنواع التي ذكرنا أننا نكفر من فعلها قد أجمع العلماء كلُّهم من جميع أهل المذاهب على كفر من فعلها)([18])
وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمه الله تعالى: (ولا يجوز لآحاد الناس، أن يتكلم في الأمور العامة، التي هي متعلقة بالإمامة، لأن الرسول r جاء بفرضية السمع والطاعة، ولزوم البيعة وعدم الخروج على الأئمة، وأخبر r أن من فارق الجماعة قيد شبر، فمات، فميتته جاهلية، وحضَّ على السمع والطاعة، في قوله r: "عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي"([19]).
وأصل فتنة الخوارج، ومروقِهم من الدين - مع كثرة صلاتهم وصيامهم، فإنهم من أكثر الناس تهليلا وعبادة، حتى إن الصحابة يحتقرون أنفسهم عندهم - هو الخوض والشَغَب، والكلام في الفتنة، التي وقعت بين علي ومعاوية، حتى قدحوا في الصحابة، مع أن القتال وقع بين الطائفتين، والقاتل والمقتول في الجنة)([20]).
وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى في منظومة يبين فيها اعتقاد أهل هذه الدعوة، وبراءتهم من مذهب الخوارج، جاء فيها:
ونبرأ من دين الخوارج إذ غَلَوا ... بتكفيرهم بالذنب كلَّ مُوحدِ
وظنُوه دينا من سفاهة رأيهم ... وتشديدِهم في الدين أي تشدد
إلى أن قال:
فيلزمكم أيضا حقوقٌ كثيرةٌ ... من الدين في الإسلام من قول أحمد
وذلك أن توفوا بعهد إمامكم ... على الكُرْه منكم والرضى والتحمُّد
وتعطونه في ذاك سمعا وطاعة ... كما جاء في النص الأكيد المؤيَّد
إذا كان بالمعروف يأمركم به ... وينهى عن الفحشاء من كل مُفسد
ولو جار في أخذٍ من المال واعتدى ... بضربٍ وتنكيلٍ عنيفٍ مُنكّد
فلا تخرجوا يوما عليه تعنُّتا ... تريدون كشفا للظِلامة باليد
كما فعلت أعني الخوارجَ إذ غلوا ... وقد مرقوا من دينهم بالتشدُّد
بغير دليل من كتاب وسنة ... ولكن برأي منهمو والتجهُّد
فكانوا كلاب النار يوم معادنا ... ولم يغن عنهم ما أتوا من تعبُّد([21]).
 
الوجه الثالث: أن الشيخ محمدَ بنَ عبد الوهاب وأتباعه من أئمة هذه الدعوة رحمهم الله تعالى قد بينوا حال الخوارج، وأنهم من أهل البدع والضلال، وحذروا من سلوك سبيلهم، وتبرؤوا منهم، ووصفوهم بأنهم أهل جهل وغلو وتشدد في الدين، وكلامهم في هذا كثير في مؤلفاتهم، وقد تقدم ذكر بعضه، فلو كان الشيخ وأتباعُه من الخوارج ويعتقدون معتقدهم كما يزعم الخصوم، لما حذَّروا منهم، وبينوا ضلالهم.
الوجه الرابع: أن الخوارج الأولين قد كفروا بعض الصحابة y، فكفروا عليا وعثمان ومعاوية وغيرَهم y، أما أئمة هذه الدعوة فهم على اعتقاد أهل السنة والجماعة في الصحابة y، فيعرفون لأصحاب رسول الله r فضلهم ومكانتهم، ويتولونهم، وحاشاهم من أن يكفروا أحدا منهم.
وقد قرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته لأهل القصيم التي بين فيها عقيدته ما قرره أهل السنة في الصحابة y، ثم قال: (وأتولى أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم)([22]).
ويُبين الشيخ عبدُ اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى ضلال الخوارج في اعتقادهم في الصحابة y فيقول: (الخوارج مخطئون ظالمون، فيما نقموا به على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم)([23]).
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى في بيان عقيدة أهل نجد: (نؤمن أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، والمرسلين، وأن أفضل أمته أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقيةُ العشرة، ثم أهلُ بدر، ثم أهلُ الشجرة أهلُ بيعة الرضوان، ثم سائرُ الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين، ونتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونترضى عنهم، ونستغفر لهم، ونذكر محاسنهم، وفضائلهم، ونكف عما شجر بينهم، ونترضى عن أمهات المؤمنين، المطهرات المبرآت من كل سوء)([24]).
الوجه الخامس: في براءة هذه الدعوة من مذهب الخوارج: أن من صفات الخوارج استحلالَ دماءِ المسلمين المخالفين لهم، واستحلالَ أعراضهم وأموالهم، ولذا قال النبي r فيهم: (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ)([25])، وهذه الصفةُ ظاهرةٌ فيهم إلى زماننا، فقد رأينا الخوارج المعاصرين يقتلون المسلمين، ويفجرون في بلادهم.
وتحريمُ دماءِ المسلمين وأموالِهم وأعراضهم أمر معلوم من الدين بالضرورة، دلت عليه النصوص الصريحة، ولذا قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى مبينا اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (ويؤمن بما نطق به الكتاب، وصحت به الأخبار، وجاء الوعيد عليه، من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع، وأهدره الرسول صلى الله عليه وسلّم، ومن نسب إليه خلاف هذا، فقد كذب وافترى، وقال ما ليس له به علم، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين)([26]).
الوجه السادس: روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول اللَّه r قال: «يَنْشَأُ نَشْءٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ قُطِعَ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ قُطِعَ، أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً، حَتَّى يَخْرُجَ فِي عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ»([27]).
ومعنى الحديث: أنه ينشأ جماعة من أحداث الأسنان، الذين لا فقه لهم بكتاب الله عز وجل، وهذا وصف الخوارج كما هو معلوم، كلما ظهرت منهم طائفة قطعها الله وأهلكها، فلا يقوم لهم شأن، كما حصل لهم في زمان علي t لما ظهروا أهلكهم الله تعالى على يديه، وهكذا في كل قرن يظهرون فيه يقطعهم الله إلى يومنا هذا.
ولهذا قال وهب بن منبه([28]) رحمه الله تعالى في مناصحته لرجل متأثر برأي الخوارج: (إِنِّي قد أدْركْت صدر الْإِسْلَام، فوَاللَّه مَا كَانَت للخوارج جمَاعَة قطّ، إلا فرقها الله على شَرّ حالاتهم، وَمَا أظهر أحد مِنْهُم قَوْله إلا ضرب الله عُنُقه، وَمَا اجْتمعت الْأمة على رجل قطّ من الْخَوَارِج، وَلَو أمكن الله الْخَوَارِج من رَأْيهمْ لفسدت الأَرْض، وَقُطِّعت السبل، وَقُطع الْحَج عَن بَيت الله الْحَرَام، وَإِذن لعاد أمْر الاسلام جَاهِلِيَّة . . .)([29]).
هذا حال الخوارج، وبالمقارنة مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نجد أن دعوته قد أقامها الله تعالى وأظهرها، وأصبحت لها دولة تنصرها وتؤيدها، واستمرت سنين بحمد الله تعالى وفضله، قائمةً بشرع الله عز وجل، وحصل للناس الخير، وعم الرخاء والأمن، فأُمِّنت السبل، وحج الناس بيت الله الحرام في أمن وأمان، فهذا من الدلائل على أن هذه الدعوة ليست دعوة خارجية؛ لأنها لو كانت كذلك لقطعها الله عز وجل كما جاء في الحديث؛ فإن الخوارج لا تقوم لهم قائمة.
الوجه السابع: ومن الدلائل على براءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى من مذهب الخوارج أن الخوارج لما ظهروا في الزمان الأول حصل التفرق بينهم، وانقسموا إلى فرق شتى، يُضلِّل بعضهم بعضا، حتى أوصلها بعض أهل العلم إلى عشرين فرقة([30])، فمنهم الأزارقة والنجدات والبيهسية والعجاردة والثعالبة وغيرُهم، وكذا حالهم في هذا العصر، فالخوارج المعاصرون منقسمون إلى جماعات متفرقة.
وهذا من أخص أوصاف أهل البدع أنهم أهل فُرقة، يفرقون جماعة المسلمين، أما أهل السنة فهم أهل اجتماع على الحق، فهم أهل سنة وجماعة، فالشيخ وأتباعه السائرون على طريقته لم يقع بينهم تفرق بحمد الله تعالى، فهم جماعة واحدة متفقة على الحق، مجتمعة على من ولاه الله أمرهم، منذ أن ظهر الشيخ إلى يومنا هذا.
 
الوجه الثامن: أن من صفات الخوارج منازعةَ ولي الأمر، وعدمَ السمع والطاعة له في المعروف، خلافا لما يعتقده أهل السنة والجماعة، وهذا من الفروق المهمة بين أهل السنة والخوارج، يقول الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمه الله تعالى: (فطاعة ولي الأمر، وترك منازعته، طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا هو فصل النزاع بين أهل السنة، وبين الخوارج)([31]).
وإمام هذه الدعوة وأتباعه سائرون على ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة من وجوب السمع والطاعة لولي الأمر في غير معصية الله تعالى، وتحريمِ منابذته ومنازعته في مُلكه، مخالفين بذلك مذهب الخوارج المارقين، وكلامهم في هذا أشهر من أن يذكر.
 
الوجه التاسع: أن من صفات الخوارج إثارةَ الرعية على ولاة الأمور، والإنكارَ العلني عليهم، وعدمَ النصح لهم في السر، وهذا كله مخالف لمنهج السلف الصالح، ومخالف لما عليه إمامُ هذه الدعوة وأتباعُه، فإنهم على طريقة السلف الصالح في جمع الرعية على ولاة أمرهم، وبذلِ النصيحة لهم سرا، وعدمِ الإنكار عليهم علانية.
ومن الشواهد على ذلك قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (إذا صدر المنكر من أمير أو غيره، أن ينصح برفق خُفية ما يشترف([32]) أحد؛ فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلا يقبل منه بخفية، فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرا، إلا إن كان على أمير، ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر إلينا خفية)([33]).
وقال الشيخ: محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، والشيخ عمر بن محمد بن سليم، والشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف رحمهم الله تعالى: (وأما ما قد يقع من ولاة الأمور، من المعاصي والمخالفات، التي لا توجب الكفر، والخروجَ من الإسلام، فالواجب فيها مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح، من عدم التشنيع عليهم في المجالس، ومجامع الناس، واعتقادِ أن ذلك من إنكار المنكر الواجبِ إنكاره على العباد، وهذا غلط فاحش، وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبُه ما يترتب عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نور الله قلبه، وعرف طريقة السلف الصالح، وأئمة الدين)([34]).
ولعل من المناسب أن أذكر حديثا في هذا الموضوع يتعلق بما نحن بصدده من موقف الخوارج من ولاة الأمر، فعن زياد بن كُسَيب العدوي قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر([35])، وهو يخطب، وعليه ثياب رِقَاق، فقال أبو بلال([36]): انظروا إلى أميرنا، يلبس ثياب الفساق! فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله r يقول: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله)([37]).
وفي رواية: قال: كان عبد الله بن عامر يخطب الناس، عليه ثياب رِقَاق، مُرجِّلٌ شعره، قال: فصلى يوماً، ثم دخل، قال: وأبو بكرة جالس إلى جنب المنبر، فقال مرداس أبو بلال: ألا ترون إلى أمير الناس وسيدهم، يلبس الرقاق، ويتشبه بالفساق، فسمعه أبو بكرة، فقال لابنه الأصيلع: ادع لي أبا بلال، فدعاه، فقال أبو بكرة: أما إني قد سمعت مقالتك للأمير آنفاً، وقد سمعت رسول الله r يقول: (من أكرم سلطان الله أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله أهانه الله)([38]).
وقول أبي بلال الخارجي: (انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق) علق عليه القاري رحمه الله تعالى بقوله: (ولعل الاعتراض الوارد عليه لكونه نصيحة تتضمن فضيحة، يتفرع عليه فتنة صريحة)([39]).
وقال العيني رحمه الله تعالى: (المجاهرة على الأمراء بالإنكار يكون فيه نوع القيام عليهم؛ لأن فيه تشنيعاً عليهم، يؤدي إلى افتراق الكلمة، وتشتيت الجماعة)([40]).
وهذا الكلام من أبي بلال لا يُستغرب منه، فهو من رؤوس الخوارج، الذين من شعارهم الطعن في الولاة والخروجُ عليهم، قديماً وحديثاً.
وقد صرح الفقهاء أن عقوبة سب ولي الأمر التعزير، فيعزره الإمام أو نائبه بما يردعه، حماية لمنصب الإمامة([41]).
وموقف أئمة الدعوة من الطعن في ولي الأمر، واضح للغاية، فهم مخالفون لطريقة الخوارج، يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف رحمه الله تعالى في إحدى رسائله: (والطعنُ على من ولاه الله عليكم، وعيبُه، وثلبه، وتتبعُ عثراته للتشنيع عليه، ونسبةُ علمائه إلى المداهنة والسكوت، فهذه- والله- وصمة عظيمة، وزلة وخيمة، وقاكم الله شرها، وحال بينكم وبين أسبابها)([42]).
 
الوجه العاشر: أن من أوصاف الخوارج الطعن في علماء السنة، واتهامهم بالتُّهم الباطلة، وتسفيه أقوال العلماء، وعدم الأخذ بها، سواء أكان ذلك منهم في حق الصحابة y أم في حق مَن بعدهم من أهل العلم، بل تجرأ أصل الخوارج على رسول الله r، لما أعطى المؤلفةَ قلوبُهم من المال، وترك غيرهم فقال: اتَّقِ اللهَ، يَا مُحَمَّدُ. فقال النبي r: «فَمَنْ يُطِعِ اللهَ إِنْ عَصَيْتُهُ، أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي؟» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ([43]) هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ، أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»([44]).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في وصف الخوارج: (ولهم عبادة وزهد، لكنهم أخطأوا في فهم الكتاب والسّنة، واستغنوا بجهلهم عن أن يأخذوا العلم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم)([45]).
أمَّا إمام هذه الدعوة وأتباعه رحمهم الله تعالى فنجد منهم التعظيمَ الكبير لأهل العلم من أصحاب رسول الله r ورضي الله عنهم، ومن بعدهم من أئمة الهدى، ولذا قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد الشيخ محمد رحمه الله تعالى: (ويوالي الأئمة الأربعة ويرى فضلهم وإمامتهم، وأنهم من الفضل والفضائل في غاية ورتبة يقصر عنها المتطاول، ويوالي كافةَ أهل الإسلام وعلمائِهم من أهل الحديث والفقه والتفسير، وأهل الزهد والعبادة ويرى المنع من الانفراد عن أئمة الدين من السلف الماضين برأي مبتدَع أو قول مخترع، فلا يُحدِث في الدين ما ليس له أصل يُتَّبع، وما ليس من أقوال أهل العلم والأثر)([46]).
 
 فهذه عشرة وجوه، تبين بطلان دعوى أن الشيخَ محمدَ بنَ عبد الوهاب وأتباعَه خوارج، وقد اقتصرت على هذه الوجوه العشرة، وإلا فهناك وجوه أخرى في رد هذه الفرية على دعوة الشيخ رحمه الله تعالى.
 
ومن المهم قبل أن أختم هذه المحاضرة أن أُشير إلى قضيتين مهمتين تتعلق بدعوة الشيخ رحمه الله تعالى، ووصفها بأنها دعوة خارجية:
القضية الأولى:
اتهام الشيخ محمدِ بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بأنه قد خرج على الدولة العثمانية([47]):
فيزعم بعض خصوم دعوة الشيخ، بأنه رحمه الله تعالى قد خرج على الإمام في عصره، وهو الخليفة في الدولة العثمانية، ولذا يصفون الشيخَ وأتباعه بأنهم خوارج، وأنهم فارقوا جماعة المسلمين؛ لأن هذه صفات الخوارج أنهم يخرجون على إمام المسلمين، ويشقون عصا الطاعة متى ما وقعت المعصية من الإمام، ولو كانت دون الكفر.
ولرد هذه التهمة يقال: إن بلاد نجد التي ظهرت فيها دعوة الشيخ لم تشهد سلطة قوية منذ سقوط الدولة الأخيضرية، وهي أسرة علوية سيئة السيرة استقلت عن الدولة العباسية سنة 253ه واستمر حكمها حتى سقوطها في القرن الخامس الهجري، ومنهم من قال إنها سقطت منتصف القرن الرابع الهجري، وأياً كان فمنذ ذلك الحين وبلاد نجد لم تعرف حكومة قوية وإنما هي إمارات متفرقة متنازعة.
أما العثمانيون فلم يكن لهم أيُّ نفوذ على بلاد نجد، والسبب في ذلك أن الدولة العثمانية لم تهتم بهذه المنطقة لبعدها عن المناطق الهامة.
ويؤكد هذا ما جاء في رسالة لأحد الأتراك تضمنت أن الدولة العثمانية منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري كانت تنقسم إلى اثنتين وثلاثين منطقة، وليس منها منطقة نجد.
وبهذا يظهر أن الشيخ رحمه الله تعالى لم يخرج على الدولة العثمانية، وأن الدرعية لم تكن تحت ولاية الدولة العثمانية.
فضلا عن كون الشيخ من العلماء الذين ساروا على طريقة السلف في الاعتقاد، ويعلم حرمة الخروج على الإمام وإن جار أو ظلم، وقد تقدم نقل كلامه في ذلك.
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى في بيان عقيدة أهل نجد: (ونرى الجهاد مع كل إمام، برا كان أو فاجرا، منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، ونرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية)([48]).
ومما يحسن ذكره هنا أن هناك دعوة يُطلَق عليها الوهابية في الشمال الإفريقي:
وهي دعوة خارجية أباضية نشأت في القرن الثاني الهجري، وتسمى الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الخارجي الأباضي، المتوفى سنة 190ه، والذي عطل الشرائع الإسلامية وألغى الحج وحصل بينه وبين معارضيه حروب، وكان موطن هذه الدعوة الشمال الإفريقي.
وهذه الدعوة هي التي صدرت بشأنها الفتاوى من علماء الأندلس وشمال إفريقيا في التحذير منها، وأنها فرقت المسلمين.
وقطعاً لم يُرِد أولئك العلماء بهذه الفتاوى الوهابيةَ التي يُطلقها الخصوم على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ لما هو ظاهر من أن فتاوى أولئك العلماء بشأن الوهابية قد صدرت قبل ولادة الشيخ بعدة قرون.
لكن أعداء الدعوة بل وأعداء الإسلام أرادوا التضليل على العوام وتنفيرَ الناس من دعوة الشيخ محمد بأن قالوا لهم: إن العلماء قد أفتوا في شأن هذه الدعوة بأنها خارجية وأنها فرقت المسلمين فيروج هذا على كثير من العوام الذين لا يعرفون حقيقة الأمر([49]).
القضية الثانية:
انتساب الجماعات التكفيرية المعاصرة لدعوة الشيخ المجدد:
يزعم بعض الناس أن الجماعات التكفيرية المعاصرة ما هي إلا امتداد لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ومتأثرة بها، ولا شك أن هذا الزعم زعمٌ باطل؛ إذ الفرق كبير بين دعوة الشيخ وهذه الجماعات التكفيرية الغالية.
فدعوة الشيخ قامت على عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنهج السلف الصالح، رائدها العلم الشرعي، والقائم بها هم العلماء في زمانهم منذ ظهور الشيخ إلى يومنا هذا، وآثارها على الأمة عظيمة، فانتشر بسبب هذه الدعوة التوحيد الخالص، وأقيمت السنة، وحُورب الشرك، وأميتت البدع، ورجع كثير من الناس إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم r، وصلح بها حال الناس في دينهم ودنياهم.
أما الجماعات التكفيرية المعاصرة فهي على مذهب الخوارج المارقين، المخالفين لعقيدة السلف الصالح، قائمة على الجهل بأحكام الشريعة، يقودها حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، فلم ينصروا دين الله، ولم يكسروا أعداء الله، وتسببوا في كثير من الفتن في بلاد المسلمين، ومِن نظر في حال هذه الجماعات يعلم أنها متأثرة بدعوة الإخوان المسلمين، إحدى الجماعات الحزبية الضالة، والتي تسببت في شر كبير على الإسلام وأهله في هذا العصر.
وكون بعض هذه الجماعات التكفيرية تستشهد بشيء من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أو كلام أحد أئمة الدعوة، فهذا لا دليل فيه على أنهم مُتَّبعون لهذه الدعوة؛ لأنه لا يخفى أن أهل البدع يستشهدون لمذاهبهم الباطلة بالكتاب والسنة وكلام الأئمة، ويَحمِلون النصوص على غير المراد منها؛ لكثافة جهلهم، وسوء قصدهم، فاستدلالهم بهذه النصوص وكلام العلماء لا يعني أنهم على الحق، فهم يأخذون كلاما لإمام الدعوة أو أحدِ علمائها ثم يُحرِّفونه عن معناه، أو لا يعرفون الملابسات التي قيل فيها هذا الكلام، وهذه طريقة أهل البدع والضلال.
وبهذا يتبين أنه لا صلة البتة بين دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى والجماعات التكفيرية الغالية في هذا العصر، ودعوتُه من هذه الجماعات براء.
والحاصل مما تقدم أنه لا يشك منصف، ولا يرتاب عالم مطلع على كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وكلام أتباعه من أئمة الدعوة النجدية أن هذه الدعوة دعوة سلفية، قائمة على تجديد دين الإسلام، الذي دعا إليه الرسول r، ودعا إليه سلف الأمة، وأن دعوة الشيخ محمدِ بن عبد الوهاب بريئةٌ من التهم الملصقة بها، التي يروجها الأعداء، ومنها دعوى أن الشيخ وأتباعه خوارج.
  ولا يخفى أن خصوم دعوة الشيخ رحمه الله تعالى هم أهل الأهواء والبدع، وإنما سموا أهل الأهواء؛ لاتباعهم لأهوائهم، والهوى يعمي ويصم، ولذا وقع منهم الكذب على الشيخ والافتراء عليه وعلى دعوته، وقد قال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: (ما ابتدع رَجلٌ بدعةً، إلا سُلِبَ الورع)([50]).
فأهل البدع لا يتورع كثير منهم عن الكذب والبهتان، ولذا كثر في كلام الشيخ محمد رحمه الله تعالى وردوده على خصومه أن يقول: سبحانك هذا بهتان عظيم.
واللهُ المسؤول أن ينصر دينه وأولياءه، وأن يكبت أعداءه، وأن يرفع راية التوحيد والسنة، وأن يقمع راية الشرك والبدعة، وأن يرحم شيخ الإسلام محمدَ بنَ عبد الوهاب برحمته الواسعة، وأن يجزيه خير جزاء وأوفاه، لقاء ما جاهد وعلَّم ونصح، وأن يغفر للأئمة من آل سعود الذين نصروا دعوة التوحيد، رحم الله أمواتهم، ووفق أحياءهم لما فيه الخير، وأيدهم بتأييد من عنده، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

([1]) أخرجه أبو داود (4291) وصححه الألباني.
([2]) ينظر: فتح الباري لابن حجر 13/295.
([3]) أخرجه البخاري 7311، ومسلم 1920، واللفظ لمسلم.
([4]) أخرجه البخاري 3، ومسلم 252.
([5]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/446.
([6]) ينظر: الملل والنحل للشهرستاني 1/115، 121، 122، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 7/481، 482.
([7]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/32، 33.
([8]) أي شرب الدخان.
([9]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 10/129.
([10]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/82، 83.
([11]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 10/131.
([12]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 10/113.
([13]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/102.
([14]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 10/112.
([15]) الرسائل الشخصية ص37.
([16]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 10/131، 132.
([17]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 10/338.
([18]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/264.
([19]) أخرجه البخاري برقم (7142) من حديث أنس t، ومسلم برقم (1838) من حديث أم الحصين رضي الله عنها، ولفظه عند البخاري: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ).
([20]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 9/84.             
([21]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/585، 587.
([22]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/32.
([23]) منهاج التأسيس ص70.
([24]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/575.
([25]) أخرجه البخاري 3344، ومسلم 1064.
([26]) منهاج التأسيس ص63.
([27]) أخرجه ابن ماجه 174، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة 1/26: (هذا إسناد صحيح، احتج البخاري بجميع رواته) وحسنه الألباني. ومعنى: (حتى يخرج في عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ) عِراضِهم: جمعُ عُرْض، وهو الناحية، والمعنى أن الدجّال يخرج في جملة هؤلاء النَّشْءِ الخارجين. ينظر: مشارق الأنوار الوهاجة 3/513.
([28]) أحد علماء التابعين، ولد سنة 34ه، ومات سنة 110ه، وقيل بعدها. ينظر: سير أعلام النبلاء 4/544.
([29]) مناصحة الإمام وهب بن منبه لرجل تأثر بالخوارج ص20،21.
([30]) ينظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص46-51.
([31]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 9/92.
([32]) أي ما يطَّلع عليه أحد. ينظر: معاملة الحكام ص143.
([33]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 9/121.
([34]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 9/119.
([35]) هو عبد الله بن عامر بن ربيعة العبسي، كان أميراً على البصرة. ينظر: عارضة الأحوذي 9/51.
([36]) هو مرداس بن أُديَّة، من رؤوس الخوارج. قاله ابن عساكر في تأريخ دمشق 29/255 ويؤيده رواية ابن عساكر فقد صرح فيها باسمه.
([37]) أخرجه الترمذي برقم 2224، وابن عساكر في تأريخ دمشق 29/254، 255، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/245 وأخرجه الإمام أحمد برقم 20433، 34/79 بلفظ: (مَنْ أَكْرَمَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الدُّنْيَا، أَكْرَمَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الدُّنْيَا، أَهَانَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بدون ذكر القصة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 5/388: ورجال أحمد ثقات.
([38]) أخرجها البيهقي في السنن الكبرى برقم 16659، 8/283 وابن عساكر في تأريخ دمشق 29/255.
([39]) مرقاة المفاتيح 7/250.
([40]) عمدة القاري 15/228.
([41]) ينظر: الحاوي الكبير 13/118.
([42]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 9/104.
([43]) أي من أصله ونسله وعقبه. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 3/69.
([44]) أخرجه البخاري 3344، ومسلم 1064. ومعنى (لأقتُلنَّهم قَتْلَ عاد) أي قَتْلًا عامًّا مُسْتأصِلًا، كما قال تعالى في قوم عاد: (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ باقية) ينظر: شرح مسلم للنووي 7/162.
([45]) مجموعة الرسائل والمسائل 1/346.
([46]) منهاج التأسيس ص62.
([47]) ينظر: عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي 1/40.
([48]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/575.
([49]) ينظر: تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية.
([50]) سير أعلام النبلاء 7/125.

محاضرات ذات صلة