إن الحمد لله . . . أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واشكروا الله على ما من به عليكم من إدراك هذه العشر
المباركة، فإن إدراكها نعمة عظمى، فاجتهدوا فيها بالتقرب إلى ربكم بأنواع الطاعات،
وأروا الله من أنفسكم خيرا.
عباد الله . . في هذه الأيام يتأهب الحجاج لأداء فريضة الحج، ويستعدون للسفر إلى
بيت الله الحرام والمشاعر المقدسة، لينالوا من نفحات ربهم، راجين رحمته ومغفرته،
وليرجعوا من حجهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.
والحج له أحكامه وآدابه، فعلى الحاج أن يقتفي هدي النبي في الحج، ويأخذ بسنته،
ويتفقه في أحكام الحج والعمرة ليعبد ربه على بصيرة، ولئلا يقع منه في حجه أو عمرته
ما يفسدهما، أو ينقص أجرهما، وليسلم من الوقوع في البدع المحدثة، التي يفعلها بعض
الحجاج، وليحرص على قراءة في أنساك الحج، التي ألفها العلماء الثقات من أهل السنة،
فإن العلم بأحكام النسك لمن أراد الحج والعمرة يعد من العلم الواجب عليه، ولا يعذر
أحد اليوم بالجهل، لتيسر أسباب العلم، وسهولة الوصول إليه، وتوفر العلماء، وإمكان
سؤالهم، وقد قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).
معاشر المسلمين . . ينبغي للحاج إذا لحقه الحرج والمشقة أن يأخذ برخصة الله تعالى
التي رخص له، عملا بقوله سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ولقوله
: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه).
ومن رخص الحج أن النبي رخص للضعفة من النساء والصغار وكبار السن في الدفع من
مزدلفة بليل، ليرموا الجمرة قبل زحمة الناس، فعن ابن عباس رضي الله عنهما بعثني
رسول الله في الثقل أو قال في الضعفة من جمع بليل، متفق عليه، وجمع هي مزلفة،
وكان ابن عباس رضي الله عنهما آنذاك صغيرا. ويتبع هؤلاء الضعفة في الحكم من كان
مرافقا لهم من الأقوياء فله أن يدفع معهم، فلو ذهب شاب قوي بأبيه الكبير في السن
للحج، فلهذا الشاب أن يدفع مع أبيه من مزدلفة ليلا، لأنه تابع له، أما الأقوياء
الذين ليس معهم أحد من الضعفة فيبيتون في مزدلفة حتى طلوع الفجر، لأن النبي فعل
ذلك.
ومن رخص الحج، أن النبي رخص لعمه العباس بن عبد المطلب في المبيت بمكة ليالي
منى من أجل سقاية للحجاج، وهكذا كل من كان له عذر في ترك المبيت بمنى ليالي أيام
التشريق فإنه يرخص له في ذلك، كالحجاج من الأطباء والعسكريين والمرضى ونحوهم، وأما
من لا عذر له فيجب عليه المبيت بمنى تلك الليالي إن استطاع.
ومن رخص الحج أن العاجز عن الرمي أو من يخشى على نفسه الضرر أثناء الرمي يجوز له أن
يوكل من يرمي عنه من الحجاج، فيرمي الحاج أولا عن نفسه ثم يرمي عمن وكله، وأما
القادر على الرمي من رجل أو امرأة فإنه لا يجوز له التوكيل، ولو وكل والحال هذه لم
يجزئ عنه.
ومن رخص الحج أنه في يوم النحر لا يجب على الحاج أن يرتب الأعمال في ذلك اليوم، وهي
الرمي لجمرة العقبة والنحر أو الذبح والحلق أو التقصير والطواف، والنبي وإن كان
رتبها فإنه فعل الأفضل، إلا أنه يجوز فيها التقديم والتأخير، ولا حرج في ذلك، فعن
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه
فقال رجل : لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، وقال آخر: لم أشعر فنحرت
قبل أن أرمي، قال ارم ولا حرج، فما سئل يومئذٍ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال افعل ولا
حرج. متفق عليه، وفي هذا تيسير على الناس فللحاج أن يبدأ بالطواف أو يبدأ بالرمي أو
بغيرهما من هذه الأعمال كل هذا جائز رفقا بالناس ورفعا للحرج عنهم.
أيها المسلمون . . ينبغي أن يتخلق الحاج بالصبر وتحمل مشاق الحج، والرفق واللين مع
إخوانه الحجاج، وعدم فعل ما يؤذيهم، ولما دفع النبي من عرفة إلى مزدلفة قال
لأصحابه : السكينة السكينة. أي الزموا السكينة؛ لئلا يؤذي بعضهم بعضا، وعلى الحاج
أن يلزم تقوى الله تعالى، فلا يقع منه ما يغضب الله تعالى في حجه، لقوله سبحانه:
(الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، وإن مما يذكر لدولتنا
المباركة، ما تقوم به من جهود كبيرة لخدمة الحجاج والمعتمرين، بما يرجى به لولاة
أمرنا وجميع القائمين على أعمال الحج الأجر العظيم عند الله عز وجل، ولذا فيجب على
الحجاج أن يكونوا عونا للمسؤولين في انضباط الحج، وعدم مخالفة التعليمات التي تسنها
الدولة لمصلحة الحجاج، فإن طاعتها في ذلك من طاعة الله تعالى ورسوله ، اللذين أمرا
بطاعة ولي الأمر في المعروف.
وينبغي للحاج أن يبذل الأسباب المشروعة لحفظ نفسه، ودفع الشر عنها، وذلك بمراعاة
تعليمات الجهات المختصة في ذلك، ومن ذلك التوقي من التعرض لأشعة الشمس المباشرة،
والإكثار من شرب الماء، وتوقي الزحام قدر الإمكان، عملا بقوله تعالى: (ولا تلقوا
بأيديكم إلى التهلكة) وقوله : (لا ضرر ولا ضرار).
والله نسأل أن يحفظ الحجاج والمعتمرين، وأن يردهم إلى أهليهم سالمين غانمين، وأن
يجعل حجهم مبرورا، وسعيهم مشكورا، وذنبهم مغفورا.