مكتبـــــة الخطب

2025-06-19 22:32:55

آداب الرحلات البرية

إن الحمد لله . . أما بعد:                               19/6/1446ه
فاتقوا الله معاشر المؤمنين، (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا . . . بالله الغرور)
عباد الله . . لما كانت النفوس بطبيعتها يصيبها الكلل والملل، من استمرارها على حال واحدة، وأعمال متتابعة، أباح الله لعباده ما يدخل عليهم السرور، وتنشط به النفوس، وتستروح من عناء الأعمال والأعباء الدنيوية.
ومن ذلك ما يقوم به كثير من الناس من الرحلات البرية، والذهاب إلى المتنزهات، طلبا للمتعة والراحة، والترفيه عن النفس والأهل.
والأصل في هذه الرحلات الإباحة ما دامت سالمة من المحرمات، ولم يترتب عليها تضييع الواجبات، بل إن نوى بها المسلم نية صالحة أجر عليها، كأن ينوي التفكر في مخلوقات الله عز وجل، وإدخال السرور على أهله، وغير ذلك مما يرجو به الثواب من الله تعالى.
معاشر المسلمين . . من عزم على رحلة برية فليحرص على الرفقة الصالحة، وليتجنب رفقاء السوء، الذين يزينون له المعصية، ويثبطونه عن الطاعة، فإن كانت رحلته تعد سفرا دعا بدعاء السفر عند الخروج من البلد، ويشرع للجماعة المسافرين تأمير أمير عليهم في السفر؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ»([1]) رواه أبو داود 2608، وقال الألباني: حسن صحيح.
ويراعى عند النزول أن ينزل في الأماكن الآمنة، وأن يحذر من الأماكن الخطرة، كبطون الأودية، ومجاري السيول، عملا بقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) ويسن أن يقول عند النزول ما ورد عن النبي r، فعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةِ رضي الله عنها أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا، فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ " رواه مسلم 2708.
ويسن لمن أراد قضاء الحاجة في الصحراء أن يتبعد عن رفقته، وأن يختار لبوله مكانا رخوا حتى لا يصيبه رشاش بوله، ولا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها حال قضاء الحاجة في الصحراء، بل يجعل القبلة عن يمينه أو شماله، لقوله r: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول أو غائط) متفق عليه. ولا يجوز قضاء الحاجة في الأماكن التي يرتادها الناس، كالطرق، والمتنزهات والظل النافع والماء الراكد ونحو ذلك، لقوله r: (اتقوا اللعانين) قالوا يا رسول الله وما اللعانان؟ قال: (الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم) رواه مسلم. ويجب بعد قضاء الحاجة الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالأحجار أو المناديل ونحوها، ويجب الوضوء بالماء، ولا يجوز العدول إلى التيمم إلا عند عدم الماء، أو العجز عن استعماله؛ لقوله سبحانه: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) أو كان يلحقه باستعمال الماء ضرر، فيرخص له في التيمم، وشدّة البرْدٍ التي يجوز معها التيمم مقيدة بعدة قيود: أن يُخشى باستعمال الماء البارد الضَّرر، كالمرض أو الهلاك، ويتعذَّر عليه تسخينُ الماء، ويتعذر أن يستعمله في مكان يحجب عنه البَرْد والريح الباردة، فحينئذ يجوز له التيمم؛ لحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. رواه أبو داود 334، وصححه الألباني.
أما مجرد برودة الماء من غير أن يترتب على استعماله ضرر فلا يجوز حينئذ التيمم، بل يجب عليه استعمال الماء، وهو مأجور على ما يجد من ألم برودة الماء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ) قالوا بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط) رواه مسلم، وإسباغ الوضوء، إتمامه وإفاضة الماء على الأعضاء على وجه الكمال، والمكاره تكون بشدة البرد وألم الجسم.
ويجب العناية بأمر الصلاة في الرحلات البرية، وأدائها من الرجال جماعة بأذان وإقامة، ويستحب رفع الصوت بالأذان؛ لقول أبي سعيد الخدري t لعبد الله الأنصاري «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذَّنتَ بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مَدى صوت المؤذن جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيء إلا شَهِد له يوم القيامة» قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري 609.
وينبغي ألا تخلو هذه الرحلات من شيء من مجالس العلم والذكر؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ» رواه أبو داود 4856، وقال الألباني: حسن صحيح. ومعنى (ترة) أي حسرة وندامة. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يُعْرَضُ عَلَى ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَاتُ عُمُرِهِ، فَكُلُّ سَاعَةٍ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهَا تَتَقَطَّعُ نَفْسُهُ عَلَيْهَا حَسَرَاتٍ([2]). بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد: فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واعلموا أن من آداب الرحلات البرية العناية بنظافة المكان قبل مفارقته، فدين الإسلام دين النظافة، وألا يقطع الأشجار أو يعتدي عليها، أو يفسد النباتات، وأن يحذر عند نزول الأمطار من البقاء في بطون الأودية والشعاب، أو قطعها بالسيارات؛ لما في ذلك من تعريض  النفس للهلاك، وقد قال الله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وأن يلتزم المسلم بتعليمات السلامة من الجهات المختصة، حفظا لنفسه ولغيره، ويلتزم بالتعليمات الخاصة بإشعال النار في الأماكن المسموح بها، وأنظمة الصيد والاحتطاب؛ لما يترتب على هذه الأنظمة من المصالح العامة، ودفع المفاسد، وطاعة لولي الأمر الذي أمر الله بطاعته ورسوله r: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وقال النبي r: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) متفق عليه، والله نسأل أن يحفظنا وجميع المسلمين بحفظه، وأن يكلأنا برعايته وعنايته، وأن يتولانا بولايته، وهو ولي الصالحين.

([1]) قال شيخ الإسلام في السياسة الشرعية ص129: (فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع).
([2]) ينظر: جامع العلوم والحكم 1/338.

خطب ذات صلة