مكتبـــــة المحاضرات

2025-08-10 09:06:38

السلام أحكامه وآدابه

محاضرة بالجامع الكبير بالرياض 13/1/1444ه
إن الحمد لله . . أما بعد، فأسأل الله عز وجل لي ولكم العلم النافع والعمل والصالح، وأن يجعلنا موفقين مباركين أينما كنا، وأن يخلص نياتنا ويصلح أعمالَنا، وأسأله سبحانه أن يجزي شيخنا العلامة، سماحةَ مفتي هذه البلاد المباركة، الشيخَ عبدَ العزيز بنَ عبد الله آلَ الشيخ، خير الجزاء، على رعايته لهذه المحاضرات، وأن يمد في عمره على عمل صالح، وأن ينفعنا والمسلمين بعلمه إنه جواد كريم.
أيها الإخوة الكرام . . موضوع هذه المحاضرة كما سمعتم: السلام أحكامه وآدابه. وهو يتعلق بأحد الحقوق التي للمسلم على أخيه المسلم.
فإن للمسلم على أخيه حقوقاً كثيرة، شرعها الله تعالى لعباده؛ تقويةً لروابط الأخوة، وتعزيزاً لأواصر المحبة، فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، والمسلمون في تراحمهم وتوادِهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ولذا قال النبي r مبينا هذه الحقوق: (حق المسلم على المسلم ست، إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحَك فانصحه، وإذا عطَس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) رواه مسلم من حديث أبي هريرة t.
وقبل الدخولِ في موضوع المحاضرة أذكر عناصرها:
1- في تعريف السلام.
2- في بيان فضل السلام.
3- في بيان طرف من أحكام السلام وآدابه.
4- في بيان بعض الأخطاء التي تقع من بعض الناس فيما يتعلق بالسلام.
5- في بيان ما يقترن بالسلام من أحكام المصافحة والمعانقة.
وأسأل الله عز وجل أن يلهمني وإياكم رشدنا، وأن يرزقنا السداد في أقوالنا وأعمالنا.
1-تعريف السلام:
السلام يُطلق على التحية التي يحيي بها المسلمون بعضُهم بعضا، كما قال تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) وقال سبحانه: (فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة)
والسلام اسم من أسماء الله تعالى، كما قال سبحانه: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا انصرف من صلاته: (استغفر الله (ثلاث مرات) اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) رواه مسلم، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض، فأفشوا السلام بينكم) رواه البخاري في الأدب المفرد – الصحيحة 184 -
ومعنى اسم الله السلام، أي ذو السلامة من كل نقص وعيب؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله، وقيل معناه، المُسَلِّمُ على عباده في الجنة، كما قال سبحانه: (سلام قولاً من رب رحيم) وقيل السلام، هو الذي سَلِم الخلق من ظلمه، كما قال تعالى: (وما ربك بظلام للعبيد).
فإذا قال المسلم لأخيه: السلام عليكم. فإنه يتضمن معنيين:
الأول: أي اسمُ الله السلام عليكم، أي نزلت بركة اسمه عليكم وحلت بكم، فأنتم في حفظه ورعايته.
والثاني: أنه يدعو له بالسلامة من الآفات والشرور.
فينبغي للمؤمن أن يستحضر هذا المعنى العظيم عند إلقاء السلام على إخوانه، أنه يدعو لهم بأن اسم الله تعالى يكون عليهم بحفظه ورعايته، ويدعو لهم بالسلامة من كل شر وآفة.
وإذا زاد في سلامه: ورحمة الله وبركاته فيكون المعنى: أنه يدعو الله لأخيه بالسلامة من كل شر، وأن الله يحفظُه، ويرحمُه ويفيض عليه من خيراته الكثيرة الدائمة، لأن البركة هي الخير الكثير الدائم.
2- في بيان فضل السلام:
مما يدل على فضل السلام أنه تحيةُ أهل الجنة، قال الله تعالى: (تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما) وقال عز وجل: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) وقال سبحانه: (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية 8/313: ((قوله تعالى: (وتحيتهم فيها سلام) أي تحية الله لهم، أو تحية الملَك، أو تحية بعضهم لبعض: سلام).
ويشهد لكون التحية لهم من الله تعالى قوله سبحانه: (سلامٌ قولا من رب رحيم).
ومما يدل على فضل السلام أن إفشاءه سبب لدخول الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم.
وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) رواه الترمذي.
ومعنى إفشاءِ السلام أن يُسلِّم على كلِ مَن يلقاه من المسلمين، من عرف منهم ومن لم يعرف، ويدل لهذا حديثُ ابنِ عمر رضي الله عنهما، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) متفق عليه.
ومن فضائل السلام ما روى أبو أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أولى الناس بالله، من بدأهم بالسلام) رواه أبو داود – صححه الألباني – ومعنى الحديث، أن من بدأ الناسَ بالسلام، فهو أخصُّهم برحمة الله وغفرانه، والقربِ منه في جنانه، فينبغي للمسلم أن يحرص على بدء إخوانه بالسلام عند ملاقاتهم، ليظفر بهذا الفضل العظيم.
ومن فضائل السلام أن اليهود يحسدون المسلمين عليه، فعن عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ» رواه ابن ماجه 856، وصححه الألباني.
ومعنى الحديث: ما حسدتكم اليهود على شيء من أمور دينكم، مثل ما حسدتكم على السلام، وعلى قولكم: آمين في الصلاة؛ لما علموا من فضلهما وبركتهما؛ وهذا فيه الحثُ للمسلمين على المحافظة على سنة السلام والتأمين في الصلاة.
ومما يدل على فضل السلام قولُ عمارِ بن ياسر رضي الله عنهما: "ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ" رواه البخاري في صحيحه معلقا مجزوما به (1/15)
ومعنى الأثر: (الإنصاف من نفسك): أي أن يكون المرء عادلا يعطي الحقوق لأصحابها، ولو كان الحق على نفسه (وبذل السلام للعالم) أي أن يلقيَه على جميع المسلمين، فيسلمُ على كلِ مَن يلقاه منهم (والإنفاق من الإقتار) أي إنفاق المال في وجوه الخير حالة الإقتار والفقر، فمن جمع هذه الصفات الثلاث فقد جمع الإيمان.
3- في بيان طرف من أحكام السلام وآدابه:
من أحكام السلام أن البدء به سنة مؤكدة؛ لما تقدم من الأدلة الدالة على فضله، وأنه من حقوق المسلم على أخيه المسلم، وهو من الحقوق غير الواجبة؛ فقد حكى ابن عبد البر في التمهيد 5/292 الإجماع على أن ابتداء السلام سنة ليس بواجب، فقال رحمه الله تعالى: (وإنما قلنا هذا بدليل إجماعهم على أن الابتداء بالسلام سنة وأن الرد فرض على ما ذكرنا من اختلافهم في تعيينه وكفايته والابتداء ليس كذلك عند جميعهم).
وأما ردُّ السلام فواجب إذا كان المسلَّمُ عليه واحداً، لقوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خمس تجب للمسلم على أخيه، رد السلام، وتشميت العاطس، . .) الحديث، رواه مسلم، وهذا صريح في الوجوب؛ لقوله: (تجب).
أما إذا كان المسلِّمُ جماعةً فيجزئ أن يسلم أحدُهم، وإن كان الأولى أن يُسلم كلُّ واحد منهم، كما يجزئ عن الجماعة المسلَّمِ عليهم أن يردَّ أحدُهم، وإن كان الأولى أن يرد الجميع، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدُهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدُهم) رواه أبو داود.
وأفضل صيغة للسلام أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لما روى عمرانُ بنُ حصين رضي الله عنهما، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عشر) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عشرون) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثون) رواه أبو داود، والمعنى أن له ثلاثين حسنة بإتمامه السلام.
وردُّ السلام يكون بمثل صيغة السلام أو أحسنَ منها لا دونها، فمن سلم عليه رجل فقال: السلام عليكم ورحمة الله. لزمه أن يرد بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله، ولا يقتصر على قول: وعليكم السلام فقط، وإن زاد وبركاته فهو أفضل؛ لأن الله تعالى يقول: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها).
ولا تشرع الزيادة في السلام على: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) في الابتداء والرد؛ لعدم ثبوت ما يدل على ذلك.
وأما ما جاء عند أبي داود من حديث معاذ بن أنس t بمعنى حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما المتقدم، وفيه زيادة: (ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ r: «أَرْبَعُونَ» ثم قَالَ: «هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ» رواه أبو داود 5196، فقد قال الألباني: ضعيف الإسناد.
وفي فتاوى اللجنة 24/116 برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: (هذه الرواية التي بها زيادة: (ومغفرته) ضعيفة لا يحتج بها).
وروى مالك في الْمُوَطَّأِ 2/959 أن رجلا سلَّم فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئا. فقال ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ([1]).
ويجوز في لفظ السلام أن يكون منكَّرا: (سلام عليكم)، ويجوز أن يكون معرَّفا بالألف واللام (السلام عليكم) كما نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وقد جاء تعريف السلام وتنكيره في القرآن الكريم والسنة النبوية، فمن ذلك:
قوله تعالى عن نبيه عيسى u: (والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا)
وقوله تعالى عن خليله إبراهيم u: (قال سلام عليك سأستغفر لك ربي)
وفي كتاب النبي r لهرقل: (سلام على من اتبع الهدى) رواه البخاري.
وفي الصحيحين في حديث خلق آدم u وفيه: قال: ( فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله).
وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَى الأموات عند زيارتهم فَمُعَرَّفٌ، كما جاء في الحديث: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ . . .).
وكما يستحب السلام عند الدخول في المجلس ونحوه فإنه يستحب أيضا عند القيام منصرفا من المجلس أن يسلم على مَن فيه.
لِمَا روى أَبو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتْ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنْ الثَّانِيَةِ» رواه أبو داود 5208 وقال الألباني: حسن صحيح.
إلا أن السلام عند الدخول آكد استحبابا من السلام عند الانصراف؛ لأنه أول اللقاء، ولورود النصوص فيه أكثر من حال الانصراف، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) وقال r: (إذا لقيته فسلم عليه .. .) الحديث متفق عليه.
ومن سلَّم على شخص، ثم فارقه ولو مفارقة يسيرة ثم التقى به فيسن أن يسلم عليه أيضا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قال رسول الله r: «إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ، أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ أَيْضًا» رواه أبو داود. 5200 قال الألباني: صحيح موقوفا ومرفوعا.
ومن ذلك ما لو كان عندك ضيف فسلمت عليه، ثم ذهبت لإحضار الطعام أو الشراب، فإذا رجعت إليه فيسن أن تسلم أيضا.
ومن ذلك من يتكرر اللقاء به في العمل أو مكان الدراسة، فيسن كلما لقيته أن تسلم عليه، ولو كان لقاؤك به قريبا، ولعموم قوله r: (أفشوا السلام)
وهذا من فضل الله تعالى فإن المسلِّم والمجيب يحصل لهما الأجر العظيم.
والسنة أن يسلم الراكب في سيارة ونحوها على الماشي على قدميه، ويسلمَ الماشي على القاعد عندما يمر به، وتسلمَ الجماعةُ القليلةُ على الكثيرة، ويُسلمَ الصغيرُ على الكبير، لقوله عليه الصلاة والسلام: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير) رواه البخاري، وفي رواية للبخاري: (يسلم الصغير على الكبير)
وهذا كله على سبيل الاستحباب، فإذا ترك من عليه الحقُ السلام، فيسن لمن له الحقُ أن يسلم، فلو ترك الراكب السلام، فيسن للقاعد أن يبدأه بالسلام، وقد روى أنس رضي الله عنه أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر بصبيان فسلم عليهم. رواه مسلم، وهذا يدل على تواضعه صلى الله عليه وسلم، ولين جانبه، وتعويده للصبيان على آداب الشريعة.
ومن أحكام السلام السلام على المرأة، وهذا فيه تفصيل:
فقد بوب البخاري في الصحيح: باب تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري 11/33: (والمراد بجوازه أن يكون عند أمن الفتنة).
فيكره سلام الرجل على المرأة الشابة الأجنبية عنه، لأن السلام عليها يستدعي ردَّها عليه، ويترتب عليه سماع صوتها، وسماع صوت المرأة الشابة سبب للفتنة، ولذا فإن المرأة ممنوعة من العبادات التي يكون فيها إظهار للصوت، كالأذان والتلبية، وإنما يشرع لها في التلبية أن تكون بصوت منخفض.
وإذا وُجدت حاجة للسلام والتحدث مع الشابة مع أمن الفتنة جاز ذلك، للقاعدة الفقهية: لا كراهة مع الحاجة، كما في سلام الرجل على امرأة أخيه، أو امرأة خاله وعمه، ونحوهن فإن العرف في بعض البلاد جار بالسلام عليهن، لكن بشرط أمن الفتنة.
أما سلام الرجل على الشابة من محارمه فمشروع، ابتداء وردَّاً لعموم الأدلة.
ويجوز السلام على المرأة العجوز، وهي كبيرة السن، وكذا المرأة البارزة، وهي المرأة العفيفة التي أسنت وجاوزت سن الشباب، والتي تبرز للرجال وتتحدث معهم وتتعاطى البيع والشراء، وإن لم تكن عجوزا، فتوجد حاجة للسلام عليها والتحدث معها، وإنما جاز ذلك لأن العجوز والبارزة ليستا مظنة الفتنة بسماع صوتهما، بخلاف الشابة.
ومن ذلك أيضا الاتصال بالمرأة لأجل العمل، فيجوز السلام عليها للحاجة، إذا أمنت الفتنة، وكان كلامه معها بقدر الحاجة، من غير توسع في الكلام.
ويدل للسلام على المرأة الأجنبية كبيرة السن ما روى أبو حازم عن سهل t قال: «كنا نفرح يوم الجمعة» قلت: ولم؟ قال: " كانت لنا عجوز، ترسل إلى بضاعة - قال ابن مسلمة: نخل بالمدينة - فتأخذ من أصول السلق، فتطرحه في قدر، وتكركر حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا، ونسلم عليها فتقدمه إلينا، فنفرح من أجله"([2]) رواه البخاري (6248)
عن أَسْمَاءُ ابْنَةُ يَزِيدَ رضي الله عنها قالت: «مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا» رواه أبو داود 5204، وصححه الألباني.
ومن أحكام السلام أنه يستحب بعث السلام بواسطة شخص ينقله، كأن يقول: أبلغ سلامي لفلان. فيجب على من حُمِّل السلام أن ينقله إلى المسلَّم عليه إذا التزم له بنقل السلام، لأن ذلك يعد من الأمانة الواجب أداؤها، وقد قال جل وعلا: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ويجب رد السلام عند بلوغه للمسلَّم عليه، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (إن جبريل يقرأ عليك السلام) قالت: وعليه السلام ورحمة الله. رواه البخاري.
ويستحب سلامه على من نقل السلام أيضاً، لما رواه أبو داود أن رجلاً قال بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائته فأقرئه السلام. قال: فأتيته فقلت: إن أبي يقرئك السلام. فقال: عليك وعلى أبيك السلام.
ويستحب لمن دخل بيته أن يسلم على أهله؛ لقوله سبحانه: (فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة) وعن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أنس إذا دخلت على أهلك فسلم ، يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك) رواه الترمذي.
ويستحب إذا دخل بيتا ليس في أحد، أو مكانا خاليا من الناس أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لما روى نَافِع، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ غَيْرَ الْمَسْكُونِ فَلْيَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) رواه البخاري في الأدب المفرد 1055، وحسنه الألباني.
ومن أحكام السلام أنه مشروع عند كتابة الرسائل، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم استفتاحُ الرسائل بالسلام، كما في رسالته صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، وفيها قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام . . .)
فإذا راسل الإنسان غيره رسائل الجوال أو البريد الإلكتروني فيشرع له أن يبدأ رسالته بالسلام، وحينئذ فيجب على المسلَّم عليه أن يرد عليه السلام باللفظ أو بالكتابة، كما تقدم في حكم السلام.
ومن أحكام السلام أنه لا يجوز للمسلم أن يبدأ الكافر بالسلام، أيا كانت ملته يهوديا أو نصرانيا أو مشركا أو غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام) رواه مسلم، وإذا كان هذا في حق اليهود والنصارى وهم أكل كتاب فغيرهم من الكفار من باب أولى أن يُنهى عن بدئهم بالسلام.
كما أن في ابتداء الكافر بالسلام إكراما له، وإعزازا له ورَفعا لشأنه، وهو ليس بأهل لذلك؛ لكفره، ولا يلزم من تحريم بدئه بالسلام ظلمُه والاعتداءُ عليه، بل نعامله بالعدل، ونفي له بالعهود التي بيننا وبينه، ونقابل إحسانه بالإحسان، ونعاملُه بالبر، ما دام ليس محاربا لنا، لقول الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)
ولا مانع من ابتداء الكافر بالتحية بغير لفظ السلام، كأن يقول له: كيف حالك، أو مرحباً وما أشبه هذه العبارات، إذا كان في ذلك مصلحة كترغيبه في الدخول في الإسلام، أو دفع شره عن المسلم.
وإذا سلم علينا اليهودي أو النصراني وجب علينا الرد عليه، لعموم قوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) ونقتصر في الرد عليهم بقول: وعليكم. لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم لاقون اليهود غداً فلا تبدؤوهم بالسلام، فإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم" رواه البيهقي في السنن الكبرى. والحديث صححه في الإرواء.(1125)
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك. قالت: ففهمتُها. فقلت: عليكم السام واللعنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مهلاً يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله" فقلت يا رسول الله : أولم تسمع ما قالوا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فقد قلت: وعليكم" متفق عليه. ولمسلم:". وأنَّا نجاب عليهم ولا يجابون علينا."
وإذا مر الإنسان بمكان فيه مسلمون وكفار، سلم عليهم ناوياً السلام على المسلمين دون غيرهم، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدةِ الأوثان واليهود فسلم عليهم ) متفق عليه.
4-من أخطاء بعض الناس في السلام:
1- الانحناء عند السلام والمصافحة، وهذا لا يجوز، لا بأن يحني ظهره، لأنه ركوع، والركوع عبادة لا تجوز إلا لله عز وجل؛ ولا بخفض رأسه أيضا عند السلام؛ لأن الانحناء لا يجوز لأحد من المخلوقين؛ لأنه لا يكون إلا لله تعالى؛ تعظيما له سبحانه.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا، . . .([3]). رواه الترمذي.
2- ومن أخطاء بعض الناس أنهم لا يسلمون على من يلقونه، وهذا يعد نوعا من البخل، فعن عبد الله بن مُغَفَّل رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أسرقُ الناس الذي يَسرقُ صلاتَه". قيل: يا رسولَ الله! كيف يَسرقُ صلاتَه؟ قال: "لا يُتمُّ ركوعَها وسجودَها، وأبخلُ الناسِ مَن بَخِلَ بالسلامِ". قال المنذري في الترغيب: رواه الطبراني في "معاجمه الثلاثة" بإسناد جيّد. وقال الألباني: صحيح لغيره.
فالبخل لا يقتصر على البخل بالمال، بل يشمل بالبخل بالسلام، وكذا البخل بالصلاة على النبي r، لحديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «البَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» رواه الترمذي 3546، وصححه الألباني.
3- من أخطاء بعض الناس في السلام أن يحيي من يلاقيه بغير السلام فيقول إذا لقيه: مساك الله بالخير أو يقول له: كيف حالك أو نحو هذه العبارات، وهذه التحايا وإن كانت جائزة إلا أن البدء بالسلام أفضل؛ لما يترتب عليه من أجر عظيم فلو بدأ من يلاقيه بقول: السلام عليكم. لحصل له عشر حسنات، فإن زاد ورحمة الله، فله عشرون حسنه، فإن زاد وبركاته، كان له ثلاثون حسنة، ثم إن شاء بعد السلام حياه بأنواع التحايا المعروفة، من قوله مساك الله بالخير، ونحوها.
4- ومن الأخطاء في السلام أيضاً أن بعض الناس إذا سُلم عليه اكتفى بقوله: أهلاً وسهلاً، أو مرحباً، ونحو هذه العبارة، وهذا لا يجوز؛ لأن رد السلام واجب كما تقدم، وأما بعد رد السلام فله أن يأتي بما شاء من عبارات التحية.
وهذا يحصل كثيرا من بعض الناس عند الاتصال عليه بالهاتف، فيقول المتصل: السلام عليكم، فيجبه المتصل عليه بقوله: أهلا بفلان، كيف حالك. ونحو هذه العبارات، وهذا من الخطأ.
5- ومن الأخطاء في السلام أن بعض الناس لا يسلِّمون إلا على من يعرفون، وأما من لا يعرفونه فلا يسلمون عليه، وهؤلاء قد تركوا السنة، وفوتوا على أنفسهم فضلاً عظيماً، وأجراً كبيراً، وقد تقدم قول النبي r: (وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) متفق عليه، وسلام المرء على من يعرف دون من لا يعرف من أشراط الساعة، فعن ابن مسعود t قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن من أشراط الساعة إذا كانت التحيةُ على المعرفة" رواه الإمام أحمد (3664) وقال أحمد شاكر: إسناده حسن. قال الشيخ حمود التويجري رحمه الله تعالى معلقا على هذا الحديث: (وهذا مما ظهر مصداقه في زماننا) – إتحاف الجماعة 2/32 -.
6- لا ينبغي للمسلم أن يحيي إخوانه المسلمين بقوله: (السلام على من اتبع الهدى) لأن ذلك قد يثير في نفس المسلم شيئا من الظنون السيئة، وإنما يُخاطَب بهذه التحية غيرُ المسلمين، كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراسلاته للكفار يدعوهم إلى الإسلام، وكذا يجوز أن تقال هذه العبارة إذا كان في المجلس خليطٌ من المسلمين والكفار.
7- أن بعض الناس يكتفي بالإشارة عن السلام، فيشير بيده على من يقابله من غير أن يتلفظ بالسلام، وهذا قد جاء النهي عنه فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ» رواه الترمذي 2695، وحسنه الألباني.
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالْأَكُفِّ وَالرُّؤوسِ وَالْإِشَارَةِ» رواه النسائي في السنن الكبرى 10100.
أما إذا أشار بيده وتلفظ بالسلام فلا حرج، كما لو كان المسلَّمُ عليه بعيدا، أو أصماً لا يسمع، أو كان الإنسان في السيارة ومرَّ برجل يمشي فأشار إليه مع التلفظ بالسلام؛ لقصد إفهامه أنه يُسلِّم عليه فلا حرج، ولكن الذي لا يجوز هو جعل الإشارة المجردة بدل السلام.
ومما يتعلق بهذه المسألة أن الإنسان إذا كان يصلي وسلم عليه شخص فإنه لا يجيب باللفظ؛ لما روى مسلم في صحيحه عن عبد الله رضي الله عنه قال: «كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله: كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: إن في الصلاة لشغلا»
وإنما يجيب بالإشارة بدون تلفظ بالسلام، لثبوت ذلك في سنة النبي r، فمما ورد في ذلك أنه يرده بالإشارة بأصبعه، فقد روى أبو داود من حديث ابن عمر عن صهيب قال: «مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فرد إشارة، قال: ولا أعلمه إلا قال: إشارة بأصبعه» ومما ورد أيضا الإشارة باليد، لقول بلال t: يقول هكذا. وبسط جعفر بن عون –أحد رواة الحديث- كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق. رواه أبو داود.
8- ومن المخالفات في السلام أن بعض الناس اعتاد أن يسلم بعد صلاة الفريضة ويصافح مَن على يمنيه وشماله، قائلا: تقبل الله. سواء أكان قد سلم عليه قبل الصلاة أم لا، وهذا لا يعرف له أصل من الكتاب والسنة، ولأن المصلي يشرع له في هذه الحال أن يبادر بالأذكار الشرعية التي كان يقولها النبي r بعد صلاة الفريضة.
لكن إذا كان لم يسلم على أخيه قبل الصلاة، كما لو جاء والصلاة قد أقيمت فدخل مع الجماعة ثم بعد السلام والفراغ من أذكار الصلاة سلم على من على يمينه أو شماله وصافحه فلا حرج في ذلك.
وكذا لو جاء إلى المسجد فصلى ركعتين تحية المسجد أو السنة الراتبة القبلية، فلما سلم من الصلاة النافلة سلم على من على يمينه أو شماله وصافحه كل ذلك لا حرج فيه مادام أنه لم يسلم عليه قبل النافلة؛ وذلك لعمومات الأدلة الدالة على مشروعية السلام والمصافحة عند اللقاء.
9- ومن أخطاء بعض الناس أن يبدأ بالكلام مع غيره أو سؤاله قبل أن يسلم عليه، وقد روى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّلَامُ قَبْلَ الكَلَامِ» رواه الترمذي 2699، وحسنه الألباني، وعن ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا تُجِيبُوهُ» رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (214) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6122). وعنِ ابْنِ عُمَر رضي الله عنهما قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (السَّلامُ قَبْلَ السُّؤَالِ فَمَنْ بَدَأَكُمْ بِالسُّؤَالِ قَبْلَ السَّلامِ فَلا تُجِيبُوهُ) رواه ابن عدي في الكامل 6/509، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 3699.
فالسنة أن يبدأ بالسلام قبل الكلام؛ لأن السلام تحية فتكون في الابتداء قبل الكلام، وتفوت إذا ابتدأ بالكلام، ومثَّل له بعض الفقهاء بتحية المسجد، فإنها تكون قبل الجلوس، وتفوت بعد الجلوس، لكن من كان له عذر فبدأ بالكلام قبل السلام لجهل أو سهو ونحوه فلا يفوت السلام في حقه بل يأتي به ولو بعد الكلام.
10- ومن الأخطاء في السلام تخصيص الداخل بعض الحاضرين بالسلام دون بقية الحاضرين، وهذا لا شك أنه يوقع في قلوبهم الوحشة، وربما كان سببا للشحناء والعداوة، ولذا فالسنة أن يسلم على الجميع؛ لدفع هذه المفسدة، ثم إذا كان في المجلس من له قدر ومكانه كالأب أو العالم أو كبير السن ونحوهم فيخصه بعد ذلك بالسلام؛ إكراما له، فيأتي أولا بالسلام العام للجميع، ثم بالسلام الخاص.
5- في بيان ما يقترن بالسلام من أحكام المصافحة والمعانقة.
كثيرا ما يقترن السلام بالمصافحة، والمصافحة عند كل لقاء مستحبة بإجماع العلماء، وفيها فضل عظيم، فقد روى البراءُ بن عازب رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: (مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا) رواه أبو داود 5201، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (525): بعد أن أَوْرَد طُرُقه: (وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه وشاهده صحيح، أو على الأقل حسن كما قال الترمذي).
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه، وأخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورق الشجر) رواه الطبراني – الصحيحة 526 –
والمصافحة من هدي الصحابة y فعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكَانَتِ المُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» رواه البخاري 6263.

ولا يجوز للرجل أن يصافح المرأة الأجنبية عنه، كابنة العم وابنة الخال وزوجة العم وزوجة الخال وغيرهن من الأجنبيات، حتى ولو كانت المرأة كبيرة في السن، أو كانت مصافحتها من وراء حائل، كعباءة ونحوها؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد – يعني بإبرة من حديد - خير من أن يمس امرأة لا تحل له) رواه الطبراني، وقال الألباني: سنده جيد. ولما بايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء، لم يصافح منهن امرأة قط، تقول عائشة رضي الله عنها: (والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، وما بايعهن إلا بقوله) متفق عليه، ولأن مس البدن للبدن أبلغُ في إثارة الشهوة من النظر بالعين، والنظر إلى الأجنبية محرم فما هو أبلغ منه وهو المس أولى بالتحريم.
ومصافحة المرأة الأجنبية أصبحت من العادات المنتشرة في بعض المجتمعات، ومن المعلوم أن الشريعة حاكمة على العادات، وليست العادات حاكمةً على الشريعة، ولكن ينبغي لمن ابتلي بهذا الأمر أن يتقي الله تعالى، وأن يبين أن عدم مصافحته للمرأة لا يعني عدم احترامها، وإنما هو اتباع لشرع الله الذي أُمرنا باتباعه، وقد تقدم أنه يجوز السلام على المرأة الأجنبية بالقول، فيقول لها: السلام عليك يا فلانه، إذا أمنت الفتنة، لكن بدون مصافحة.
ومما يقترن بالسلام أيضا المعانقة، والمعانقة مستحبة للقادم من السفر؛ لثبوت ذلك عن النبي r، فعن الشعبي قال: لما قدم جعفر رضي الله عنه من الحبشة ضمَّه النبي r، وقبَّل ما بين عينيه، وقال: (ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً، فتح خيبر، أو قدوم جعفر). رواه أبو داود 5209، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم (1470) (2/108) و (22/100) من طريق عون بن أبي جحيفة عن أبيه، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (6/335) عن إسناد الطبراني: إسناد جيد.
ولكون ذلك من هدي الصحابة رضي الله عنهم، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان أصحاب النبي r إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا. أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (97) (1/37) وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (6/303): إسناد جيد.
وأما معانقة غير القادم من السفر فمرده إلى عادة الناس، فما اعتاده الناس من المعانقة فهو مباح، كالمعانقة لطول غيبة، وغلبة الشوق، والتهنئة بالعيد، ونحو ذلك، ويدل لذلك إقرار النبي r لأبي الهيثم حين عانقه في الحضر، فقد روى الترمذي أن أبا الهيثم بنَ التَّيِّهان رضي الله عنه – التزم النبي r حين جاءه هو وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، في حديث طويل([4]).
وهذا محمول منه على شدة الشوق، أو مزيد الإكرام، لكن لا تُجعل المعانقة دائمة عند كل لقاء كالمصافحة؛ لأن ذلك لم يكن من هدي النبي r، ولا صحابته رضي الله عنهم.
وأسأل الله عز وجل أن يجعل ما سمعناه حجة لنا لا علينا، وأن يوفقنا للعمل بما تعلمنا، وأن يغفر ذنوبنا ويستر عيوبنا، وأن يرحم والدينا ومشايخَنا ومن له حق علينا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

([1]) وقال الأرنؤوط في تحقيق جامع الأصول 6/601: إسناده صحيح.
([2]) تكركر: تطحن. والسلق: بقله لها ورق طوال وأصل ذاهب في الأرض، وورقها غض طري يؤكل مطبوخا.
([3]) أخرجه الترمذي، أبواب الاستيذان والآداب، باب ما جاء في المصافحة، برقم (2728) والحديث قال عنه الترمذي: حديث حسن. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة بمتابعاته (1/248-250).
([4]) أخرجه الترمذي، أبواب الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي r، برقم (2369) والحاكم في المستدرك، برقم (7178) (4/145، 146) وقال: حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في مختصر الشمائل ص79، وأخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك . . .برقم (2038) بدون جملة الالتزام.

محاضرات ذات صلة