إن الحمد لله . .
أما بعد، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا ولتنظر نفس ما قدمت
لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)
أيها المسلمون . . إن في قصص الأنبياء والمرسلين، لعبرةً للمعتبرين، وعظة للمتعظين،
وتسلية لعباد الله المؤمنين، قال الله تعالى: (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) وقال جل
شأنه: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق، وقد آتيناك من لدنا ذكرا)
وإن من الأنبياء الذين قَصَّ اللهُ خبرَهم في كتابه، نبيُّ الله أيوبُ u، وهو من
سلالة نبيِّ اللهِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ عليهما السلام، فإن الله تبارك وتعالى لم
يبعث نبيا بعد إبراهيم عليه السلام إلا من ذريته، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي
ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} وقال تعالى: (ومن ذريته - أي من ذرية
إبراهيم عليه السلام([1]) - داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون).
وأيوب u من الأنبياء المنصوص في القرآن الكريم على الإيحاء إليهم، قال تعالى:
(إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْكُ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ
بَعْدِهِ، وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَق وَيَعْقُوب والأسباطِ
وَعِيسَى وَأَيوب) وَامْرَأَتُه هي: ليا بنتُ منسا بنِ يُوسُفَ بْنِ
يَعْقُوبَ([2]).
وكَانَ أَيُّوبُ u رَجُلًا كَثِيرَ الْمَالِ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِهِ وَأَنْوَاعِهِ;
مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْعَبِيدِ وَالْمَوَاشِي، والأراضي المتسعة بِأَرْض حُورَانَ،
وَكَانَ لَهُ كثير من الأَوْلَادٌ وَالأهل، فسُلَب مِنْهُ ذَلِك جَمِيعُه، وابتُلي
فِي جسده بأنواع الْبَلَاءِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ عُضْوٌ سَلِيمٌ سِوَى قَلْبِهِ
وَلِسَانِهِ، يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِمَا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ
صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، ذَاكِرٌ لله عز وجل فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ.
وَطَالَ مَرَضُهُ حَتَّى عَافَهُ الْجَلِيسُ، وَأَوْحَشَ مِنْهُ الْأَنِيسُ،
وَأُخْرِجَ مِنْ بَلَدِهِ وَأُلْقِيَ خَارِجَهَا، وَانْقَطَعَ عَنْهُ النَّاسُ،
وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَحْنُو عَلَيْهِ سِوَى زَوْجَتِهِ، كَانَتْ تَرْعَى لَهُ
حَقَّهُ، وَتَعْرِفُ قَدِيمَ إِحْسَانِهِ إِلَيْهَا وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهَا،
فَكَانَتْ تَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ فَتُصْلِحُ مِنْ شَأْنِهِ، وَتُعِينُهُ عَلَى
قَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَتَقُومُ بِمَصْلَحَتِهِ، وَضَعُفَ حَالُهَا وَقَلَّ مَالُهَا
حَتَّى كَانَتْ تَخْدِمُ النَّاسَ بِالْأَجْرِ; لِتُطْعِمَهُ وَتَقُومَ بأَوَده،
رضي الله عنها وأرضاها، وهى صابرةٌ مَعَه على ما حلَّ بِهِمَا مِنْ فِرَاقِ
الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِهَا مِنَ الْمُصِيبَةِ بِالزَّوْجِ،
وَضِيقِ ذَاتِ الْيَدِ وَخِدْمَةِ النَّاسِ، بَعْدَ ما كانت فيه من السَّعَادَةِ
وَالنِّعْمَةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ!.
واستمر البلاء بأيوب u ثماني عشرة سنة، وَلَمْ يَزِدْه هَذَا كُلُّهُ إِلَّا صبرا
واحتسابا وحمدا وشكرا، حَتَّى إِنَّ الْمَثَلَ لَيُضْرَبُ بِصَبْرِهِ عَلَيْهِ
السَّلَامُ، وَيُضْرَبُ الْمَثَلُ أَيْضًا بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ
الْبَلَايَا.
ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ تركوا استخدام امرأته؛ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهَا امْرَأَةُ
أَيُّوبَ، خَوْفًا من أن تُعْدِيَهُمْ بِمُخَالَطَتِهِ، فَلَمَّا لَمْ تَجِدْ
أَحَدًا يَسْتَخْدِمُهَا، بَاعَتْ ضَفِيرَتَيْهَا بِطَعَامٍ كَثِيرٍ، فَأَتَتْ بِهِ
أَيُّوبَ، فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا؟ وَأَنْكَرَهُ، وَحَلَفَ أن لَا
يَأْكُلُهُ حَتَّى تُخْبِرَهُ مِنْ أَيْنَ لَهَا هَذَا الطَّعَامُ؟ فَكَشَفَتْ
خمارها عَنْ رَأْسِهَا، فَلَمَّا رَأَى رَأْسَهَا قَالَ فِي دُعَائِهِ: رب إني مسني
الضّر وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ ".
وَكَانَ عليه السلام يَخْرُجُ إِلَى حَاجَتِهِ، فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَمْسَكَتِ
امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا فَأَوْحَى
اللَّهُ إليه: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}
فَاسْتَبْطَأَتْهُ فَبَلَغَتْهُ فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهبَ اللَّهُ مَا
بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ فَهُوَ أَحْسَنُ مَا كَانَ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ
بَارِكَ اللَّهُ فِيكَ هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى؟
وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا
قَالَ: فإني أنا هو.
وَقَوله تعالى: " اركض برجلك " أَيِ اضْرِبِ الْأَرْضَ بِرِجْلِكَ، فَلما ضربها
أَنْبَعَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا بَارِدَةَ الْمَاءِ، وَأُمِرَ أَنْ يَغْتَسِلَ
فِيهَا وَيَشْرَبَ مِنْهَا، فَأَذْهَبَ الله عَنهُ مَا كَانَ يجده مِنَ الْأَلَمِ
وَالْمَرَضِ الَّذِي كَانَ فِي جَسَدِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَبْدَلَهُ اللَّهُ
بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ صِحَّةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، وَجَمَالًا تَامًّا وَمَالًا
كَثِيرًا ; وَأَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ أَهْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: "
وَآتَيْنَاهُ أَهله وَمثلهمْ مَعَهم " فَقِيلَ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ
بِأَعْيَانِهِمْ، وَقِيلَ آجَرَهُ فِيمَنْ سَلَفَ، وَعَوَّضَهُ عَنْهُمْ فِي
الدُّنْيَا بَدَلَهُمْ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ بِكُلِّهِمْ فِي الدَّارِ
الْآخِرَةِ.
وهذا من رحمة الله عز وجل بنبيه u إذ رفع عنه ما نزل به من الشدة والبلاء، وعوضه
عما فقد من دنياه، وأحسن له العاقبة في أُخراه، ولهذا قال تعالى: (رحمة من عندنا
وذكرى للعابدين) أَيْ تَذْكِرَةً لِمَنِ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ
وَلَدِهِ، فَلَهُ أُسْوَةٌ بِنَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ u; حَيْثُ ابْتَلَاهُ
اللَّهُ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ حَتَّى فَرَّجَ
اللَّهُ عَنْهُ.
بارك الله لي ولكم . . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واعتبروا بما قص الله علينا
عن نبيه أيوب u، واصبروا على البلايا والمصائب، واحتسبوا في ذلك الأجر عند الله
تعالى، تنالوا ثواب الآخرة، وحسن العاقبة في الدنيا.
ولْيَعلَم المرءُ أن الدنيا دارُ عناء وبلاء، وليست بدار سعادة وهناء، قال الله
تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) فليوطن نفسه على بلائها، ويستعد له بالصبر
والاحتساب.
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سفيانَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا إلا بلاءٌ وفتنة"
رواه ابن حبان (2899) وقال الأرنؤوط في تحقيقه: إسناده قوي.
والله نسأل أن يجعلنا من الصابرين عند البلاء، والشاكرين عند النعماء، وأن يتم
علينا نعمته، وأن يرزقنا العفو والعافية والمعافاةَ الدائمة في الدين والدنيا
والآخرة.
وصلوا وسلموا . . .
([1]) قال ابن كثير في قصص الأنبياء ص360: (الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون
نوح عليهما السلام).
([2]) ذكر ابن كثير الخلاف في اسمها في قصص الأنبياء ص360، ثم قال عن هذا القول:
وهذا أشهر.