الخشوع في الصلاة 1446ه 17/7/1446ه
إن الحمد لله . . أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)
عباد الله . . الصلاة أعظمُ ما أمر الله به عباده بعد الشهادتين، وهي عمود الدين،
وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت أفلح وأنجح، وإن فسدت خاب وخسر.
فلهذا كان لابد للعبد أن يحرص على أداء الصلاة، وأن يقيمها كما أمر الله جل وعلا
بأركانها وواجباتها وشروطها، وحضور القلب فيها، وما يتيسر له من سننها، بحيث يقتفي
أثر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ظاهراً وباطناً، فالاقتفاء في الظاهر يكون
في الأعمال الظاهرة كالقراءة والركوع والسجود ونحو ذلك، والاقتفاء في الباطن يكون
بحضور القلب في الصلاة والخشوعِ فيها، واستحضار العبد عظمة الوقوف بين يدي ربه جل
وعلا.
ولما كان الشيطان عدواً للمؤمن، فإنه يجتهد في صرف المصلين عن الإقبال على الله
تعالى في صلاتهم، ويكثر لهم من الوساوس، حتى يذكِّرهم فيها ما نسوا من أمور دنياهم،
فإذا ما انتهت الصلاة تركهم ولم يوسوس لهم، وهذا من كيده ومكره بالعباد، وسعيه في
صرفهم عن التلذذ بصلاتهم، والأنس فيها بلقاء ربهم.
وكثير من الناس يشتكي من عدم الخشوع في الصلاة، ويشتكي من تسلط الشيطان عليه،
فترِدُ عليه الوساوس والخواطر في صلاته، ويسترسل معها حتى لا يدري ما يقول، بل ولا
يدري كم ركعة صلى.
معاشر المؤمنين . . الخشوع: هو لينُ القلب ورقتُه وسكونه وخضوعه وانكساره، فإذا خشع
القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء، لأنها تابعة له، كما قال صلى الله عليه
وسلم: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا
وهي القلب" متفق عليه.
فإذا خشع القلب خشع السمع والبصر وسائر الأعضاء، كما جاء في دعاء النبي في
الركوع: «اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ
سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي» رواه مسلم 771.
والخشوع على قسمين:
1. خشوع في الظاهر. 2. خشوع في الباطن.
فالخشوع في الظاهر: يكون بسكون المصلي في صلاته، وقلةِ حركته، ونظره إلى موضع
سجوده، وعدم التفاته يميناً أو شمالاً ونحوِ ذلك.
والخشوع في الباطن: يكون باستحضار عظمة الله تعالى، وأنه واقف بين يدي ربه عز وجل،
والتفكرِ في معاني ما يقرأ ويقول من الآيات وأذكار الصلاة.
ومتى تكلَّف الإنسانُ الخشوعَ في جوارحه وأعضائه مع فراغ قلبه من الخشوع كان ذلك
خشوع نفاق.
ولهذا كان بعض السلف يستعيذون منه كما قال بعضهم:
استعيذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسدَ
خاشعاً، والقلبُ ليس بخاشع.
وأصل الخشوع الحاصل في القلب إنما هو من معرفه الله سبحانه ومعرفةِ عظمته وجلاله
وكماله، فمن كان بالله أعرف فهو له أخشع.
ورأى بعض السلف رجلاً يعبث في الصلاة بيده فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.
ومما يدل على فضيلة الخشوع أن الله تبارك وتعالى وعد المؤمنين الخاشعين بالفلاح
فقال: (قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ، ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ
خَٰشِعُونَ).
ولما ذكر الله تبارك وتعالى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في سورة الأنبياء
أثنى عليهم بقوله: (إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ
وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ) أي: خاضعين
متذللين متضرعين، وهذا لكمال معرفتهم بربهم.
وعاتب الله عز وجل عباده المؤمنين الذين لم تخشع قلوبهم لذكره سبحانه، فقال:
(أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ
وما نزل من الحق وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ
فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)
فالقلوب تحتاج في كل وقت إلى أن تُذكَّر بما أنزله الله، ولا تغفل عن ذلك، فإن
الغفلة سبب لقسوة القلب وجمود العين.
بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الخشوع في الصلاة إنما
يحصل لمن فرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون
راحةً له وقرةَ عين، كما جاء في حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا
النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» رواه النسائي
3939، وقال الألباني: حسن صحيح.
وقال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَا بِلَالُ
أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا» رواه أبو داود 4985، وصححه الألباني.
وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من القلب الذي لا يخشع. فكَانَ يَقُولُ في دعائه:
«. . . اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا
يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا»
رواه مسلم 2722، من حديث زيد بن أرقم .
والخشوع هو أول علم يرفع، قَالَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، لجبير بن نفير رحمه
الله تعالى: «إِنْ شِئْتَ لَأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ
النَّاسِ؟ الخُشُوعُ، يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَلَا تَرَى فِيهِ
رَجُلًا خَاشِعًا» رواه الترمذي 2653، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وصححه
الألباني.
ومما يدل على أهمية الخشوع في الصلاة حديث عُثْمَانَ بن عفان قَالَ سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ
تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا،
إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يُؤْتِ
كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» رواه مسلم 228.
وليس للمصلي من الثواب إلا ما عقل من صلاته، فعَنْ عَمَّارَ بْنِ يَاسِر رضي الله
عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
"إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا
عُشْرُهَا، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا،
ثُلُثُهَا نِصْفُهَا" رواه الإمام أحمد 18894، وقال محققو المسند: حديث صحيح.
فاحرصوا يا عباد الله على الخشوع في صلاتكم، والإقبال فيها على ربكم، لتنالوا
الثواب الجزيل، والأجر العظيم.
والله نسأل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يتولانا بولايته وهو ولي
الصالحين.