مكتبـــــة الخطب

2025-09-23 13:03:51

تحقيق التوحيد

إن الحمد لله . . أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المؤمنين، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمتم لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)
عباد الله . . إن أعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله تعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، قال الله تعالى (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) وقال سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وأعظم ما نهى الله عنه الشركَ الأكبر، وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، والمؤمن الحق هو الذي يجتهد في تحقيق التوحيد لله عز وجل، ويحذر من الوقوع في شيء من الشرك كبيره وصغيره.
معاشر المسلمين . . المحقق للتوحيد هو الذي يعلم أن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، معناها: لا معبود بحق إلا الله. فلا يستحق أحدٌ من الخلق مهما بلغت منزلته أن يُعبد من دون الله عز وجل، قال الله سبحانه: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)،
والمحقق للتوحيد هو الذي يخلص الدعاء لله تعالى، فيدعوه وحده جل وعلا، ولا يدعو معه غيرَه، لا نبياً مرسلا، ولا ملَكا مقربا، ولا وليا صالحا، ولا غيرَهم؛ لقوله سبحانه: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً) وقال جل وعلا: (ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) وقال تعالى: (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير – وهو القشرة الرقيقة التي تكون على نواة التمر – إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير)
والمحقق للتوحيد يتوكل على ربه جل وعلا في جميع أموره، ويعلق قلبه بالله سبحانه: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أي كافيه، ولا يعلق قلبه بالتمائم، ويعتقد أنها تدفع العين والشرور، أو ترفع البلاء بعد وقوعه، فقد قال النبي : "مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ" رواه الإمام أحمد17422.
معاشر المؤمنين . . المحقق للتوحيد لا يأتي الكهان والسحرة، ولا يصدقهم فيما يخبرون به من الغيب، لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، قال سبحانه: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود  قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رواه البزار 1873، وقال ابن كثير في التفسير 1/363: (وهذا إسناد صحيح، وله شواهد أُخر).
والمحقق للتوحيد من يخلص لله تعالى في عبادة الذبح، فالذبح عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، قال الله عز وجل: (فصل لربك وانحر) أي وانحر لربك، لا لغيره من المخلوقين، وقال سبحانه: (قل إن صلاتي ونسكي – أي ذبحي – ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) وقال النبي : (لعن الله من ذبح لغير الله) رواه مسلم، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى.
المحقق للتوحيد لا يتشاءم ويتطير بشيء يراه، أو بكلمة يسمعها، أو بزمان معين، فإن التشاؤم من عمل أهل الجاهلية، وقد أبطله الإسلام بحمد الله تعالى، لما في التطير من التعلق بأمور لا حقيقة لها، ولا علاقة بينها وبين حصول الخير والشر، وإنما هي أوهام وخيالات عند أصحابها، والله جل وعلا هو الذي بيده النفع والضُرُ وحده، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الطيرة شرك " رواه أبو داود.
المحقق للتوحيد هو من يخلص العمل لله تعالى، لا يريد به رياء ولا سمعة، والرياء هو أن يعمل العمل الصالح لأجل أن يراه الناسُ فيمدحوه عليه، ولا يريد به ثواب الله تعالى، فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ  أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ " قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً " رواه الإمام أحمد 23630،
معاشر المسلمين . . المحقق للتوحيد هو الذي يحذر من وسائل الشرك، ويحترز منها، ومن هذه الوسائل التي حذرنا منها نبينا  اتخاذ القبور مساجد، فعن عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ  قَالاَ: قال رسول الله : «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مثلَ مَا صَنَعُوا. متفق عليه. رواه البخاري 435، ومسلم 531.
ومن وسائل الشرك الغلو في الأنبياء عليهم السلام وفي الأولياء والصالحين، قال النبي : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري 3445، والإطراء هو مجاوزة الحد في المدح والكذبُ فيه، والمعنى لا تمدحوني بالباطل ولا تجاوزوا الحد في مدحي فتغلوا في ذلك، كما غلت النصارى في عيسى عليه السلام فادَّعوا فيه الإلهية، وإنما أنا عبد كما وصفني ربي فقولوا عبد الله ورسوله.
وجماع الأمر رعاكم الله، أن العباد إذا قدروا ربهم حق قدره، وعظموه حق تعظيمه، وعرفوا ما يستحقه جل وعلا من صفات الجلال والجمال والعظمة فإنهم سيعبدونه وحده لا شريك له، ويطيعونه ويذلون له، ولا يشركون معه غيره، قال الله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون).
بارك الله لي ولكم . . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا وفقكم الله لكل خير أن الموحد هو الذي يحفظ لسانه عن كل ما يخل بتوحيده، ومن ذلك الحلف بغير الله عز وجل، فقد قال نبينا : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) رواه أبو داود، والموحد هو الذي ينسب النعم إلى الله، فيقول: هذا من فضل الله عليّ، ولا يقول: هذا حصلته بجهدي وعملي، وينسى المنعمَ المتفضل سبحانه وبحمده، قال الله عز وجل: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون)، وقال تبارك وتعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله) ولا يجوز أن يقول: هذا بفضل الله وبفضل فلان، لأنه ساوى المخلوق بالخالق جل وعلا، ويجوز أن يقول: هذا بفضل الله ثم بفضل فلان، والأكمل أن يقول: هذا بفضل الله وحده.
عباد الله . . المحقق للتوحيد هو الذي يرضى بقضاء الله وقدره، ويصبرُ على البلايا والمصائب، ولا يجزع بقلبه، ويتسخط بلسانه، ويفعل ما ينافي الصبر بجوارحه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» متفق عليه. رواه البخاري 1294، ومسلم 103.
وفي الصبر على البلاء أجر عظيم، وثواب جزيل، قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» رواه الترمذي وابن ماجه 4031، وحسنه الألباني.
والله نسأل أن يثبتنا على التوحيد حتى نلقاه، وأن يجعلنا من عباده المتقين، وأوليائه الصالحين، وأن يغفر ذنوبنا ويستر عيوبنا، وأن يتولانا بولايته، إنه سميع مجيب.

خطب ذات صلة