مكتبـــــة المحاضرات

2025-08-10 08:59:53

الدعاء

إن الحمد لله . . أما بعد.    
فإن الله جل وعلا قد خلق الخلق لعبادته، كما قال سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وإن من العبادات العظيمة، التي يَستجلب بها العبدُ نِعَم الله عليه، ويَدفع بها نقم الله عنه، عبادةَ الدعاء، فالعباد محتاجون إلى دعاء ربهم، وسؤاله والتضرعِ بين يديه أشد الحاجة، مفتقرون إلى ذلك غاية الافتقار، بل مضطرون إليه غاية الاضطرار.
 الدعاء الذي هو أكرم شيء على الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: (ليس شيء أكرمَ على الله من الدعاء) رواه الترمذي – وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص265 –
 والله جل وعلا قد أمر العباد بدعائه، وحثهم على ذلك، فقال سبحانه: (وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) وقال تعالى: (واسألوا الله من فضله) وهو جل وعلا قريب ممن دعاه، يجيب سؤاله ويحقق آماله: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)
بل إن الله عز وجل يغضب على عبده إذا ترك دعاءه وسؤاله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي r: (من لم يسأل الله يغضب عليه) رواه البخاري في الأدب المفرد – وحسنه الألباني 246 – ولقد أحسن من قال:
 الله يغضب إن تركت سؤاله      وبُنيَّ آدمَ حين يُسأل يغضب
وفي حج بيت الله الحرام يكثر الحجاج من دعاء ربهم والتضرع إليه، وقد جاء في سنة النبي r أنه دعا في الحج في مواضع، منها: الدعاء على الصفا والمروة والدعاء في عرفة ومزدلفة وبعد الجمرة الصغرى والوسطى، وكذا يدعو الحاج والمعتمر في طوافه وسعيه.
أيها الحجاج الكرام . . إن للدعاء شروطاً وآداباً، ينبغي للداعي مراعاتها، ليتحقق له مقصوده وتستجابَ دعوتُه، منها:
أن يدعو الله وحده، فلا يُشرِكُ معه في الدعاء غيره كائنا من كان، لا مَلَكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا وليا صالحا، لأن الدعاء عبادة، والعبادة لا يجوز صرفها إلا لله تعالى، لقوله سبحانه: (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً) ويقول النبي r: (الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي r: (إذا سألت فاسأل الله) رواه الترمذي، فالذين يدعون غير الله تعالى من الأنبياء عليهم السلام والصالحين قد وقعوا في الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام، فمن يقول: يا رسول الله أغثني، أو يا فلان أكشف كربتي، أو نحو ذلك، كل هذا شرك أكبر عياذا بالله تعالى؛ قال الله تعالى: (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم . . . )        
ومن شروط الدعاء الإخلاص فيه، بأن يريد الداعي وجه الله تعالى بدعائه، لا يريد رياء ولا سمعه، لقول الله تعالى: (فادعوا الله مخلصين له الدين) وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لا يَسْمِع الله من مُسمِّع – أي لا يستجيب الله ممن يسمِّع الناس بدعائه لأجل أن يشتهر بينهم - ولا من مراء، ولا لاعب، إلا داع دَعَا يُثبت من قلبه) أي خالصا من قلبه. رواه البخاري في الأدب المفرد - برقم 606 وقال الألباني: صحيح الإسناد صحيح الأدب المفرد ص227
ومن شروط إجابة الدعاء إطابة المطعم، فمن يأكل المال الحرام لا تستجاب دعوته، لأن الله تعالى يقول: (إنما يتقبل الله من المتقين) وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } وقال { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ثم ذكر الرجل، يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب ومطعمة حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ رواه مسلم.
وتأملوا في هذا الحديث، فقد اجتمعت لهذا الداعي عدة أسباب لقبول دعائه، وهي:
السفر الطويل، والسفر من أسباب إجابة الدعاء، كما جاء في الحديث، وَمَتَى طَالَ السَّفَرُ، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى إِجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ حُصُولِ انْكِسَارِ النَّفْسِ بِطُولِ الْغُرْبَةِ عَنِ الْأَوْطَانِ، وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ، وَالِانْكِسَارِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ.
وكونه: "أشعث أغبر" يعني أشعث في شَعره أغبر من التراب.
وحُصُولُ التَّبَذُّلِ فِي اللِّبَاسِ وَالْهَيْئَةِ بِالشَّعَثِ وَالِاغْبِرَارِ مِنَ الْمُقْتَضِيَاتِ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، كَمَا فِي قول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ([1])، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» - صحيح الترغيب 3/252 - «وَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلِاسْتِسْقَاءِ، خَرَجَ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا»
وكونه: "يمد يديه إلى السماء" ومد اليدين إلى السماء من أسباب إجابة الدعاء، كما جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ» أبو داود.
فرفع اليدين عند الدعاء مستحب، إلا ما ورد في الشرع عدم الرفع فيه.
وذلك أن رفع اليدين في الدعاء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما ورد فيه رفع اليدين، كما إذا دعا الخطيب يوم الجمعة بالاستسقاء، فإنه يرفع يديه والمأمومون كذلك، لما رواه البخاري في حديث أنس رضي الله عنه في قصة الأعرابي الذي طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة أن يستسقي فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ورفع الناس أيديهم معه يدعون.
وكذلك رفع اليدين على الصفا وعلى المروة، وفي عرفة، وما أشبه ذلك فالأمر في هذا واضح.
القسم الثاني: ماورد فيه عدم الرفع كالدعاء بغير الاستسقاء حال خطبة الجمعة، فلو دعا الخطيب للمؤمنين والمؤمنات في خطبة الجمعة فإنه لا يرفع يديه، لأنه خلاف السنة.
وكذلك رفع اليدين في دعاء الصلاة كالدعاء بين السجدتين، والدعاء بعد التشهد الأخير، وما أشبه ذلك، هذا أيضا أمره ظاهر.
القسم الثالث: ما لم يرد فيه الرفع ولا عدمه: فالأصل الرفع لأنه من آداب الدعاء ومن أسباب الإجابة، للحديث المتقدم: "إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا".
وقوله: "يا رب يا رب" توسل في دعائه باسم من أسماء الله تعالى وهو الرب، والتوسل بأسماء الله تعالى في الدعاء من أسباب الإجابة.
 ثم كرر ذلك ومن أسباب الإجابة الإلحاح على الله تعالى.
وقوله: "ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِيَ بالحرام" أي طعامه وشرابه ولباسه وغذاؤه كله من الحرام إما لذاته أو لكسبه.
"فأنى يستجاب لذلك" أنى: اسم استفهام، والمراد به الاستبعاد، يعني يبعد أن يستجاب لهذا، مع تعدد أسباب الإجابة في حقه كما تقدم.
وهذا يدل على خطر تناول الحرام، وأنه سبب لعدم إجابة الدعاء.
ومن آداب الدعاء أن يتقدَمه الثناءُ على الله جل وعلا، والصلاةُ على النبي r فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (عَجِلَ هَذَا) ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ) رواه أحمد -قال محققو المسند (39/363): إسناده صحيح-
وعن عمر رضي الله عنه قال: (إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك r ) رواه الترمذي –وقال الألباني في صحيح الترغيب برقم 1676: صحيح لغيره-
ومن آداب الدعاء أن يقدِّم الداعي بين يدي دعائه الإخبارُ عن ضعفه وعجزه وافتقاره إلى مولاه، فإن نبي الله زكريا عليه السلام قال في دعائه (رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا) ثم دعا فقال: (فهب لي من لدنك وليا) فاستجاب الله دعاءه، (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا)
       ومن أسباب إجابة الدعاء اعتراف العبد بذنوبه وتقصيره في حق خالقه، ففي دعاء يونس عليه السلام (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) وروى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له)([2]).
ومن آداب الدعاء حضور القلب عند الدعاء، بأن لا يكون الداعي غافلا؛ لما روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي r قال: (إذا سألتم الله فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد من ظهر قلب غافل) رواه أحمد ورواه الترمذي بلفظ: (لا يستجيب دعاء قلب غافل لاهٍ) –الصحيحه برقم 594-
ومن آداب الدعاء ألا يعجل الداعي إجابةَ دعوته؛ لقول الرسول r : (يستجاب لأحدكم ما لم يُعجل، يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي) متفق عليه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل) قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: (يقول: دعوت فلم يُستجب لي) رواه مسلم.
ومن آداب الدعاء، ألا يعلَّق على مشيئة الله، بل يعزم الداعي في مسألته، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r : (لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما يشاء لا مكره له) متفق عليه، ولمسلم: (ولكن ليعزم وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه).
ويستحب رفع اليدين عند الدعاء، بل إن رفعهما من أسباب الإجابة، لما روى سلمان رضي الله عنه عن النبي r قال: (إن ربكم تبارك وتعالى حييٌّ كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا) رواه أبو داود.
كما يستحب تكرار الدعاء، فقد كان النبي r إذا دعا دعا ثلاثا وإذا سأل سأل ثلاثا. رواه مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
وينبغي للداعي أن يلزم الدعاء في حال الرخاء والشدة، لأن بعض الناس لا يدعو الله إلا عند الشدائد والكرب، وأما في حال الرخاء والسعة فيغفل عن دعاء ربه جل وعلا، وقد أخبر الله عن حال هؤلاء فقال: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه، ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل) وفي الحديث: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) رواه الترمذي، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي. قال الترمذي: حديث غريب، وذكره الألباني في الصحيحة برقم (593)
ويستحب للداعي أن يكون طاهرا؛ لما في صحيح البخاري 6383 عن أبي موسى t قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ به، ثم رفع يديه فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر» ورأيت بياض إبطيه، فقال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» ونحوه في مسلم 2498.
ومن آداب الدعاء أن يستقبل القبلة حال الدعاء، لثبوت استقبال النبي r للقبلة حال الدعاء في عدة أحاديث، منها:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكَعْبَةَ، فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ: عَلَى شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى، قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا. رواه البخاري 3960، ومسلم 1794، واللفظ للبخاري.
وعن عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» . . . رواه مسلم 1763.
وثبت استقباله r القبلة عند دعائه في عرفة، وفي مزدلفة، وعلى الصفا، وغير ذلك.
وليس استقبال القبلة بشرط في الدعاء، بل هو الأفضل، فيجوز الدعاء وهو متجه إلى غير القبلة، فقد ثبت أن النبي r دعاء على المنبر في خطبة الجمعة وهو مستدبر القبلة.
وينبغي للداعي الحذر من الاعتداء في الدعاء، لقول الله عز وجل: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) والاعتداء في الدعاء هو مجاوزة الحد المشروع فيه، كمن يسأل الله ما هو ممتنع عقلا وعادة، أو ما لم تجر سنته بإعطائه للعباد، أو ما يناقض حكمته، أو أن يأتي بدعاء مخترع لا أصل له في الشرع، ومن أمثلة ذلك: أن يدعو الله أن يرزقه مُلكَ سليمان عليه السلام، أو منازل الأنبياء عليهم السلام في الجنة، أو أن يحيي له قريبه الميت، ونحو هذه الأدعية، ويدخل في الاعتداء في الدعاء رفعُ الصوت والصياحُ به، ويستثنى من ذلك الإمام في التراويح فإن يجهر بدعاء القنوت ليؤمن المأمومون على دعائه، لكن من غير رفع زائد على المعتاد، ولا تلحين للدعاء ولا تغنٍ ولا تمطيط، فإن الدعاء تضرع واستكانة وتذلل بين يدي الله تعالى.
 
ومن الاعتداء في الدعاء الدعاء على النفس بالموت عند نزول المصائب والمحن، فإن هذا منهي عنه لقوله r : (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحييني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي) متفق عليه
والوصية الجامعة لما تقدم، أن يحرص الداعي على الإتيان بالأدعية الواردة في الكتاب والسنة، فإنها من جوامع الدعاء، متضمنةً للمعاني العظيمة بألفاظ قليلة لا محذور فيها، تقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله r يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك. رواه أبو داود. وصحح الألباني في صحيح أبي داود 1/278.
والله أسأل أن يفقهنا في الدين، وأن يثبتنا على الإسلام والسنة، وأن يتقبل دعاءنا وصالح أعمالنا، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

([1]) في النهاية (طمر): (الطِّمْر: الثوبُ الخَلَق).
([2]) صحيح الترمذي للألباني.

محاضرات ذات صلة