إن الحمد لله . .
أما بعد، فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واشكروا ربكم على نعمائه وإحسانه، (ألم تروا
أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه) ومن
نعم الله على الإنسان أن كرمه على الجماد والحيوان، (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم
في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ومن صور
تكريم الله عز وجل للإنسان، أن سخر له من اللباس ما يستر عورته، ويقيه حر الصيف،
وبرد الشتاء، ويتجمل به بين الناس، قال سبحانه: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا
يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون).
أيها المسلمون . . وإن من شكر نعمة اللباس، أن يلتزم المرء في لباسه بما جاء به
الشرع، وأن يقتفي أثر النبي r في ذلك، ومن هديه r في اللباس أن يقول كلما لبس ثوبه:
الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة. وإذا لبس ثوبا
جديدا قال: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من
شره وشر ما صنع له. وإذا خلع ثوبه ووضعه قال: بسم الله.
والأصل في لباس الرجل الإباحة، فيباح له أن يلبس كل لباس لا محظور فيه شرعا، ويتجمل
بما شاء ما لم يكن بما حرم الله على الرجال، ومن ذلك ألا يكون في اللباس إسراف أو
خيلاء، لما روى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ t قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا، وَتَصَدَّقُوا،
وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ» رواه النسائي 2559، وحسنه
الألباني.
بل جاء الشرع بالحث على تحسين اللباس وجمال المظهر، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
مَسْعُودٍ t عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ:
إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً،
قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ - أي
رده - وَغَمْطُ النَّاسِ - أي احتقارهم-» رواه مسلم 147.
ويتأكد اللباس الحسن عند لقاء العبد ربه عز وجل في الصلاة، لقوله تعالى: (يا بني
آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) أي عند كل صلاة، ولما روى البيهقي 2/333 عن نافع قال:
رآني ابنُ عمر وأنا أصلي في ثوب واحد، فقال: ألم أكسك. قلت: بلى، قال: فلو بعثتك
كنت تذهب هكذا. قلت: لا. قال: فالله أحق أن تَزيَّن له.
ومن مخالفات بعض المصلين أنه لا يعتني بلباسه عند إتيانه المسجد بل ربما جاء بعضهم
بلباس النوم، وهذا ينافي الكمال في تعظيم الله تبارك وتعالى.
واللباس نعمة من الله عز وجل، والله يحب أن يَرى أثر نعمته على عبده، فلا ينبغي لمن
أنعم الله عليه بالمال أن يقتر على نفسه، ويلبس ما لا يليق بحاله، فعن عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ
عَلَى عَبْدِهِ» رواه الترمذي 2819 وقال: هذا حديث حسن. وقال الألباني: حسن صحيح.
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ
فَقَالَ: «أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ، وَرَأَى رَجُلًا
آخَرَ وَعَلْيِهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ، فَقَالَ أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَاءً
يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ» رواه أبو داود 4062 وصححه الألباني.
وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا خَرَجَتِ
الْحَرُورِيَّةُ أَتَيْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: ائْتِ هَؤُلَاءِ
الْقَوْمَ فَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ، قَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: فَأَتَيْتُهُمْ فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا هَذِهِ
الْحُلَّةُ قَالَ: مَا تَعِيبُونَ عَلَيَّ «لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحُلَلِ» رواه أبو
داود 4037، وقال الألباني: حسن الإسناد.
عباد الله . . يحرم على الرجل من اللباس ما كان فيه إسبال، سواء أكان الإسبال في
الثوب أم في العباءة أم في السراويل والتي منها ما يسمى البنطال؛ لما روى أبو
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ»
رواه البخاري 5787. وهذا الوعيد في حق من أسبل إزاره من غير خيلاء، أما إذا كان مع
الإسبال خيلاء فالتحريم أشد، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ
خُيَلاَءَ» متفق عليه (البخاري 5783 ومسلم 2085)
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ t عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو
ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ،
وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» رواه مسلم 171.
ومما ينبه عليه أن بعض الناس يلبس ثيابا بيضاء تشف عما تحتها من البشرة، ولا يلبس
تحتها سراويل طويلة تستر ما بين سرته وركبته، بل تكون السراويل قصيرة، ثم يصلي بهذه
الثياب، فهذا لا تصح صلاته، لأن من شروط صحة الصلاة ستر العورة بساتر صفيق لا يشف
عما تحته.
أقول ما تسمعون . . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أنه يحرم على الرجل
أن يتشبه في لباسه بالكفار، فكل لباس يختص به الكفار، فلا يجوز للرجل أن يلبسه؛
لقوله r: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه الإمام أحمد، كما لا يجوز للرجل أن يتشبه
بلباس الفساق من المسلمين لهذا الحديث.
ومما يحرم على الرجل من اللباس، ما كان فيه تشبها بالنساء، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ
النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» رواه البخاري 5885. واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمته
الله عز وجل.
عباد الله . . ومن الضوابط الشرعية في باب اللباس أن كل لباس حرم على الكبير فيحرم
على الولي أن يلبسه الصغير، حتى يعتاد الصغيرُ على الخير والبعدِ عن الحرام، ويسهلَ
عليه الامتثالُ عند كبره، فعَنْ جَابِرٍ t قَالَ: «كُنَّا نَنْزِعُهُ - يعني
الحرير([1])- عَنِ الْغِلْمَانِ، وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي» أي البنات. رواه
أبو داود 4059، وقال الألباني: صحيح الإسناد.
ويشترط في لباس الرجل أن يكون ساترا لعورته، وعورةُ الرجل من السرة إلى الركبة، وقد
تساهل بعض الرجال في ستر عوراتهم، خاصة الشباب منهم، الذين يلبسون بعض السراويل
القصيرة أثناء مزاولة الرياضة أو في غير ذلك، بل ربما صلى بعضهم بهذه السراويل
القصيرة التي لا تستر العورة، وهذا مما يبطل الصلاة؛ لأن ستر العورة شرط من شروط
صحتها.
ولا يجوز للرجل أن يلبس الحرير والذهب فعن علي بن أبى طالب t قال: إن النبي - صلى
الله عليه وسلم - أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال:
"إن هذين حرام على ذكور أمتي". رواه الإمام أحمد 935، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
والله نسأل أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وأن يجعلنا وقافين عند حدوده، متبعين لشرعه،
مقتفين آثار رسولنا r.
([1]) ينظر: التمهيد لابن عبد البر 14/259.