مكتبـــــة المحاضرات

2025-10-06 08:40:50

الفتن. أسبابها. وطرق الوقاية منها

محاضرة بجامع الملك خالد في 9/7/1437ه

المقدمة:
إن الحمد لله . . . أما بعد.
فإن الكلام على الفتن من الأهمية بمكان، تظهر أهميته في النقاط الآتية:
1- كثرة الفتن الواقعة في هذا الزمان، وما نتج عنها من سفك الدماء وانتهاك الأعراض واختلال الأمن، وحصول الفوضى، والفساد العريض والشر الكبير.
2- كثرة الخائضين في الفتن من الجهال أو أصحاب الهوى.
3- حاجة كثير من المسلمين إلى معرفة منهج السلف الصالح في التعامل مع الفتن.
4- بيان الأسباب المؤدية إلى الفتن؛ ليحترز المسلم منها، ويتجنب سلوكها.
5- بيان طرق الوقاية من الفتن، التي تعصم المؤمن بإذن الله تعالى من الوقوع فيها.

ولذا فسوف يكون الكلام في هذه المحاضرة في المسائل الآتية:
1- تعريف الفتن، وبيان المراد منها في هذه المحاضرة.
2- ذكر شيء من النصوص الشرعية مما ورد في التحذير من الفتن.
3- المراد بالفتن المأمور باعتزالها.
4- بيان الأسباب المؤدية إلى الوقوع في الفتن.
5- طرق الوقاية من الفتن.
والله أسأل أن يلهمني وإياكم الصواب في أقوالنا وأعمالنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.
تعريف الفتن:
قال ابن فارس: ((فَتَنَ) الْفَاءُ وَالتَّاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى ابْتِلَاءٍ وَاخْتِبَارٍ) المقاييس.
وقال النووي: (قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَصْلُ الْفِتْنَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ قَالَ الْقَاضِي ثُمَّ صَارَتْ فِي عُرْفِ الْكَلَامِ لِكُلِّ أَمْرٍ كَشَفَهُ الِاخْتِبَارُ عَنْ سُوءٍ قَالَ أَبُو زَيْدٍ فُتِنَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فُتُونًا إِذَا وَقَعَ فِي الْفِتْنَةِ وَتَحَوَّلَ مِنْ حَالٍ حَسَنَةٍ إِلَى سَيِّئَةٍ)([1]).
والفتن في الدين، قد تكون فتن شبهات أو فتن شهوات، أما فتن الشبهات فهي التي يلتبس فيها الحق بالباطل، فلا يعلم المرء أين يكون الحق، وهذا الشبهات قد تكون في العقائد وقد تكون في غيرها.
أما فتن الشهوات فهذه يكون الحق فيها معلوما للمرء لكنه يفتتن ويتبع هواه، كما هو الحال في الفتن المتعلقة بالنساء أو بالمال ونحو ذلك.
الفتنة في القرآن لها إطلاقات عدة:
منها الشرك كما في قوله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُم حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتنَة وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ﴾[الأنفال:39]
ومنها الاختبار كما في قوله تعالى عن نبيه موسى r: ﴿وَفَتَنَّٰكَ فُتُونا﴾[طه:40]
ومنها العذاب كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعدِ مَا فُتِنُواْ﴾[النحل:110]
ومنها الضلالة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتنَتَهُۥ فَلَن تَملِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيئًا﴾[المائدة:41]
ومنها العقوبة كما في قوله تعالى: ﴿ فليحذر ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أَمرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُم فِتنَةٌ أَو يُصِيبَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾[النور:63]
ومنها الإثم كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنهم مَّن يَقُولُ ٱئذَن لِّي وَلَا تَفتِنِّ أَلَا فِي ٱلفِتنَةِ سَقَطُواْ ﴾[التوبة:49]([2])
فهذه المعاني للفتنة يحددها السياق الذي ترد فيه.
والمراد بالفتن في هذه المحاضرة: ما يكون من هرج وقتل بين المسلمين، ينتج عنه سفك الدماء بغير حق، وحصول الفوضى والفساد العريض.

ما ورد في النصوص الشرعية من التحذير من الفتن:
يقول الله جل وعلا: ﴿وَٱتَّقُواْ فِتنَة لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُم خَاصَّة وَٱعلمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ ﴾[الأنفال:25]
فأمر جل وعلا باتقاء الفتنة والحذر منها وبين أنها سبب للعذاب المهلك للجميع، فهي تعم الصالح والطالح، تعم مرتكب المعصية، والراضي بها، والتارك لإنكارها وتغييرها مع قدرته على ذلك، فالفتنة إذا نزلت عمت.
وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي r استيقظ من نومه محمراً وجهه وهو يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه". [زاد مسلم وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها] قلت يا رسول الله r أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث".
( محمرا وجهه ) : مما رآى في المنام ، ورؤيا الأنبياء وحي
( لا إله إلا الله ) : كلمة الإخلاص التي بها النجاة من كل شر ومن كل فتنة.
(فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج) معلوم أن يأجوج ومأجوج من ناحية المشرق وأن الفتن إنما تكون من ناحية المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان.
ففي هذا الحديث التحذير من الفتن وأنها قريبة الوقوع .
وكثرة الفتن من علامات قيام الساعة ففي البخاري قال r: "يتقارب الزمان وينقص العمل ويُلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج قالوا يا رسول الله r أيما هو؟ قال: القتل القتل".
وفي رواية: " بين يدي الساعة لأيَّاماً ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم .....".
قوله: (يتقارب الزمان) المراد به والله أعلم نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان وذلك من علامات قرب الساعة ومن ذلك الحديث الذي رواه الترمذي عن أنس t قال: قال رسول الله r : (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان وتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كالضرمة بالنار)"([3]).
فالمراد بهذا الحديث كما قال النووي رحمه الله تعالى عدم البركة فيه وأن اليوم مثلاً يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة ..... ولعل ذلك بسب ما وقع من ضعف الإيمان لظهور الأمور المخالفة للشرع ومن أشد ذلك الأقوات ففيها من الحرام المحض ومن الشبه مال يخفى حتى إن كثيراً من الناس لا يتوقف في شيء ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي والواقع أن البركة في الزمان وفي الرزق وفي النبت إنما يكون من طريق قوة الإيمان واتباع الأمر واجتناب النهي والشاهد لذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ ٱلقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحنَا عَلَيهِم بَرَكَٰت مِّنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكسِبُونَ ٩٦﴾[الأعراف:96] ([4])
قوله: (ويرفع فيه العلم) إما أن يراد به ما يطرأ على كل عالم من النسيان مثلاً.
أو يكون رفع العلم بموت العلماء فكلما مات عالم في بلد ولم يخلفه غيره فنقص العلم من تلك البلد كما جاء في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» البخاري 100 ومسلم.
وأما نقص العمل فيراد به والله أعلم نقص عمل كل فرد فإنه إذا وقعت الفتن والخطوب ألهته عن العبادة والاشتغال بذكر الله تعالى.
قوله: (ويلقى الشح) فالمراد إلقاء الشح في قلوب العباد فيبخل من عنده علم بعلمه فلا يعلم الناس ولا يفتيهم بما يعلم ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير...
قوله: (وتظهر الفتن) يعني تكثر وتشتهر.
فدل ذلك على أن آخر الزمان تكثر فيه الفتن بأنواعها.
ومما ورد في التحذير من الفتن حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ» البخاري 7088
هذا خير ما يقتنيه المسلم في أيام الفتن: غنم لحاجته الضرورية إليها، لدرها ونسلها، يخرج بها إلى الصحاري يتبع بها شعف الجبال أي رؤوس الجبال، يتتبع مواقع القطر، فيترك حياة الراحة والدعة في الحاضرة إلى الصحراء، حيث حر الشمس، وشدة البرد، كل ذلك لأجل الفتن، يخشى الفتنة على دينه.
ومما ورد في التحذير من الفتن، حديث أَبِي هُرَيْرَةَ t، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً، أَوْ مَعَاذًا، فَلْيَعُذْ بِهِ» متفق عليه
(مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا) أَيْ تَطَلَّعَ لَهَا بِأَنْ يَتَصَدَّى وَيَتَعَرَّضَ لَهَا وَلَا يُعْرِضُ عَنْهَا.
(تَسْتَشْرِفُهُ) أَيْ تُهْلِكُهُ بِأَنْ يُشْرِفَ مِنْهَا عَلَى الْهَلَاكِ
(فَلْيَعُذْ بِهِ) أي من وجد مكانا يعتصم به من شر الفتن فليلجا إليه.
قال الحافظ في الفتح: (وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْحَثُّ عَلَى اجْتِنَابِ الدُّخُولِ فِيهَا وَأَنَّ شَرَّهَا يَكُونُ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ بِهَا )
وهذا الحديث رواه مسلم بلفظ (2887): " إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ: أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا. أَلَا، فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ " قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: «يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ، فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: «يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ، فَقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى» قَالُوا: لاَ، قَالَ: «فَإِنِّي لَأَرَى الفِتَنَ تَقَعُ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ القَطْرِ» البخاري 7060
أَشْرَفَ: أَيِ اطَّلَعَ مِنْ عُلْوٍّ. أُطُمٍ: بِضَمَّتَيْنِ هُوَ الْحِصْنُ المبني بالحجارة. الفتح وابن بطال.
(فَإِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ) أي لأرى مواضع سقوط الفتن في نواحي بيوتكم. أَيْ كُشِفَ لِي فَأَبْصَرْتُ ذَلِكَ عِيَانًا. الفتح.
وَإِنَّمَا اخْتُصَّتِ الْمَدِينَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّ قَتْلَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ بِهَا ثُمَّ انْتَشَرَتِ الْفِتَنُ فِي الْبِلَادِ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْقِتَالُ بِالْجَمَلِ وَبِصِفِّينَ كَانَ بِسَبَبِ قتل عُثْمَان والقتال بالنهروان كان بِسَبَبِ التَّحْكِيمِ بِصِفِّينَ وَكُلُّ قِتَالٍ وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ إِنَّمَا تَوَلَّدَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ عَنْ شَيْءٍ تَوَلَّدَ عَنْهُ. الفتح.
وقال البخاري في صحيحه([5]): باب الفتنة التي تموج موج البحر. وقال ابن عيينة عن خلف بن حوشب – وهو أحد التابعين – كانوا يستحبون – يعني السلف – أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن، قال امرؤ القيس:
الحرب أول ما تكون فتـيةً تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامه ولّت عجوزا غيرَ ذاتِ حليل
شمطاءَ يُنكَرُ لونهـا وتغـيرت مكـروهةً للشمِّ والتقبيل
الفتن المأمور باعتزالها:
إذا عُرف المحق من المبطل فإن المحق يعان على المبطل، كما لو كان هناك بغاة خرجوا على إمام المسلمين، أو خوارج خرجوا عليه فإن الإمام يعان عليهم ويقاتل معه؛ لقوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا . . .)
بل جاء الترغيب في قتال الخوارج الذين يخرجون على أئمة المسلمين كما في قوله r : «سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ» البخاري 6930 ومسلم.
أما إذا لم يُعرَف المحق من المبطل فإن الواجب اعتزال القتال بين المسلمين، وكذا لو كان القتال بين طائفتين على الدنيا عصبية أو حمية أو على الملك ولا إمام للمسلمين فهنا يجب الاعتزال.
قال الحافظ في الفتح: (وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ مَا يَنْشَأُ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فَحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْعُمُومِ وَهُمْ مَنْ قَعَدَ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُطْلَقًا كسعد وابن عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَأَبِي بَكْرَةَ فِي آخَرِينَ وَتَمَسَّكُوا بِالظَّوَاهِرِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا . . . وَقَالَ آخَرُونَ إِذَا بَغَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْإِمَامِ فَامْتَنَعَتْ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا وَنَصَبَتِ الْحَرْبَ وَجَبَ قِتَالُهَا وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَارَبَتْ طَائِفَتَانِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ الْأَخْذُ عَلَى يَدِ الْمُخْطِئِ وَنَصْرُ الْمُصِيبَ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَفَصَّلَ آخَرُونَ فَقَالُوا كُلُّ قِتَالٍ وَقَعَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا إِمَامَ لِلْجَمَاعَةِ فَالْقِتَالُ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ وَتَنْزِلُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْفِتْنَةَ أَصْلُهَا الِابْتِلَاءُ وَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فَمَنْ أَعَانَ الْمُحِقَّ أَصَابَ وَمَنْ أَعَانَ الْمُخْطِئَ أَخْطَأَ وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقِتَالِ فِيهَا).
ولأنه لو كان كل قتال يحدث بين المسلمين يجب اعتزاله لتمكن أهل الباطل من باطلهم، ولما وجد من يردعهم ويكف شرهم، ولذا كان الواجب إعانة المحق على المبطل لمنع الفساد وأهله.
أسباب وقوع الفتن:
قبل البدء بذكر هذه الأسباب أذكِّر بما أنعم الله به علينا في هذه البلاد المباركة من نعمة الأمن والأمان، فنحن ننعم بولاية إسلامية وتآلف بين الراعي والرعية، واجتماع للكلمة واتحاد للصف، فيجب علينا شكر هذه النعمة العظيمة، امتثالا لقول الله تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم)
وقال سبحانه ممتنا على عبادة بنعمة الأمن: (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) وقال سبحانه: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)
وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"من أصبح منكم آمناً في سربه معافاً في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا" .
ولما أكمل إبراهيم الخليل عليه السلام بناء البيت دعا ربه قائلا : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) فبدأ عليه السلام بسؤال الأمن ، وثنَّى بالرزق لأن الأمن أساس الرزق ، والطريقُ إلى تحصيله ، ولو حصل رزق بلا أمن ، لم يهنأ الإنسان به ، ولم يتنعم فيه.
ومن أعظم أسباب الأمن وجود السلطان في البلاد، فبه تتحصل كثير من المصالح، وتندفع به كثير من الشرور، ويندحر به أهل الباطل، وتُؤَمَّن به الطرق، ويعم بسببه الرخاء، حتى وإن كان هذا السلطان ظالما، أو فاجرا، أو مستأثرا بالأموال دون الناس، فإنه كما قيل: إمام ظلوم غشوم، خير من فتنة تدون.
وقال بعضهم: ستون سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة بلا سلطان. وقال بعض الحكماء : جور السلطان أربعين سنة خير من رعية مهملة ساعة واحدة .
وقال بعض العلماء في تفسير قوله سبحانه: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) قيل في معناه: لولا أن الله تعالى أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف ، وينصف المظلوم من ظالمه ؛ لتواثب الناس بعضهم على بعض. تحرير الأحكام لابن جماعة ص49.
من أسباب وقوع الفتن:
1- انتشار المعاصي والذنوب وجرأة الناس على المحرمات، والتي أعظمها الشرك بالله تعالى والكفرُ به، والابتداع في الدين، واقتراف كبائر الذنوب وصغائرِها، فإن ظهور المعاصي سبب لحصول الفتن التي ينشأ عنها الهلاك والدمار، قال سبحانه: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعف عن كثير)
وقال سبحانه: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)
ومن شؤم المعاصي أن العقوبة بسببها تعم جميع الناس حتى الصالحين منهم، فتكون هذه العقوبة تطهيراً للصالحين، وعقوبة للعاصين، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله عز وجل بأهل الأرض بأسه) قلت: يا رسول الله وفيهم أهل طاعته؟ قال: (نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله) رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم 7194 ش وقال الألباني في الصحيحة برقم 1372: إسناده ظاهر الصحة.
وقد تقدم قريبا حديث زينب رضي الله عنها، وفيه: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث.
2- ومن أسباب وقوع الفتن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمتى ما تهاون الناس في هذه الشعيرة العظيمة عمتهم العقوبة، ونزل بهم البلاء، فعن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (إن الله عز و جل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة) قال الحافظ ابن حجر: أخرجه أحمد بسند حسن. فتح الباري لابن حجر 13/4
3- ومن أسباب وقوع الفتن حصول الظلم بين العباد، سواء من الراعي للرعية، أو من الرعية فيما بينهم، قال ابن جماعة رحمه الله تعالى: (وقد اتفقت شرائع الأنبياء وآراء الحكماء والعقلاء أن العدل سبب لنمو البركات ومزيد الخيرات ، وأن الظلم والجور سبب لخراب الممالك ، واقتحام المهالك ولا شك عندهم في ذلك). تحرير الأحكام ص70 شاملة
4- من أسباب وقوع الفتن ذكر عيوب ولاة الأمر علانية، ونشر أخطائهم بين الناس والوقيعة في أعراضهم وسبهم وشتمهم في مجالس الناس ومجامعهم، أو إذاعة ذلك عبر وسائل الإعلام أو الاتصال الحديثة، كل ذلك محرم، وسبب عظيم من أسباب وقوع الفتن.
عن زياد بن كُسَيب العدوي قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر([6])، وهو يخطب، وعليه ثياب رِقَاق([7])، فقال أبو بلال([8]): انظروا إلى أميرنا، يلبس ثياب الفساق! فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله r يقول: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله)([9]).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث:(وإهانة السلطان لها عدة صور:
منها أن يَسخَر بأوامر السلطان، فإذا أمر بشيء قال: انظروا ماذا يقول؟.
ومنها: إذا فعل السلطان شيئاً لا يراه هذا الإنسان قال: انظروا انظروا ماذا يفعل؟ يريد أن يُهوِّن أمر السلطان على الناس؛ لأنه إذا هون أمر السلطان على الناس استهانوا به، ولم يمتثلوا أمره، ولم يجتنبوا نهيه.
ولهذا فإن الذي يهين السلطان بنشر معايبه بين الناس وذمِّه والتشنيع عليه والتشهير به يكون عُرضة لأن يُهينه الله عز وجل؛ لأنه إذا أهان السلطان بمثل هذه الأمور تمرد الناس عليه، فعصوه، وحينئذ يكون هذا سبب شر، فيُهينه الله عز وجل، . . .)([10]).
والطعن في ولي الأمر والقدحُ فيه سبب ووسيلة للخروج عليه بالسلاح، والوسائل لها أحكام المقاصد، فكما أن الخروج عليه بالسلاح حرام فوسيلته كذلك.
قال أنس رضي الله عنه: نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا أمراءكم ولا تغشوهم ولا تبغضوهم واتقوا الله واصبروا فإن الأمر قريب"رواه ابن أبي عاصم في السنة.
وبعض الناس يظن أن الوقوع في أعراض الولاة وسبهم وذكرَ أخطائهم من إنكار المنكر، وهذا خطأ بيِّن، مخالف للكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم، ومن تأمل في الفتن التي وقعت للمسلمين عبر التاريخ وسفكت فيها الدماء، وانتهكت فيها الحرمات، وجد أن من أعظم أسبابها الكلام في الولاة وذكرَ عيوبهم وأخطائهم.
قال الحافظ: (ثُمَّ إِنَّ قَتْلَ عُثْمَانَ كَانَ أَشَدَّ أَسْبَابِهِ الطَّعْنُ عَلَى أُمَرَائِهِ، ثُمَّ عَلَيْهِ بِتَوْلِيَتِهِ لَهُمْ). الفتح.


قال العلامة محمد ابن عثيمين رحمه الله تعالى: (فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يُتخذ من أخطاء السلطان سبيلا لإثارة الناس، وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس، كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يُحدِث الشر والفتنة والفوضى) نقلا من معاملة الحكام ص44. يراجع خطب الشيخ ص659

5- من أسباب وقوع الفتن الإنكار العلني على ولاة الأمور في غيبتهم.
ولهذا السبب أهمية كبيرة،
1-أن الخلل في فهم منهج السلف([11]) في مسألة الإنكار على الوالي يؤدي في أحوال كثيرة إلى حصول الفتن والفوضى وسفك الدماء، كما هو ظاهر بيِّن في كثير من الفتن التي وقعت في الماضي، وكذا ما يعانيه كثير من بلاد المسلمين في هذا العصر من فتن ومحن.
2-أن الجهل بهذه المسألة أو التجاهل لها أو عدم وضوح الحق فيها قد عمَّ كثيراً من العامة، بل حتى بعض طلاب العلم والدعاة.
3-أن بعض المخالفين لمنهج السلف في هذه المسألة يرون أن الإنكار العلني على الولاة من إنكار المنكر المأمور به شرعا، فهم يتقربون إلى الله تعالى بالإنكار على الولاة علناً، ويرون أن من لا يوافقهم في ذلك لم يقم بالواجب، وربما يوصف بالمداهنة والسكوت عن الحق، وموالاة الحكام على باطلهم، فكان لا بد من تصحيح هذا الفهم الخاطئ، وبيان منهج سلفنا الصالح في هذه المسألة، ليتضح الحق لمن أراده.
للإنكار على ولاة الأمور علانية صورتان:
الصورة الأولى: الإنكار على ولي الأمر علناً في حضرته فهذا مشروع، مع مراعاة تحقق المصلحة في ذلك، لما روى طارِق بن شِهاب - رضي الله عنه - : أنَّ رجلاً سأل النَّبي r وقد وضع رِجله في الغَرْزِ([12]): أيُّ الجِهادِ أفضلُ؟ قَالَ : (كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ)([13]).
يعني في حضرة السلطان الجائر؛ لأن كلمة (عند) تفيد الحضور والقُرْب، قال الجوهري: (وأما عِنْدَ: فحضورُ الشيء ودُنُوُّه)([14]). (قال الأزهري: وهي بلغاتها الثلاث أقصى نهايات القُرْب)([15]).
وعلى هذا عمل كثير من السلف، الذين أنكروا على الولاة في حضرتهم.
الصورة الثانية: الإنكار على ولي الأمر علناً في غَيبته، كأن ينكر أحد الناس على ولي الأمر الذي هو تحت ولايته علناً في غَيبة الوالي، لا في حضرته، كالإنكار عليه في خطبة الجمعة، أو في مجالس الناس، أو في الصحف أو المجلات، أو القنوات الفضائية، أو في مواقع الاتصال الحديثة، أو غيرها، فهذه الطريقة في الإنكار محرمة؛ لمخالفتها لما عليه عمل السلف الصالح من نُصح الوالي والإنكار عليه سراً لا علناً.
ولا يدخل في هذه الصورة إنكار المنكرات على سبيل العموم، وإن كانت مما أمر بها ولي الأمر، أو أَذِن بها في البلاد، كإنكار الربا الذي تتعامل به البنوك، وإنكار ما في وسائل الإعلام من فساد، فإنكار هذه المنكرات وتبيين حكمها للناس علانية من فروض الكفايات على أهل العلم، ولو كان ذلك في غَيبة ولي الأمر، لكن من غير أن يُوجَّه الإنكار في هذه المنكرات على ولاة الأمر، أو على الدولة، لا من قريب ولا من بعيد، أو يكون في كلام المنكِر ما يُفهم منه أن مقصودَه الإنكارُ على ولي الأمر، ومثال ذلك: أن يريد بعضهم إنكار الربا الذي تتعامل به بعض البنوك فيقول علانية محذراً الناس من هذا المنكر: إن الربا الذي تتعامل به بعض البنوك في بلادنا محرم، لا يجوز لأحد أن يتعامل به معها. لم يكن كلامه هذا إنكارا علنياً على ولاة الأمر، لأنه لم يرد لهم ذكر في كلامه، وإنما هو إنكار لمنكر منشر بين الناس، فلا يكون كلامه هذا داخلا في الصورة الثانية.
أما لو قال: إن الربا الذي تتعامل به بعض البنوك في بلادنا محرم، وولاة الأمر قد أقروا التعامل به، وهذا حرام عليهم، ولم يمنعوا الناس منه، فهم بذلك يبوؤن بإثم عظيم. . . فهذا الإنكار للربا يتضمن الإنكار العلني على ولاة الأمر في غَيبتهم، فهو داخل في هذه الصورة الثانية، والله أعلم.
وهذا التفصيل في هذه المسألة تجده ظاهراً في كلام أهل العلم الراسخين([16]) فإنهم قد أنكروا كثيرا من المنكرات المنتشرة بين الناس علانية، ولم يوجهوا الإنكار فيها إلى ولي الأمر، بل كانوا يسرون له النصيحة فيما بينهم وبينه.
الأدلة:
عن شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ: جَلَدَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ صَاحِبَ دَارا([17]) حِينَ فُتِحَتْ، فَأَغْلَظَ لَهُ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ الْقَوْلَ حَتَّى غَضِبَ عِيَاضٌ، ثُمَّ مَكَثَ لَيَالِيَ فَأَتَاهُ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ هِشَامٌ لِعِيَاضٍ: أَلَمْ تَسْمَعْ النَّبِيَّ r يَقُولُ :(إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا أَشَدَّهُمْ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا لِلنَّاسِ) فَقَالَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ: يَا هِشَامُ بْنَ حَكِيمٍ قَدْ سَمِعْنَا مَا سَمِعْتَ، وَرَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ) وَإِنَّكَ يَا هِشَامُ لَأَنْتَ الْجَرِيءُ، إِذْ تَجْتَرِئُ عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ، فَهَلَّا خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ السُّلْطَانُ، فَتَكُونَ قَتِيلَ سُلْطَانِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى([18]).
قال السندي رحمه الله تعالى ((من أراد ان ينصح لسلطان): أي: نصيحة السلطان ينبغي أن تكون في السر، لا بين الخلق)([19]).
قال العيني رحمه الله تعالى: (المجاهرة على الأمراء بالإنكار يكون فيه نوع القيام
عن شقيق عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه – قال: قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمَه. فقال: أَتُرَون أني لا أكلمه إلا أُسْمِعُكم، والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه)([20]).
كما أن قوله: (ما دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه) يدل على أن الإنكار على الولاة علانية سبب لفتح باب الفتنة، وكل ما كان سبباً إلى الفتنة فلا شك في تحريمه، والله أعلم.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: (وقوله بعدُ: (دون أن أفتح باباً لا أحب أن أكون أول من فتحه) يعني في المجاهرة بالنكير، والقيام بذلك على الأمراء، وما يُخشى من سوء عقباه، كما تولَّد من إنكارهم جهاراً على عثمان بعد هذا، وما أدى إلى سفك دمه واضطراب الأمور بعده.
وفيه التلطف مع الأمراء، وعَرض ما يُنكَر عليهم سراً، وكذلك يلزم مع غيرهم من المسلمين ما أمكن ذلك، فإنه أولى بالقبول وأجدر بالنفع، وأبعد لهتك الستر وتحريك الأَنَفة)([21]).
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَلَت لاِبْنِ عَبَّاسٍ: آمُرُ إمامي بِالْمَعْرُوفِ؟ قَالَ: إِنْ خشيت أَنْ يَقْتُلَك فَلاَ، فَإِنْ كُنْتَ ولاَ بُدَّ فَاعِلاً فَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ. وزاد أبو عوانة: ولا تَغْتَبْ إمامك([22]).
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (إن لم يكن يتمكن نصح السلطان فالصبر والدعاء، فإنهم كانوا ينهون عن سب الأمراء) ثم ساق هذا الأثر بإسناده([23]).
6- اتباع الهوى وفساد القصد:
قال الله تعالى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلنَٰكَ خَلِيفَة فِي ٱلأَرضِ فَٱحكُم بَينَ ٱلنَّاسِ بِٱلحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُم عَذَاب شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَومَ ٱلحِسَابِ ﴾[ص:26]
فالهوى يعمي ويصم ويجعل صاحبه يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً.
7- الغلو:
الغلو في الدين أعظم من الوقوع في المعصية ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "الأهواء في الديانات أعظم منها في الشهوات".
وقال r: "إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم".
8- اتباع المتشابه من الأدلة، والاستقلال بالفهم، دون الرجوع لفهم الراسخين من سلف الأمة:
قال الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ ٱلكِتَٰبَ مِنهُ ءَايَٰت مُّحكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰت فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنهُ ٱبتِغَاءَ ٱلفِتنَةِ وَٱبتِغَاءَ تَأوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلعِلمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّ مِّن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُواْ ٱلأَلبَٰبِ ٧﴾[آل عمران:7]
فعند حلول الفتن والمشتبهات لا يبينها بياناً شافياً إلا الراسخون في العلم.
9- التعجل وعدم الصبر:
قال تعالى: ﴿فَٱصبِر إِنَّ وَعدَ ٱللَّهِ حَقّ وَلَا يَسَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُون﴾[الروم:60]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (يحملونك على الخفة والطيش بعد الصبر)
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن صغارها وكبارها رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه".
ومن ذلك عدم الصبر على جور الولاة واستئثارهم بالخيرات دون الرعية:
عن ابن مسعود t، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ» البخاري
قال ابن حجر: وَالْمُرَادُ أَنَّ طَوَاعِيَّتَهُمْ لِمَنْ يَتَوَلَّى عَلَيْهِمْ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إيصالهم حُقُوقِهِمْ بَلْ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةُ وَلَوْ مَنَعَهُمْ حَقَّهُمْ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا سَيَكُونُ أُمَرَاءُ فَيَعْرِفُونَ وَيُنْكِرُونَ فَمَنْ كَرِهَ بَرِيء وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا.
وأما قول بعض الناس السفهاء([24]) إنه لا تجب علينا طاعة ولاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة فهذا خطأ وهذا غلط وهذا ليس من الشرع في شيء بل هذا من مذهب الخوارج الذين يريدون من ولاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء وهذا لم يحصل من زمن فقد تغيرت الأمور.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» متفق عليه.
قوله: (شبرا) وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ مَعْصِيَةِ السُّلْطَانِ ومحاربته قَالَ بن أَبِي جَمْرَةَ الْمُرَادُ بِالْمُفَارَقَةِ السَّعْيُ فِي حَلِّ عَقْدِ الْبَيْعَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِذَلِكَ الْأَمِيرِ وَلَوْ بِأَدْنَى شَيْءٍ فَكُنِّيَ عَنْهَا بِمِقْدَارِ الشِّبْرِ لِأَنَّ الْأَخْذ فِي ذَلِك يؤول إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَالْمُرَادُ بِالْمِيتَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ حَالَةُ الْمَوْتِ كَمَوْتِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى ضَلَالٍ وَلَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مُطَاعٌ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَمُوتُ كَافِرًا بَلْ يَمُوتُ عَاصِيًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَمُوتُ مِثْلَ مَوْتِ الْجَاهِلِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ جَاهِلِيًّا أَوْ أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ وَالتَّنْفِيرِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَيُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَاهِلِيَّةِ التَّشْبِيهُ
وفي شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي 1/175 ش : قال الإمام أحمد: (وَمَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ كَانَ النَّاسُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْخِلَافَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ بِالرِّضَا أَوْ بِالْغَلَبَةِ فَقَدْ شَقَّ هَذَا الْخَارِجُ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ، وَخَالَفَ الْآثَارَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ مَاتَ الْخَارِجُ عَلَيْهِ مَاتَ مِيتَةَ جَاهِلِيَّةٍ. وَلَا يَحِلُّ قِتَالُ السُّلْطَانِ وَلَا الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ وَالطَّرِيقِ).
طرق انعقاد الولاية:
1-الاستخلاف: فقد استخلف أبو بكر عمر بعده رضي الله عنهما.
2–اختيار أهل الحل والعقد: لأن عمر t جعل الأمر شورى في الستة من كبار الصحابة y ثم اختاروا عثمان t.
3-التغلب على البلد، بحيث يتغلب والي على بلد بالقهر والغلبة وتستتب له الأمور، وهذا طريق صحيح في الولاية بالإجماع.
قَالَ بن بَطَّالٍ في شرحه للبخاري 10/8: (فى هذه الأحاديث حجة فى ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلّب طاعته لازمة، ما أقام الجمعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء).
الخروج على قسمين:
1- خروج فعلي: وهذا يكون بالخروج بالسيف.
2- خروج قولي: وهذا يمكن تقسيمه إلى:
أ‌- خروج قولي صريح، كالذي يحرض الناس على الخروج على الوالي صراحة.
ب‌- خروج قولي غير صريح، كالذي يذكر عيوب الوالي ويسبه، وينكر عليه علنا، فهذا فعله يؤدي إلى إيغار الصدور على الوالي وكراهية الرعية له، مما يكون سببا في الخروج عليه، وإن لم يأمر الناس بالخروج عليه صراحة.
ينظر شرح السنة للبربهاري شرح الشيخ الفوزان 1/219
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى في الأمراء:
"هم يلون من أمورنا خمساً: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود، والله لا يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا، والله لما يُصلح الله بهم أكثر مما يفسدون..."
في الشريعة للآجري: (62 بسنده أن الْحَسَنَ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ أَتَاهُ رَهْطٌ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْزَمُوا بُيُوتَهُمْ، وَيُغْلِقُوا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: " وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ النَّاسَ إِذَا ابْتُلُوا مِنْ قِبَلِ سُلْطَانِهِمْ صَبَرُوا مَا لَبِثُوا أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَفْزَعُونَ إِلَى السَّيْفِ فَيُوكَلُوا إِلَيْهِ، وَوَاللَّهِ مَا جَاءُوا بِيَوْمِ خَيْرٍ قَطُّ، ثُمَّ تَلَا: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ})
ابْنَ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» البخاري
قال الشيخ ابن عثيمين معلقا على هذا الحديث: (وبهذا نعرف خطأ ما يكون من بعض الإخوة يبايعون واحد منهم على السمع والطاعة فيجعلونه كالأمير والمطاع ، فإن هذا بدعة في دين الله من وجه ، ونوع من الخروج عن سلطة السلطان من وجه آخر) .
قال ابن جماعة في تحرير الأحكام (ص63) .في بيان حقوق الوالي على رعيته:
( أن يُعرف له عظيم حقه ، وما يجب من تعظيم قدره ، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالى له من الإعظام ، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم ، ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم وعدم الطمع فيما لديهم ، وما يفعله بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم ، فليس من السنة . الحق الخامس : إيقاظه عند غفلته ، وإرشاده عند هفوته ، شفقةً عليه ، وحفظاً لدينه وعرضه ، وصيانةً لما جعله الله إليه من الخطأ فيه./ (ص64) الحق التاسع : رد القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه ؛ لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة . الحق العاشر : الذب عنه بالقول والفعل ، وبالمال والنفس والأهل في الظاهر والباطن ، والسر والعلانية . وإذا وفت الرعية بهذه الحقوق العشرة الواجبة ، وأحسنت القيام بمجامعها والمراعاة لموقعها ، صفت القلوب ، وأخلصت ، واجتمعت الكلمة وانتصرت)
وقال ابن جماعة في تحرير الأحكام ص86 ش : (وعلى طائفة الأمير امتثال أمره، والتزام طاعته، والرجوع إلى تدبيره ورأيه لتكون الكلمة مجتمعة والآراء متفقة، فإن الخير في اجتماع الكلمة. فإن ظهر لبعضهم صواب خفي على أميره، بيّنه له بأدب، وإن نابهم أمر رفعوه إليه).
والسمع والطاعة لولي الأمر من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري (وفي رواية لمسلم) ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني." أخرجه البخاري ومسلم.
قال النووي رحمه الله:" و أما الخروج عليهم [يعني الولاة] وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين و إن كانوا فَسقَة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ماذكرته و أجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق. قال العلماء : وسبب عدم العزلة و تحريم الخروج عليه مايترتب على ذلك من الفتن و إراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه."
طرق الوقاية من الفتن:
إذا عرفنا الأسباب التي توقع في الفتن، فإنه لا بد للمسلم الذي يرجو النجاة من هذه الفتن أن يسلك الطرق التي تعصمه منها، ومن أعظم هذه الطرق للوقاية من الفتن:
1- الاعتصام بالكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة، والرجوع إليهما عند الاختلاف، وتحكيمهما على الآراء والأهواء، يحقق للمسلم النجاة من كل بلاء وفتنة.
قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) وقال عليه الصلاة والسلام: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) رواه أبو داود.
ومما دل عليه الكتاب والسنة السمع والطاعة لولي الأمر المسلم في غير معصية
فعن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا . . . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- (أسمعوا و أطيعوا فإنما عليهم ما حملوا و عليكم ماحملتم) رواه مسلم، والمعنى أن الله تعالى حمّل الولاة وأوجب عليهم العدل بين الناس فإذا لم يقيموه أثموا. وحمّل الرعية السمع والطاعة لهم في غير معصية، فإن قاموا بذلك أثيبوا عليه و إلا أثموا.
بل حتى لو كان هذا الوالي كافرا، عندنا على كفره برهان من الله، وأفتى العلماء الراسخون بكفره، فإنه لا يجوز الخروج عليه إلا أن يكون عندنا قوة وقدرة على إزالته وتولية الوالي المسلم، أما إذا كنا عاجزين كما هو الغالب في أحوال الناس فإن الخروج عليه حرام، لما يؤدي إليه من التغرير بدماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وإلقاء النفوس إلى التهلكة.
2- أن على المسلم الابتعادَ عن مواطن الفتن، والهربَ منها مهما أمكنه ذلك، وعدمَ السعيِ فيها بقول أو فعل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، - أي أعلاها - ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) رواه البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام: (ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به) رواه مسلم. وعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ فَوَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهْوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ أَوْ لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ ». رواه أبو داود برقم 4321 وصححه الألباني.
3-

الحذر في أوقات الفتن من الإشاعات الكاذبة، والأخبار الباطلة، يروجها مثيرو الفتنة، وأصحاب المقاصد الخبيثة، فالواجب التثبت فيما ينقل ويشاع بين الناس، فإنه كما قال r:(بئس مطية الرجل زعموا) (وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع) بل لا يبعد أن يكون من الساعين في نشر هذه الإشاعات، وإثارة هذه الفتن هم أعداء الإسلام، من اليهود والنصارى والرافضة وأشباههم، لغرض تهييج الناس على حكامهم، وإيغار صدورهم عليهم، ليحصل لهم مقصودهم من إشعال الفتنة في بلادنا كما أشعلوها في كثير من بلدان المسلمين.

4- لزوم تقوى الله تعالى، باتباع أمره واجتناب نهيه، ، فإن في تقوى الله تعالى مخرجاً من الفتن، ونجاةً من المحن، (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) أي مخرجاً من كل ضيق وبلاء.
وحري بالمسلم أن يكثر من العبادة في أوقات الفتن، من صلاة وصدقة وصيام، وذكر لله جل وعلا، وطلبٍ للعلم النافع، وغير ذلك من أنواع العبادات؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرَض من الدنيا) رواه مسلم،
بل إن العبادة في أوقات الفتن لها فضل عظيم، يعدل فضل الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عبادة في الهرج – يعني وقت القتل والفتن - كهجرة إليَّ) رواه مسلم.
5- ومن طرق الوقاية من الفتن الرجوعُ إلى العلماء الراسخين من أهل السنة والجماعة، والأخذُ بأقوالهم، عملاً بقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقد روى ابن حبان وغيره وصححه الألباني وغيره عن ابن عباس t قال: قال رسول الله r: "البركة مع أكابركم".
ففي أوقات الفتن، تشتبه الأمور، ويلتبس الحق بالباطل عند كثير من الناس، فوجب رد الأمر إلى العلماء، ولا يؤخذ فيها بقول طالب علم ولا داعية، بل لا يعول فيها إلا على أقوال الكبار من أهل العلم والبصيرة، يقول المولى جل شأنه: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
6- تحلي المسلمِ بالصبر، والاستعانة به في الأمور كلها، خاصة عند حلول الفتن؛ لقول الله جل وعلا: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) فبالصبر تدرأ بإذن الله تعالى كثيراً من الفتن، وتطفأ نارها، وإذا انعدم الصبر اشتعلت الفتن.
عن الزبير ابن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم. سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (إنكم ستلقون بعدي أثره، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) متفق عليه،
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في خضم فتنة خلق القرآن: (عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، وتسفكوا دماءكم ودماءهم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، ويُستراح من فاجر)
ومما ينافي الصبر في أوقات الفتن ما يعرف بالمظاهرات، التي يقوم بها بعض الناس مطالبين بالإصلاح، ورفع الظلم عنهم، فإن هذه الوسيلة وإن زعم القائمون بها أنها من وسائل الإصلاح فإنها وسيلة محرمة؛ لما يترتب على هذه المظاهرات من إراقة للدماء المعصومة، وإتلاف للأموال المحترمة، وحصول الفوضى، ولهذا أفتى جمع من علمائنا الكبار بتحريم المظاهرات، كالشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله تعالى، وإنما يكون الإصلاح بالطرق المشروعة من المناصحة للمسؤولين ومكاتبتهم ونحو ذلك مما لا يترتب عليه فساد وفتنة.
7- من طرق الوقاية بإذن الله تعالى من الفتن، الاتصاف بالحلم والأناة والرفق، وعدم التعجل والتسرع في معالجة الأمور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة) رواه مسلم، والحلم: هو العقل، والأناة: هي التثبت وترك العجلة، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله) متفق عليه، وفي أوقات الفتن يكون الناس أحوج ما يكونون إلى الحلم والعقل، والرفق والتأني، والتبصر في الأمور، والنظر في العواقب، وأما العجلة والتسرع فإنها مظنة الفساد والشر العظيم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الأناة من الله، والعجلة من الشيطان) رواه الترمذي.
8- من طرق الوقاية من الفتن الإكثار في أوقات الفتن من دعاء الله جل وعلا، والتعوذِ به سبحانه من الفتن، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون) رواه الترمذي.
9- الاجتماع ونبذ الفرقة:
قال الله تعالى: ﴿وَٱعتَصِمُواْ بِحَبلِ ٱللَّهِ جَمِيعا وَلَا تَفَرَّقُواْ مِّنهَا﴾[آل عمران:103]
وروى مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم ثلاثاً قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال".
وروى الإمام أحمد وابن أبي عاصم في السنة ([25]) عن النعمان بن بشير t قال: قال رسول الله r : "الجماعة رحمة والفرقة عذاب". قال الألباني إسناده حسن.([26])
وفي حديث حذيفة t عن الفتن قال: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ» البخاري
وعن ابن سيرين قال: لما قتل عثمان، رضى الله عنه، أتيت أبا مسعود الأنصارى، فسألته عن الفتنة، فقال: عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة، والجماعة حبل الله، وإن الذى تكرهون من الجماعة هو خير من الذى تحبون من الفرقة. الفتح
والله أسأل أن يعيذنا وجميع المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ علينا ديننا وأمننا وإيماننا وأن يوفقنا لصالح القول والعمل وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.











([1]) شرح مسلم 2/170، 171.
([2]) انظر هذه المعاني وغيرها في نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص 477.
([3]) صححه الألباني(2/272).
([4]) من كلام ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى.
([5]) فتح الباري 13/59.
([6]) هو عبد الله بن عامر بن ربيعة العبسي، كان أميراً على البصرة. انظر: عارضة الأحوذي (9/51).
([7]) أي رقيقة رفيعة. انظر: مرقاة المفاتيح (7/249).
([8]) هو مرداس بن أُديَّة، من رؤوس الخوارج. قاله ابن عساكر في تأريخ دمشق (29/255) ويؤيده رواية ابن عساكر فقد صرح فيها باسمه.
([9]) أخرجه الترمذي برقم (2224) وابن عساكر في تأريخ دمشق (29/254، 255) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2/245) وأخرجه أحمد برقم (20433) (34/79) بلفظ: (مَنْ أَكْرَمَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الدُّنْيَا، أَكْرَمَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الدُّنْيَا، أَهَانَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بدون ذكر القصة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/388): ورجال أحمد ثقات.
([10]) شرح رياض الصالحين (3/673).
([11]) وقد قرر جماعة من أئمة الدعوة النجدية، وكذا بعض كبار علمائنا أن الإنكار العلني على الوالي ليس من منهج السلف الصالح.
([12]) قال النووي في رياض الصالحين ص117: (الغرز: بغين معجمة مفتوحة ثُمَّ راء ساكنة ثُمَّ زاي: وَهُوَ ركاب كَوْرِ الجملِ إِذَا كَانَ من جلد أَوْ خشب، وقيل: لا يختص بجلد وخشب).
([13]) أخرجه النسائي برقم (4209) وابن ماجه برقم (4012) وأحمد (31/126) برقم (18830) وقال البغوي في شرح السنة (10/66): حديث حسن. وقال المنذري في الترغيب والترهيب مع صحيحه للألباني: رواه النسائي بإسناد صحيح. وكذا قال النووي في رياض الصالحين ص117. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/573): صحيح لغيره. وأخرجه أبو داود برقم (4334) والترمذي برقم (2174) وابن ماجه برقم (4011) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه بلفظ: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) وقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: (إنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأن من جاهد العدو كان متردداً بين رجاء وخوف، لا يدري هل يَغلب أو يُغلب، وصاحب السلطان مقهور في يده، فهو إذا قال الحق، وأمره بالمعروف، فقد تعرض للتلف، فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد؛ من أجل غلبة الخوف). معالم السنن (4/324). وانظر: دليل الفالحين (1/482).
([14]) الصحاح (1/435) مادة (عند) ولسان العرب (9/421) مادة (عند).
([15]) لسان العرب (9/421) مادة (عند).
([16]) سيأتي إن شاء الله تعالى ما يؤيد ذلك من كلام كبار العلماء المعاصرين في المبحث الثاني.
([17]) هي بلدة من بلاد الجزيرة في لحف جبل بين ماردين ونصيبين، بناها دارا بن دارا الملك. انظر: معجم البلدان (2/273) والقاموس المحيط ص504.
([18]) أخرجه أحمد (24/49) برقم (15333) والبخاري في التأريخ الكبير (7/18، 19) وابن أبي عاصم في السنة برقم (1096) و (1097) و (1098) والطبراني في المعجم الكبير (17/367) وابن عدي في الكامل (5/118) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4/2162، 2163) والحاكم في المستدرك (3/329) برقم (5269) والبيهقي في السنن الكبرى (8/283) برقم (16660) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد: (5/413) تحت باب النصيحة للأئمة وكيفيتها، ثم قال: (رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أني لم أجد لشريح من عياض وهشام سماعا وإن كان تابعيا). ثم ذكر نحوه عن جبير بن نفير أن عياض بن غنم فذكره ثم قال: (ورجاله ثقات وإسناده متصل). وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة ص523 بعدما تكلم على طرقه: (فالحديث صحيح بمجموع طرقه) واحتج به الشوكاني في السيل الجرار (4/527) وكذا احتج به سماحة الشيخ ابن باز كما في مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/211) وقال محققو المسند: صحيح لغيره دون قوله: (من أراد أن ينصح لسلطان بأمر . . .) فحسن لغيره. ثم قالوا بعد إيراد طرقه: وبمجموع هذه الطرق يشتد الحديث ويتقوى. وانظر: معاملة الحكام ص143- 151 فقد أطال في الكلام على أسانيده. يراجع ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 2/154
([19]) حاشية مسند الإمام أحمد (8/238).
([20]) أخرجه البخاري برقم (7098) ومسلم برقم (2989) واللفظ لمسلم.
([21]) إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم (8/538) وبنحوه قال الأُبِّي في إكمال إكمال المعلم (7/298).
([22]) أخرجه سعيد بن منصور (4/1657) برقم (846) وابن أبي شيبة (7/470) برقم (37296) والبيهقي في شعب الإيمان (10/73) برقم (7186) واللفظ لسعيد بن منصور، وقال محقق سنن سعيد بن منصور: سنده حسن لذاته.
([23]) انظر: التمهيد (21/287).
([24]) انظر منهاج السنة 3/395 وشرح الرياض لابن عثيمين (3/659)
([25]) (93)
([26]) انظر الصحيحة برقم (667).

محاضرات ذات صلة