كل الأقسام

مكتبـــــة المحاضرات

2026-10-04 11:39:19

الابتداع مظاهره واثاره وخطورته

📄 ملف PDF

الابتداع مظاهره وآثاره وخطورته

محاضرة بالجامع الكبير بالرياض

14/3/1448ه

إن الحمد لله . . أما بعد:

فإن الله عز وجل قد بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فبلغ البلاغ المبين، وأكملَ الله به الدين، وأتمَّ به النعمةَ على المسلمين، كما قال جل وعلا: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).

وقد تركَنا نبينُا r على محجة بيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك([1])، وما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذرها منه([2])، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمُه لهم، وينذرَهم شر ما يعلمه لهم" رواه مسلم.

ومما حذرنا منه النبي r ونهانا عنه الابتداعُ في الدين والإحداث فيه.

وموضوع هذه المحاضرة: الابتداع في الدين مظاهره وآثاره.

وتظهر أهمية هذا الموضوع في تعلقه بشرطٍ من شروط قبول العمل، فإن العمل لا يُقبل حتى يكون خالصا لله عز وجل، صوابا على وفق الشريعة، ويقابل الإخلاص في العبادة الشركُ فيها، ويقابل كونه على وفق الشريعة الابتداعُ في الدين، فمن ابتدع في الدين فقد اختلَّ عنده أحدُ شرطي قبول العمل، وهو المتابعة للرسول r، فيكون عملُه غيرَ مقبول.

وتظهر أهمية هذا الموضوع أيضاً لتعلقه بأصلٍ وقاعدة عظيمة في الشريعة، وهي قاعدة: الأصل في العبادات التوقيف، كما أن الأصل في العادات الإباحة([3]).

ومعنى القاعدة: أن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم الدليل الشرعي على مشروعيتها، فإن لم يقم دليل على مشروعيتها فهي بدعة.

كما أن الأصل في المعاملات كالعقود والشروط في العقود ونحوها الإباحةُ والصحة، حتى يقوم الدليل الشرعي على التحريم والبطلان.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين 1/259: (فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم.

والفرق بينهما أن الله - سبحانه - لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده . . . وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، . . . فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها، فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال).

وفي هذه المحاضرة أتناول بمشيئة الله تعالى هذا الموضوع من خلال العناصر الآتية، وأسأل الله عز وجل الإعانة والتوفيق والسداد:

تعريف البدعة.
أقسام البدع.
الأدلة من الكتاب والسنة في النهي عن البدع والتحذير منها.
الآثار عن الصحابة y والسلف الصالح في التحذير من البدع.
أسباب الابتداع في الدين.
آثار الابتداع في الدين.
أمثلة لبعض البدع المنتشرة.
الوصية بلزوم السنة.
1-تعريف البدعة:

البدعة في اللغة تأتي بمعنى اختراعِ الشيء على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: {بديع السماوات والأرض}، أي خالقهما من غير مثال سابق متقدم، وقولُه تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل}، أي ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة. يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. ويقال: هذا أمر بديع. في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن([4]).

والبدعة في الشرع: عرفها الشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام 1/47 بقوله: (طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها المبالغةُ في التعبد لله سبحانه).

فقوله: (طريقة في الدين مخترعة) يخرُج بذلك ما هو مخترع في أمور الدنيا، كالصناعات الحديثة، فهي ليس لها مثال سابق، ومع ذلك لا تُعد من البدعة في الدين، بل الأصل فيها الإباحة كما تقدم.

 ومعنى (مخترعة) أي ليس لها دليل من الشرع، بل أحدثها من ابتدعها.

وقوله: (تضاهي الشرعية) يعني أن البدعة تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها.

وقوله: (يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) أي أن قصد المبتدعِ بإحداث هذه البدعة المبالغةُ في التعبد لله تعالى، وكأنَّ ما شرَعه الله تعالى من العبادات غيرُ كافٍ عند هذا المبتدع، حتى يُحدِث من العبادات ما يزعم أنه يُقرِّب إلى الله تعالى.

وعرفها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في شرحه للمعة الاعتقاد بقوله: (ما أُحْدِثَ في الدين على خلاف ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من عقيدة أو عمل)([5]).

والعلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي ظاهرة؛ فإن البدعة في اللغة ابتداء شيء ليس له مثال سابق، وكذلك هي في الشرع إحداث في دين الله عز وجل، وابتداء شيء ليس له دليل في الشرع.

وإذا عرفنا معنى البدعة، فإن الابتداع هو إيجاد البدعة وإحداثها، فكل من أحدث شيئا في الدين لا دليل عليه فقد ابتدعه.

2-أقسام البدع:

تنقسم البدع إلى عدة أقسام باعتبارات متنوعة، فمن تقسيمات البدع:

أولاً: تقسيم البدع إلى بدعة دينية ودنيوية:

قسم العلماء البدعة إلى بدعة دينية وبدعة دنيوية، فالبدعة في الدين هي كما تقدم في تعريفها: إحداث عبادة لم يشرعها الله سبحانه وتعالى، وهي التي وردت النصوص الشرعية بالنهي عنها.

وأما البدعة الدنيوية: فهي ما أحدثه الناس على غير مثال سابق في أمور دنياهم، كالمراكب الحديثة من سيارات وطائرات وقطارات ونحوها، وكالأجهزة الكهربائية ونحوها فهذه الأصل فيها الإباحة، ما لم تستعمل فيما حرم الله تعالى.

ثانياً: تقسيم البدع إلى بدع مكفرة وغير مكفرة:

تقسم البدع إلى بدع مكفرة، كالبدع الشركية التي تخرج من ملة الإسلام، كالاستغاثة بالأموات، والذبح والنذر لهم، فهذه كلها بدع، فاعلها واقع في الشرك الأكبر؛ لأنه صرف العبادة التي هي حق الله الخالص إلى المخلوق الذي لا يستحق أن يعبد، ومن صرف العبادة لغير الله تعالى فقد أشرك الشرك الأكبرَ المخرجَ من ملة الإسلام.

ومن أنواع البدع بدعٌ غيرُ مكفرة، كالبدع التي هي من ذرائع الشرك الأكبر، كالتوسل بجاه الصالحين، كأن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد r أن تشفيَ مريضي، فهذا بدعة، ووسيلةٌ إلى الغلو والشرك، ومن البدع غيرِ المكفرة الاحتفالُ بمولد النبي r على وجه ليس فيه شرك، وإنما مجرد الاجتماع في المولد على قراءة سيرته r وإطعام الطعام ونحو ذلك، كما سيأتي بيانه في أمثلة البدع، ومن البدع غيرِ المكفرة الذكرُ الجماعي.

أما الطواف حول الأضرحة متقرباً إلى الله تعالى، فإنه بدعة غير مكفرة، وهو ذريعة إلى الشرك الأكبر، فإن قصد التقربَ بالطواف إلى الولي المقبور صار شركا أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله عز وجل.

ثالثاً: تقسيم البدع إلى بدع اعتقادية وعملية وقولية:

فبدعة نفي القدر بدعة اعتقادية، وبدعة البناء على القبور وإقامة القباب عليها والطواف حولها بدعة عملية، والاستغاثة بالأموات وقراءة الفاتحة عند عقد النكاح بدعة قولية. 

وأما تقسيم بعضهم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، وبعضُهم يقسمها إلى خمسة أقسام، وهي أقسام الحكم التكليفي، فيقول من البدع ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مباح، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو محرم، فهذا كله باطل لا أصل له في الشرع([6]).

والذي دلت عليه سنة النبي r أن البدع كلها ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، فالبدع ليس فيها شيء حسن؛ لعموم قوله r: «كل بدعة ضلالة»

وأما قول النبي r: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها . . .»

فمعناه: أن من عمل بسنة ثابتة عن النبي r قد ترك الناس العمل بها جهلا بها، فقد أحياها بذلك؛ لأن الناس قد اقتدوا به في العمل بالسنة التي تركوها، فهو لم يحدث عبادة من عنده، بل رغب في عبادة ثابتة عن النبي r، وكذا لو وعظ الناس ورغبهم في العمل بسنة من السنن الثابتة التي يعلمونها لكنهم تركوها غفلة أو تكاسلا فحثهم عليها فتتابعوا على العمل بها، فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

ويؤيد هذا المعنى ما رواه مسلم في صحيحه عن جَرِير بن عبد الله t قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: {اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ} [الحشر: 18] «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» رواه مسلم 1017.

فهذا الرجل الذي تصدق أولاً قد سن سنة حسنة فكان له أجرها وأجر من عمل بها، ومن المعلوم أن الصدقة عبادة جليلة دلت عليها أدلة الكتاب والسنة.

والنمار: جمع نمرة، وهي: كساء من صوف مخطط، ومعنى (مجتابيها) أي: لابسيها قد خرقوها في رؤوسهم، يعني أن الإنسان ليس عليه إلا ثوبه قد اجتباه يستر به عورته، وقد ربطه على رقبته. ومعنى (تمعر) أي تغير وتلون لما رأى فيهم من الحاجة. وقوله: (رأيت كومين) أي صُبريتين. وقوله: (كأنه مُذْهَبة) والمراد: الصفاء والاستنارة.

 

وأما ما جاء عن عمر t لما رأى الصحابة r اجتمعوا على صلاة التراويح قال: (نعمت البدعة)، سماها بدعة من جهة اللغة، لأنها على غير مثال سابق، وليس مراده أنها بدعة في الدين، يوضح ذلك أن النبي r صلى بأصحابه y قيام الليل في رمضان جماعة ثلاث ليال، ثم ترك ذلك خشية أن يفرض عليهم قيام الليل، فلما توفي r زال المانع، وهو خشية أن تفرض، لكن شغل الصديق t بقتال أهل الردة واشتغل الصحابة معه بذلك، وكانت خلافته قصيرة، فلما ولي عمر t وكانت ولايته أطول جمع الناس على أبي بن كعب t فصلى بهم التراويح جماعة، فخرج عمر t عليهم ذات ليلة فرآهم مجتمعين على إمام واحد فقال: (نعمت البدعة) أي من جهة المعنى اللغوي، فلم يكن الأمر كذلك في زمان النبي r ولا خلافة أبي بكر t، وإلا فالتراويح أصلها ثابت في سنة النبي r، ودليلها قائم، فليست بدعة في الشرع، فليس في هذا القول من عمر t مستمسك لمن قال: إن البدع منها ما هو حسن، بل البدع كلها ضلالة كما قال النبي r: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة).

3-الأدلة من الكتاب والسنة في التحذير من البدع:

الأدلة من الكتاب والسنة على بطلان البدع والتحذير منها كثيرة، فمن هذه الأدلة:

1-قول الله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون).

جاء عن بعض السلف في تفسير قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) أنهم أهل البدع، كما قاله قتادة رحمه الله تعالى([7]).

والفرقة والاختلاف من علامات أهل البدع، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» رواه أبو داود 4596، وقال الألباني: حسن صحيح.

وفي لفظ لأبي داود من حديث معاوية t: (وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) رواه أبو داود 4597، وحسنه الألباني.

قال الشاطبي في الاعتصام 1/117 عن روايات هذا الحديث: (الفِرَق فيها عند أكثر العلماء فرق أهل البدع).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} فَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأُولُو الْعِلْمِ , وَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فَأَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ " رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/79.

2-ومن الأدلة في النهي عن البدع قول الله تعالى: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

صراط الله هو الطريق الموصل إليه، وإلى دار كرامته {فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} أي: الطرق المخالفة لهذا الطريق {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} أي: تضلكم عنه وتفرقكم يمينا وشمالا([8]).

وهذه الآية يدخل في عمومها أهل الأهواء والبدع، كما قاله ابن عطية في تفسيره([9])، فإن أهل البدع هم أهل تفرق وضلال.

وأما الأحاديث:

3-فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).

وأخرجه البغوي في شرح السنة 1/211 بإسناده بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».

وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو أصل في رد البدع والمحدثات.

وهو مع حديث (إنما الأعمال بالنيات) يدلان على شرطي قبول العمل، فحديث الأعمال بالنيات دليل لإخلاص العمل، وهذا الحديث دليل للمتابعة للشرع.

فكل مَن عَمِل عملا يتدين به، سواء أكان فعلا أم قولا أم اعتقادا ليس عليه أمر الله تعالى ورسولِه r فهو مردود، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله عز وجل ورسولُه r فليس من الدين في شيء، وهذا دل عليه هذا الحديث بمنطوقة.

وفي معنى هذا الحديث من القرآن الكريم قول الله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)، فالبدع كلها لم يأذن الله تعالى بها شرعا.

ودل حديث عائشة رضي الله عنها بمفهومه على أن كل عمل عليه أمر الله تعالى فهو مقبول غير مردود.

وليعلم أيها الإخوة الكرام أن المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقا للشريعة في أمور ستة: سببِه، وجنسه، وقدْره، وكيفيته، وزمانه، ومكانه.

فإذا لم يوافق الشريعة في هذه الأمور الستة فهو باطل مردود، لأنه أحدث في دين الله ما ليس منه.

أولاً: أن يكون العمل موافقا للشريعة في سببه: وذلك بأن يفعل الإنسان عبادة لسبب لم يجعله الله تعالى سببا مثل: أن يقرأ سورة الفاتحة عند عقد النكاح، فقراءتها في الأصل عبادة، لكن لما قرنها بسبب لم يجعله الله تعالى سببا - وهو عقد النكاح - صارت بدعة مردودة.

ثانيا: أن يكون العمل موافقا للشريعة في الجنس، فلو تعبد لله بعبادة لم يُشرع جنسها فهي غير مقبولة، مثال ذلك: لو أن أحدا ضحى بفرس، فإن ذلك مردود عليه ولا يقبل منه، لأنه مخالف للشريعة في الجنس، إذ إن الأضاحي إنما تكون من بهيمة الأنعام وهي: الإبل، والبقر، والغنم.

أما لو ذبح فرسا ليتصدق بلحمها فهذا جائز، لأنه لم يتقرب إلى الله بذبحه وإنما ذبحه ليتصدق بلحمه.

ثالثاً: أن يكون العمل موافقا للشريعة في القدْر: فلو تعبد شخص لله عز وجل بقدر زائد على ما جاءت به الشريعة لم يقبل منه، ومثال ذلك: رجل توضأ أربع مرات أي غسل كل عضو أربع مرات، فالغسلة الرابعة لا تقبل، لأنها زائدة على ما جاءت به الشريعة، بل قد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا وقال: من زاد على ذلك فقد أساء وتعدى وظلم.

رابعاً: أن يكون العمل موافقا للشريعة في الكيفية: فلو عمل شخص عملا، يتعبد به لله وخالف الشريعة في كيفيته، لم يقبل منه، وعمله مردود عليه.

ومثاله: لو أن رجلا صلى وسجد قبل أن يركع، فصلاته باطلة مردودة، لأنها لم توافق الشريعة في الكيفية.

وكذلك لو توضأ منكسا بأن بدأ بالرجل ثم الرأس ثم اليد ثم الوجه فوضوؤه باطل، لأنه مخالف للشريعة في الكيفية.

خامساً: أن يكون العمل موافقا للشريعة في الزمان: فلو صلى الصلاة قبل دخول وقتها، فالصلاة غير مقبولة لأنها في غير الزمان الذي حدده الشرع.

ولو ضحى قبل أن يصلي صلاة العيد لم تقبل لأنها لم توافق الشرع في الزمان.

سادساً: أن يكون العمل موافقا للشريعة في المكان: فلو أن أحدا اعتكف في غير المساجد بأن يكون قد اعتكف في البيت، فإن اعتكافه لا يصح لأنه لم يوافق الشرع في مكان الاعتكاف، فالاعتكاف محله المساجد.

فهذه أمور ستة ينبغي مراعاتها ليكون العمل مشروعا.

4-ومما ورد في النهي عن البدع حديث الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ t قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رواه أبو داود 4607، وصححه الألباني.

الشاهد منه قوله r: "فإنه من يعش منكم بعدي" أي تطول به الحياة "فسيرى اختلافا كثيرا"

وقد أدرك هذا الاختلاف جماعةٌ من الصحابة رضي الله عنهم الذي طال بهم العُمُر، فأدركوا الاختلاف الذي حصل في الاعتقاد والعمل، والاختلافَ الذي سببُه الفتنُ التي وقعت.

وهذا من دلائل النبوة، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر بأمر فوقع كما أخبر.

ثم أرشدهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ما يلزمونه عند هذا الاختلاف، فقال:

"فعليكم بسنتي" أي الزموا سنتي، والمراد بالسنة هنا: الطريقة التي كان عليها النبيُّ r، فلا تبتدعوا في دين الله عز وجل ما ليس منه، ولا تخرجوا عن شريعته.

وأمر أيضا عند الاختلاف بلزوم سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وهم أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعلي رضي الله عنهم، وقال: "عضوا عليها بالنواجذ" أي تمسكوا بالسنة وما عليه الخلفاءُ تمسكا شديدا، كالذي يَعض على الشيء بنواجذه، وهي أقصى أضراسه.

وفي هذا الحديث وجوب التمسك بالسنة عند الاختلاف، وهو واجب في كل حال، إلا أنه يتأكد عند وجود الاختلاف والفتن.

ومن لازم التمسك بالسنة العلمُ بها، فإن من لا يعلمُ السنةَ لا يمكنُه التمسكَ بها.

ولما حثهم على التمسك بالسنة حذرهم من البدع فقال:

"وإياكم ومحدثات الأمور" المراد بالأمور هنا أمور الدين، أي احذروا المحدثاتِ في الدين؛ لأنها المنهيُّ عنها.

ثم أخبر النبي r في هذا الحديث أن كل محدثة في الدين فهي من البدع، فليس في الدين بدعة حسنة. وكل بدعة في دين الله عز وجل فهي ضلالة، وهذا يدل على تحريم البدع، والتحذير منها.

5-ومن الأدلة من السنة في النهي عن البدع، حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» رواه النسائي 1578، وصححه الألباني.

6- ومن الأدلة حديث عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله r: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ . . .» رواه البخاري 6755، ومسلم 1370.

وعير وثور: جبلان بالمدينة.

فقوله r: (من أحدث فيها حدثا) يعم كل حدَث أُحدث فيها مما يخالف الشرع، والبدع من أشد المحدثات. (أو آوى محدثا) أي حماه ونصره.

اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى.

وهذا الحديث وإن ورد في المدينة النبوية فغيرها من البلاد داخلة في معناه([10]).

4-الآثار عن السلف في التحذير من البدع:

الآثار عن السلف في ذم البدع والنهي عنها كثيرة، أذكر طرفا يسيرا منها:

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مَنْ عَامٍ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً , حَتَّى تَحْيَا الْبِدَعُ وَتَمُوتَ السُّنَنُ» رواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها برقم 95، وقال في المجمع 1/188: (رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون).

قال الشاطبي في الاعتصام 1/33: (ما من بدعة تحدث إلا ويموت من السنن ما هو في مقابلتها، حسبما جاء عن السلف) ثم ذكر هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وعَنْ حَسَّانَ بن عطية قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلاَّ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لاَ يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. رواه الدارمي برقم 99، وصححه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح 1/66.

وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ» رواه الدارمي 211.

أي اتبعوا سنة النبي r، ولا تبتدعوا عبادات تحدثونها من عندكم، فقد كفيتم ذلك، بما شرعه الله عز وجل لكم في كتابه وما سنه لكم رسوله r.

وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا r خان الرسالة؛ لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا)([11]).

فالمبتدع حاصل قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تكتمل، وأنه بقي أشياءُ من الدين يجب أو يستحب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يتبدع، ولا استدرك عليها، ومن يرى عدم كمال الشريعة ضال عن الصراط المستقيم.

5-أسباب ظهور البدع:

اتباع الهوى: ولذا كان السلف يسمُون أهلَ البدع أهل الأهواء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى 3/384: (وأصل الضلال اتباع الظن والهوى، كما قال الله تعالى في حق من ذمهم: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى}).

فأهل الأهواء يقدِّمون أهواءهم على النصوص الشرعية، بل ربما جعلوا أهواءهم وعقولهم هي الأساس، والأدلةَ تابعةً لأهوائهم، وإذا وردت الأدلة الشرعية مخالفةً لأهوائهم أولوها وصرفوها عن حقيقتها، وتكلفوا في ذلك؛ ليظهروا موافقتها لبدعهم وضلالهم.

أما أهل السنة فإنهم ينظرون إلى الدليل، وما دل عليه، فيتبعونه وينقادون له.

الجهل بالعلم الصحيح، علم الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة، فالجهل سبب من أسباب الوقوع في البدع، فيظن المبتدع لجهله أن هذه العبادة تقربه إلى الله عز وجل، والأمر على خلاف ذلك.
فعلامة المبتدعة ترك آثار الرسول r وأصحابِه y، وشعار أهل السنة اتباع الآثار. كما قال محمد بن سيرين - رحمه الله -: (كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا على الأثر).

ولهذا وَصف النبي r الخوارج بأنهم: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) أي أنهم لا يفهمونه، فأهل البدع يجرهم الجهل إلى الوقوع في بدعهم.

تقليد الآباء والأجداد، واتباعُ ما كانوا عليه من البدع. كما قال الله تعالى عن المشركين: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) وهذا هو التقليد المذموم الذي يقود صاحبه إلى اتباع ما كان عليه أسلافه، وطرح الحق الذي جاء به الشرع.
اتباع العادات والأعراف الشائعة بين الناس، فيظن بعضهم أن الأمر المبتدع إذا جرت به العادةُ بين الناس وانتشر بينهم فإنه يكون من الحق الواجب الاتباع، ومن السنن المطلوبة.
ومن المعلوم شرعا أن ما اعتاده الناس وشاع بينهم مما يخالف الشرع ليس بحجة.

علماء الضلالة الذين ضلوا عن الصراط المستقيم، وزينوا للناس البدع والمحدثات، وزخرفوا لهم القول في الاحتجاج لها بالأدلة الواهية، فافتتن الناس بهم، وصاروا يحتجون بأن العالم الفلاني قد أفتى بجواز ذلك، وأنه ليس بدعة في الدين، أو يقول: إنها بدعة حسنة، ولذا جاء في حديث ثَوْبَانَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ» رواه الترمذي 2229، وصححه الألباني. فالواجب على المسلم ألا يأخذ دينه عن علماء البدعة، ويتحرى في أخذه العلم عن علماء السنة.
ومن أسباب انتشار البدع أن يكون السلطان ناصرا للبدعة ممكِّنا للمبتدعة أن ينشروا بدعهم وضلالهم، فحينئذ تنتشر البدع في البلاد، وتقوى شوكة المبتدعة، كما وقع ذلك في عدد من الولايات الإسلامية عبر التاريخ، أما إذا وفَّق الله تعالى لأهل البلاد سلطاناً ينصر السنة ويقمع المبتدعة فإن البدع تموت، ويضعف أهلها، كما في بلادنا بحمد الله تعالى فهذه نعمة عظمى ينبغي لنا ذكرها وشكرها.
سكوت أهل العلم على البدع، وعدمُ الإنكار على المبتدعة، وبيانِ بطلان ما يدعون إليه، وكشفِ شبههم التي يثيرونها، فحينئذ تنتشر البدع بين الناس.
وإنكار البدع من الواجب الكفائي على أهل العلم، ومن إنكار المنكر الذي لا يقوى عليه إلا العلماء، وفيه حماية للشريعة وذبٌ عنها.

6-آثار البدع في المجتمعات الإسلامية:

البدع لها آثار سيئة في المجتمع الذي يُقرُّها، ولا يُنكرها، منها:

وقوع التفرقِ والاختلاف بين المسلمين، فإن البدع سبب من أسباب التفرق، ولهذا يُسمى أهلُ البدع أهلَ الفُرقة، والتفرق مما نهى الله تعالى عنه في قوله سبحانه: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم).
 إماتة السنة، وترك الاتباع لسنة النبي r، كما تقدم الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما: «مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مَنْ عَامٍ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً , حَتَّى تَحْيَا الْبِدَعُ وَتَمُوتَ السُّنَنُ» رواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها برقم 95، فلا تجتمع حقيقة الاتباع للسنة والأثر مع الابتداع في الدين، ولذا تجد كثيرا من المبتدعة جاهلون بالسنن والآثار.
مفارقة أهل البدع للجماعة، وشقُ عصا الطاعة على جماعة المسلمين، وهذا ظاهر في الخوارج ومن نحا نحوهم من الجماعات الحزبية المعاصرة، بل جاء عن بعض السلف أن ما ابتدع مبتدع بدعة إلا رأى السيف، أي الخروج على أئمة المسلمين، فعَنْ أَبِي قِلَابَةَ قال: (مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً إِلَّا اسْتَحَلَّ ‌السَّيْفَ)، وَكَانَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ يُسَمِّي أَصْحَابَ الْبِدَعِ خَوَارِجَ، وَيَقُولُ: (إِنَّ الْخَوَارِجَ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْمِ وَاجْتَمَعُوا عَلَى ‌السَّيْفِ)([12]).
الاستمرار على البدع، وعدم التوبة منها إلا أن يشاء الله، فعَنْ أَنَسٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ حَجَزَ - أَوْ قَالَ: حَجَبَ - التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ " رواه ابن أبي عاصم في السنة برقم 37، قال المنذري في الترغيب: "رواه الطبراني وإسناده حسن". وصححه الألباني في صحيح الترغيب 1/130.
 وذلك أن المبتدع يرى أنه يتعبد لله، وأنه على حق، وأن من ينكر عليه بدعته مبطل، بخلاف العاصي فإنه يرى أنه عاص لله عز وجل، وأن من ينكر عليه مصيب في إنكاره، فهذا حري بالتوبة والإقلاع عن معصيته بخلاف المبتدع.

7-أمثلة على بعض البدع:

من البدع المحدثة، والتي لا دليل عليها من الشرع، والمنتشرة عند كثير من الناس في العالم الإسلامي:

التوسل بجاه الأنبياء عليهم السلام والصالحين:

هذا التوسل يعد من التوسل الممنوع شرعا، لأنه توسل لم يدل عليه دليل شرعي، كتوسل بعضهم بجاه النبي r، كأن يقول: اللهم إني أسألك بجاه محمد r أن تدخلني الجنة. وكذا لو توسل بجاه أحد الصحابة y، كجاه علي أو الحسن أو الحسين أو غيرهم y، أو بجاه غيرهم من الصالحين، فإن هذا النوع من التوسل توسلٌ بدعيّ، لعدم ورود الدليل عليه من الكتاب أو السنة، ولم يفعله أحد من الصحابة y([13])، ولا أحد من السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهم خير القرون، وأعرف الناس بحق النبي r وحقه صحابته y وحق الصالحين.

نعم، نعتقد نحن أهل السنة والجماعة أن لنبينا وحبيبنا محمدٍ r جاهاً عظيماً عند ربه عز وجل، ومكانةً عالية، وكيف لا، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، وسيدُ ولد آدم، وكذا صحابتُه الكرام وآلُ بيته المؤمنون لهم جاه عند الله عظيم، وإنما الذي ينكره أهل السنة والجماعة هو التوسل بجاههم؛ لأنه بدعة محدثة في الدين، لم يفعله الصحابة y، الذين هم أعظم الناس إجلالا ومحبة لرسول الله r، ولما أجدبت الأرض في عهد عمر بن الخطاب t، اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ t، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» فَيُسْقَوْنَ. رواه البخاري 3710.

فقد كانوا في حياة النبي r يستسقون به، أي بدعائه، كما فعل الرجل الذي دخل يوم الجمعة، وأما بعد موته فلم يتوسلوا y بجاهه، لعلمهم أنه لا يجوز، وأنه ليس وسيلة شرعية، ولم يأتوا إلى قبره r ويسألوه، لعلمهم أن الميت كائنا من كان لا يُسأل شيئا، وإنما توسل عمر t بالعباس عم النبي r، فدعا العباس t ربه بالسقيا فسقاهم الله.

وما يقال في التوسل بجاه النبي r يقال مثله في التوسل بحرمته أو ببركته أو بحقه أو بذاته، كُلُّ ذلك من التوسل الممنوعِ شرعا، وهو من الذرائع والوسائل إلى الشرك بالله عز وجل.

وبَدَل أن يقول القائل: اللهم إني أسألك بجاه نبيك r، فليقل: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك r، أو باتباعي لنبيك r، فيكون توسلُه حينئذ مشروعا، لأنه توسل في دعائه بعمل صالح، وهو محبةُ النبي r واتباعُ سنته.

الاحتفال بمولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:

مما أُحدث في الدين، بدعة الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في اليوم الثانيَ عشر من شهر ربيع الأول.

فجعل بعضُ الناس هذا اليومَ عيداً، يحتفلون فيه، ويظهرون أنواعاً من البدع والمحدثات، ويزعمون أن ذلك عند الله من القربات. 

وهؤلاء الذين يحتفلون بمولد النبي صلى الله عليه وسلم على قسمين:

قسمٌ، يجتمعون في يوم المولد على أنواع من المعاصي والمنكرات، من اختلاط الرجال بالنساء، وشرب المسكرات، وسماع الأغاني، ونحو ذلك من المحرمات، بل قد يقع منهم ما هو أعظم من ذلك، وهو الشرك الأكبر بالله عز وجل، وذلك بالغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، أو في غيره من الأولياء، ودعائه من دون الله تعالى، والاستغاثة به، وطلب المدد منه، واعتقاد أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الكفر والموبقات.

ولا شك أن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الصفة، بدعة محدثة، ومنكر عظيم وتحريمه واضح بيِّن لا يخفى على مسلم.

وأما القسم الثاني: فهم الذين يجتمعون في يوم مولده صلى الله عليه وسلم على قراءة  سيرته صلى الله عليه وسلم، وشيءٍ من سنته عليه الصلاة والسلام، وإطعام الطعام ونحو ذلك من القُرُبات.

فهذا الاحتفال على هذه الصفة لا يجوز أيضاً - وإن خلا من المحرمات السابقة ذكرها - لأنه بدعة محدثة، يدل على بدعيته أمور كثيرة، منها:

أولاً: أن الأصل في العبادات التوقيف، بمعنى أنه لا يُتعبد لله بعبادة إلا بدليل من الشرع، والاحتفال بالمولد لا دليل عليه من الشرع، فلا يُعلم أن الله تعالى أمر به في كتابه، ولا أمر به رسولُه صلى الله عليه وسلم، ولا صحابتُه رضي الله عنهم، ولا فعله أحدٌ من سلف الأمةِ أصحابِ القرون المفضلة، فدل ذلك على أن الاحتفالَ بالمولد النبويِ بدعةٌ محدثةٌ في الدين لمخالفته لإجماع السلف الصالح.

ثانياً: أن العبيديينَ الذين يُسمون أنفسَهم بالفاطميين، هم أولُ من أحدثَ الاحتفالَ بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد عام ثلاثمائة واثنتين وستين للهجرة، أي في القرن الرابع الهجري، ولم يكن الاحتفالُ بالمولد النبوي معروفاً قبل ذلك، وهذا دليل واضح على بدعيته، إذ لو كان من الدين في شيء، لما تركه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، رضي الله عنهم، مع كونهم أعلم بشرع الله تعالى، وأتقى لله وأعظم محبة لرسوله صلى الله عليه وسلم ممن جاء بعدهم.

وليس إحداث هذه البدعة بمستغرب على العبيديين فإنهم أصحاب بدع وضلالات قال عنهم شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله تعالى: "وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماءُ الأمة وأئمتُها وجماهيرُها، أنهم كانوا منافقين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر" - الفتاوى الكبرى 3/492 -.

ثالثاً: أن الصحابة رضي الله عنهم لم يحتفلوا بمولده عليه الصلاة والسلام، وكذلك من جاء بعدهم من التابعين، وتابعي التابعين، وكذلك الأئمة الأربعة، أبو حنيفة ومالكٌ والشافعيُ وأحمدُ وغيرهم من أئمة الهدى، في القرون المفضلة الأولى، لم يحتفلوا بمولده صلى الله عليه وسلم، مع كونهم أكثر محبةً للنبي صلى الله عليه وسلم ممن جاء بعدهم، فلو كان الاحتفالُ بالمولد النبوي دليلاً على المحبة، لفعَلَه السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فلما لم يفعلوه دل ذلك على أنه ليس من مقتضيات المحبة، بل هو بدعة منكرة.

رابعاً: أن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فيه تشبهٌ بالنصارى في احتفالهم بمولد نبي الله عيسى عليه السلام، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من تشبَّه بقوم فهو منهم" رواه الإمام أحمد.

ويكفي مريدُ الحق في ذلك، إجماعُ الصحابةِ رضي الله عنهم، وأصحابِ القرون المفضلة على ترك الاحتفال بالمولد، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :(إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة) رواه الترمذي (2167) وصححه الألباني.

وإن قال المحتفلون بالمولد: إننا لم نرد بهذا الاحتفالِ إلا الخير، فيقال لهم كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (وكم من مريد للخير لن يصيبَه) فلا يكفي أن يكون القصد حسناً، بل لا بد مع ذلك من المتابعةِ لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، واقتفاءِ أثره وآثارِ صحابته رضي الله عنهم، والكفِ عما كفوا عنه، فإنهم إنما كفوا عن علم وبصيرة.

ولو فُتح باب الإحداث في الدين للناس، لما كان له نهاية، ولو أن الناس اشتغلوا بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما وجدوا وقتاً للبدع والمحدثات.

ولا ينبغي للعاقل، أن يغتر بكثرةِ من يحتفلُ بالمولد النبوي في كثير من البلاد، فإن الحق لا يُعرف بكثرة الفاعلين، كما قال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) وقال سبحانه: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)، وإنما يُعرف الحقُ بالأدلة الشرعية كما قال سبحانه عن اليهود والنصارى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وأَتْباع الحق قد يكونون قلة كما قال سبحانه وتعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ).

بدعة الذكر الجماعي: وهي أن يجتمع اثنان فأكثر فيذكرون الله تعالى بصوت واحد، وهذه بدعة محدثة، لأن أصل ذكر الله تعالى مشروع، ومرغب فيه، ولكن صفة الذكر وهي كونه جماعيا أمر محدث لا دليل عليه، فصار الذكر على هذه الصفة بدعة محدثة.

ويدخل في ذلك الإتيان بالأذكار بعد الصلوات الخمس بصوت واحد، والتلبية الجماعية للمحرِم بحج أو عمرة، والتكبير في عشر ذي الحجة وفي العيدين تكبيرا جماعيا، كل ذلك داخل في حد البدعة.

ومن البدع تخصيص سورة أو آية من القرآن الكريم بالقراءة بعدد معين أو في وقت معين أو في حال معينة، بلا دليل من الشرع على هذا التخصيص، كمن يلتزم قراءة سورة الفاتحة عشر مرات بعد الوتر، أو يقرأ سورة الفاتحة بعد الدعاء للميت، ونحو ذلك فإن هذا التخصيص لسورة الفاتحة بهذا العدد أو الحال لا يعرف له دليل من الشرع.

بخلاف ما جاء به الدليل الشرعي فإنه يكون عبادة، كقراءة الفاتحة على المريض، وقراءة آية الكرسي عند النوم، وبعد كل صلاة الفريضة، وقراءة الإخلاص والمعوذتين صباحا ومساء، فإن هذا التخصيص لهذه السور والآيات قد دل عليه الدليل الشرعي.

والمشروع للمسلم الإكثار من قراءة القرآن الكريم من غير تخصيص لسور معينة بعدد معين، ولا وقت معين، ولا حال معينة إلا ما جاء به الشرع([14]).

ومن البدع قراءة القرآن الكريم يوم الجمعة قبل الصلاة في الجامع بمكبرات الصوت، فإنه لا يعرف وقوع ذلك في زمن النبي r، ولا زمن أصحابه y، فيكون بدعة محدثة في الدين.

وكذلك قراءة القرآن الكريم في المسجد بمكبرات الصوت قبل أذان الفجر، والابتهالات الدينية، كل ذلك من البدع المحدثة، التي لا دليل عليها من الشرع([15]).

8-الوصية في التمسك بالسنة:

الوصية لكل مسلم ومسلمة بالتمسك بالكتاب والسنة على فهم سلف لأمة؛ لقول النبي اللهِ صلى الله عليه وسلم: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» رواه مالك في الموطأ بلاغا (ت: الأعظمي) 5/1323، وحسنه الألباني في تحقيق المشكاة 1/66.

والواجب على من منَّ الله عليه بمعرفة السنة ألا يوافق أهل البدع في بدعهم، بل الواجب  الإنكار عليهم ما استطاع بالحكمة والموعظة الحسنة، مراعيا في ذلك تحقيق المصالح ودفع  المفاسد، لقول الله لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ولما روى أبو سعيد الخدري t أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم.

وختاما: فمن أراد التوسع في موضوع البدع فليراجع:

كتاب البدع والنهي عنها لابن بوضاح، والاعتصام ‌للشاطبي فقد تكلم فيه عن البدع بما لا تكاد تجده مجموعا في غيره، والسنن والمبتدعات للشقيري، والبدع والحوادث للطرطوشي، والباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة، والإبداع في مضار الابتداع لعلي محفوظ، وتنبيه الغافلين للنحاس، واقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية. وتصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد، رحمهم الله تعالى.

اللهم ثبتنا على الإسلام والسنة، وأعذنا من الشرك والبدع، وارزقنا محبة نبيك صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته، وسنة صحابته رضي الله عنهم أجمعين.

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


([1]) أخرج ابن ماجه 43 من حديث العرباض بن سارية t، وفيه: (. . . إن هذه موعظة مودِّع، فما تعهد إلينا؟ قال: "قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ" . . ) وصححه الألباني.

([2]) قال الشاطبي في الاعتصام 1/65: (وثبت أن النبي r لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة).

([3]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في الفتاوى 28/386: (والأصل في هذا أنه لا يَحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يُشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه).

([4]) ينظر: الاعتصام للشاطبي 1/45، قال ابن فارس في المقاييس 1/209: ((بَدَعَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْعَيْنُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ وَصُنْعُهُ لَا عَنْ مِثَالٍ، وَالْآخَرُ الِانْقِطَاعُ والْكَلَالُ. فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ: أَبْدَعْتُ الشَّيْءَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا: إِذَا ابْتَدَأْتُهُ لَا عَنْ سَابِقِ مِثَالٍ. وَاللَّهُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ابْتَدَعَ فُلَانٌ الرَّكِيَّ: إِذَا اسْتَنْبَطَهُ. وَفُلَانٌ بِدْعٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9] . . .).

([5]) تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد ص40.

([6])  في «فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى» (2/ 457): «أما تقسيم البدعة في الدين إلى خمسة أقسام فلا نعلم له أصلا في الشرع».

([7]) ينظر: معالم التنزيل للبغوي 2/88.

([8]) ينظر: تفسير السعدي للآية.

([9]) ينظر: تفسير ابن عطية 2/364.

([10]) ينظر: الاعتصام 1/113.

([11]) أخرجه عنه ابن حزم في الإحكام 6/85، بنحوه، وذكره بهذا اللفظ الشاطبي في الاعتصام 1/65، 66.

([12]) الاعتصام 1/ 138.

([13]) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة 1/500.

([14]) ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى» (2/ 483).

([15]) ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى» (2/ 495).

محاضرات ذات صلة