الخطبة الأولى - أحكام الزكاة – 10/9/1447ه
إن الحمد لله ... أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واشكروا الله على ما من به عليكم من إدراك هذا الشهر المبارك، واغتنموا أيامه ولياليه في التزود من الطاعات، والتقرب إليه بأنواع القربات، فإن الله شرع لنا الصيام لنتقيه، ونتقرب إليه بما يرضيه.
(يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)
أيها المسلمون.. شهر رمضان هو شهر الجود والبذل والإحسان، والإنفاق في وجوه الخيرات، ولذا كان كثير من المحسنين يخصون رمضان بمزيد من الإنفاق لما يرجون فيه من الأجر العظيم، مهتدين في ذلك بهدي النبي ، فقد كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان.
وأعظم ما ينفق في هذا الشهر المبارك فريضة الزكاة، فهي ركن من أركان الإسلام، وشعيرة من شعائره العظام، أجمع المسلمون على وجوبها، واتفق الصحابة على قتال من منعها.
ومن اعتقد وجوب الزكاة، لكن ترك إخراجها بخلاً بها، فقد أتى كبيرة كبائر الذنوب، وهو متوعد بوعيد شديد، قال الله عز وجل: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ).
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدِّي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صُفِّحتْ له صفائحُ من نار، فأُحمي عليه في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردَتْ أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيُرى سبيلُه إمَّا إلى الجنة وإما إلى النار"
معاشر المسلمين . . لا تجب الزكاة إلا في أربعة أصناف من المال:
الصنف الأول: الذهب والفضة على أي صفة كانا، ولا تجب الزكاة في الذهب والفضة إلا إذا بلغت نصاباً، وحال عليها الحول، ونصاب الذهب عشرون مثقالاً، ويساوي خمسةً وثمانين جراماً من الذهب الخالص، ونصاب الفضة مائة وأربعون مثقالاً، ويساوي خمسَمائة وخمسةً وتسعين جراماً من الفضة الخالصة، والأوراق النقدية لها حكم الذهب الفضة، فتجب فيها الزكاة، ونصابها قيمة نصاب الفضة بالريال.
والواجب في زكاة الذهب والفضة والأوراق النقدية ربعُ العشر أي اثنينِ ونصفٍ في المائة، ويمثِّل واحداً من أربعين، فمن كان عنده نصاب من ذهب أو فضة أو أوراق نقدية، قَسَم قيمتها على أربعين، فما خرج فهو الزكاة.
الصنف الثاني من أصناف الزكاة: عروض التجارة، وهي ما أعده الإنسان للتجارة والربح من أي مال كان، لما روى سمرةُ بنُ جندب رضي الله عنه قال: أَمَرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج الصدقة مما نُعِدُّه للبيع. رواه أبو داود. والمراد بالصدقة في هذا الحديث الزكاة.
فمن يتاجر بالماشية أو السيارات أو الأراضي أو نحوها، فهي عروض تجارة، تجب فيها الزكاة، ومقدار الواجب فيها كالواجب في الذهب والفضة، وهو اثنانِ ونصفٌ في المائة، وطريقة إخراج الزكاة فيها، أن تُقدَّر قيمةُ عروض التجارة عند تمام الحول، سواءٌ أكانت القيمةُ مثلَ رأس المال أم أقلَ أم أكثر، ثم يُخرَج منها اثنانِ و نصفٌ في المائة، وحول الربح حول أصله، فإذا تم الحول أخرج زكاة رأس المال مع الربح، ولا يشترط لوجوب الزكاة في الربح مضي الحول.
الصنف الثالث من أصناف الزكاة، بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، إذا كانت متخذةً للدَرِّ أو النسل أو التسمين، ويُشترط لوجوب الزكاة فيها أن تكون سائمة أكثر الحول، أي ترعى المباح أكثر من ستة أشهر، أما المعلوفة أكثر السنة فلا زكاة فيها، إلا إن أراد بها التجارة فتجب فيها زكاة عروض التجارة.
ونصابُ الإبلِ الذي تجب فيه الزكاة خمسٌ من الإبل، ونصابُ البقرِ ثلاثون، ونصابُ الغنم أربعون.
والصنفُ الرابعُ من أصناف الزكاة: الخارجُ من الأرض، من الحبوب والثمار، كالبر والشعير والتمر ونحوها، ومقدار النصاب فيها ثلاثمائة صاع، تساوي في البر الجيد ما يقارب ستَّمائةٍ واثني عشر كيلو جراما، ومقدار الواجب فيها نصف العشر أي خمسةٌ في المائة إذا كانت تسقى بـمُؤْنَة وكُلْفة، كالتي تسقى بواسطة الآبار، أما إذا كانت تسقى بغير مُؤْنَة كالتي تُسقى بالمطر أو الأنهار ونحوها ففيها العشر كاملا، ومما يحسن التنبيه إليه أن بعض الناس قد يكون عنده في بيته أو استراحته عددٌ من النخلات، وقد تحمل ويبلغ حملها نصابا، فهذا يجب عليه أن يخرج زكاتها.
عباد الله . . ومما يكثر السؤال عنه زكاة الأسهم، فمن اشتراها لغرض الاستثمار فقط، وهو الذي يريد أن يأخذ أرباحها كل سنة، فهذا لا زكاة عليه في أصل السهم، مادام أن الشركة تخرج الزكاة عن أموالها كل سنة، وإنما تجب عليه زكاة الأرباح التي قبضها إذا بلغت نصاباً وحال عليها الحول وهي عنده، وإن أنفق هذه الأرباح قبل مضي الحول فلا زكاة فيها، وأما إن اشترى الأسهم لأجل المضاربة فيها بالبيع والشراء، بحيث إذا زاد سعرها باعها، وإذا انخفض اشترى، فهي حينئذٍ عروض تجارة، يجب عليه أن يزكيها كل سنة، فينظر إلى قيمتها في السوق بعد مضي الحول ثم يخرج زكاة هذه القيمة اثنان ونصف في المائة.
ومتى حال الحول على المال وجبت المبادرة بإخراج زكاته، ولا يجوز تأخير الزكاة إلا لعذر، كما يجوز التأخير مدة قليلة للمصلحة، كانتظار المستحق من قرابته المسافر الذي يعود قريبا، وأما ما يفعله بعض الناس من تأخير إخراج الزكاة إلى شهر رمضان مع أن الزكاة قد وجبت عليه منذ مدة فلا يجوز له، لكن له أن يـُخرِج ما تم حولُه في رمضان ويُعجِّل فيه ما لم يتم حوله؛ لأن تعجيل الزكاة لعام أو عامين جائز، فإن العباس بن عبد المطلب سأل النبي أن يعجل زكاته سنة أو سنتين فأذن له عليه الصلاة والسلام.
ولا تجزئ الزكاة إلا بنية عند إخراجها، فلو تصدق بمال على أنه صدقةُ تطوع، ثم أراد أن يجعله من زكاته لم يجزئه، لعدم نية الزكاة فيه.
والأفضل دفع الزكاة للمستحقين لها من قرابة المزكي الذين لا تلزمه نفقتهم؛ لأنها حينئذٍ تكون زكاةً وصلةَ رحم. بارك الله لي ولكم...
الخطبة الثانية: الحمد لله . . أما بعد فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن الله عز وجل قد حصر الزكاة في ثمانية أصناف، ذكرهم في قوله جل وعلا: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
فالفقراء والمساكين، هم الذين لا يجدون كفايتهم، إلا أن الفقير أشدُّ حاجة من المسكين، فهؤلاء يعطون من الزكاة ما يكفيهم مدة عام.
وأما العاملون عليها فهم الذين عيَّنهم ولي الأمر لجمع الزكاة من أصحاب الأموال، ثم يصرفونها في مصارفها، فهؤلاء يُعطون من الزكاة وإن كانوا أغنياء، إذا لم تكن لهم مرتبات من الدولة؛ لأنهم يعملون لمصلحة الزكاة، أما من وكله شخصٌ ليوزع زكاته على المستحقين، فليس من العاملين عليها.
وأما المؤلفة قلوبهم فهم الكفار الذين يُعطون من الزكاة لتأليف قلوبهم للدخول في الإسلام إذا رجي إسلامهم، أو يُعطون لرجاء كفِّ شرِّهم عن المسلمين أو لتقوية إيمانهم إذا كانوا مسلمين ضعفاء الإيمان.
وأما الرقاب فيكون بإعتاقها من الزكاة، كمن يشتري عبداً مملوكاً فيعتقه، أو يفكُّ بها أسير المسلمين، وأما الغارمون فهم الذين عليهم ديون للناس، فتُقضى من الزكاة إذا كانوا عاجزين عن قضائها، وكان سبب الدين فيما لا بد منه، مما يحتاج إليه الإنسان من نفقة أو زواج أو سكن أو سيارة ونحو ذلك من غير إسراف ولا مبالغة، ويجوز للمزكي أن يدفع مبلغ الزكاة لصاحب الدين، ومن أُعطي مالاً لسداد دينه، فلا يجوز له أن يصرفه في غيره، حتى ولو كان فقيراً، ويدخل في الغارمين من غرم لإصلاح ذات البين، كمن يصلح بين فئتين أو طائفتين من المسلمين، وتحمَّل مالاً في ذمته لا يتم الصلح إلا به، فيُعطى من الزكاة لسداد دينه.
ومن أهل الزكاة المجاهدون في سبيل الله تعالى، المتطوعون بالجهاد، فهؤلاء يعطون من الزكاة ما يقوم به جهادهم، فإن كان المجاهد يعطى مرتبا من الدولة لم يستحق أن يأخذ من الزكاة لأجل الجهاد.
وأما ابنُ السبيل فهو المسافر الذين انقطع في سفره أي نفدت نفقته، فيُعطى ما يوصله إلى بلده.
ولا يجوز لمستحق الزكاة أن يأخذ أكثر من حاجته، فمتى أُعطي ما يكفيه لم يجز له أن يأخذ شيئا من الزكاة بعد ذلك، إلا أن الفقير والمسكين يجوز لهما أن يأخذا من الزكاة ما يكفيهما لمدة عام.
والله نسأل أن يبارك لنا في أموالنا، وأن يعيننا على أداء حق الله فيها، وأن يجعلها عونا على طاعته، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه.
وصلوا وسلموا . . .