إن الحمد لله . . أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين، (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد
عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة
الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور)
عباد الله . . .. إن ليوم الجمعة في الإسلام مكانة عالية ، ومنزلةً رفيعة، فيه
تضاعف الحسنات، وتقال العثرات، وتجاب الدعوات، فأَعْظِم به من يوم شريف! اختصه الله
على ما سواه من الأيام بخصائص عديدة، وفضائل كثيرة، فهو عيد الأسبوع، وأفضل أيامه،
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ
خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا
تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» رواه مسلم 854، ويوم الجمعة هو
الشاهد الذي أقسم الله به في قوله سبحانه: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ
وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيَامَةِ،
وَاليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ) رواه
الترمذي 3339، وحسنه الألباني، وهو اليوم الذي هدى له هذه الأمة، وأكرمَها به،
وأضلَ عنه الأممَ التي قبلها، فعن أبي هُرَيْرَةَ t عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ
مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا
فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ لَهُ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَالْيَهُودُ غَدًا،
وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ» رواه البخاري 3486، ومسلم 855.
عباد الله .. إن من أعظم خصائص يوم الجمعة، اجتماع الناس فيه للصلاة وسماعِ الخطبة،
وما يحصل بسبب ذلك من المصالح العظيمة العاجلة والآجلة، والتي منها وعظُ الناس
وتذكيُرهم، تعليمُهم ما ينفعهم في دينهم، وتعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى،
وصلاةُ الجمعة واجبة على الرجال المكلفين إذا كانوا مستوطنين، لقول الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) وفي التخلف عن صلاة الجمعة وعيد شديد، يُخشى على المتخلف عنها
أن يَخْتِمَ الله على قلبه فيكون من الغافلين، فعن عَبْد اللهِ بْن عُمَرَ، وَأَبي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ
وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ - أي تركهم الجمعات - أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى
قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» رواه مسلم 865.
ويشرع للمسلم في هذا اليوم، أن يغتسل لصلاة الجمعة كغسله للجنابة، وهو سنة مؤكدة
عند جمهور العلماء، ووقت الغسل للجمعة من دخول وقت صلاة الفجر إلى ما قبل صلاة
الجمعة، ولا يجزئ اغتساله للجمعة في ليلتها في حصول السنة، ويسن أن يلبس في هذا
اليوم أحسن ما يجد من الثياب ، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ سَعَةً أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ
لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» رواه ابن ماجة 1096، وصححه الألباني،
ويتأكد استحباب التطيب لصلاة الجمعة أكثر من غيرها من الصلوات، فعن سَلْمَانَ
الفَارِسِيِّ t قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ
يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ،
وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ
فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ
إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ
الأُخْرَى» رواه البخاري883، ويسن التبكير إلى صلاة الجمعة، فعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ
رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ،
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ،
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ،
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ،
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ
يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» رواه البخاري881، ومسلم850.
معاشر المسلمين . . من جاء متأخراً إلى الجمعة فليس له أن يتخطى رقاب الناس ليتقدم
إلى الصفوف الأولى، لما في ذلك من أذية المسلمين، وقد روى أبو داود 1118 أن النبي
صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر رأى رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له :"اجلس فقد
آذيت " وصححه الألباني، وليس للجمعة سنةٌ راتبةٌ قبلها، وإنما يشرع لمن جاء مبكراً
إلى الصلاة أن يصليَ ما شاء من النفل المطلق إلى أن يدخل الإمام، لقوله صلى الله
عليه وسلم في الحديث المتقدم: "ثم يصلي ما كُتب له"، ويجب على من حضر خطبة الجمعة
أن ينصت لها، ولا يجوز التحدث والإمام يخطب، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال :"إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد
لغوت" متفق عليه، رواه الإمام أحمد بلفظ :"من لغا فلا جمعة له" ومعنى (فقد لغوت)
أي: تكلَّمت باللغو، وهو الكلام الباطل المردود، ويدخل في النهي تشميت العاطس،
وردُّ السلام، فلا يجوز والإمام يخطب، أما قبل أن يبدأ الخطيب بالخطبة وعند السكتة
بين الخطبتين فلا حرج في الكلام، ولا يشرع للمصلين رفع أيديهم بالدعاء إذا دعا
الإمامُ آخر الخطبة ، إلا إذا استسقى ورفع يديه فإنهم يرفعون أيديهم، اللهم فقهنا
في الدين واجعلنا هداة مهتدين برحمتك يا أرحم الراحمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، لقد اختص الله تبارك وتعالى يوم
الجمعة بساعة إجابة، لقوله ﷺ: (إنّ في الجمعة لَساعةً لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم
يصلي، يسأل الله شيئاً، إلّا أعطاه إياه) متفق عليه([1])، والإجابة ترجى في جميع
ساعات الجمعة، ولكن أرجاها ما بين أن يجلس الإمام يوم الجمعة للخطبة إلى أن تُقضى
الصلاة، وآخر ساعة من يوم الجمعة في حق من جلس ينتظر صلاة المغرب، سواء أكان في
المسجد أم في بيته؛ لحديث أبي موسى الأشعري t أن النبي r قال في ساعة الجمعة: «هي
ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة» رواه مسلم([2]) ولحديث عبد الله بن سلام
t قال: قلت ورسول الله r جالس: إنا لنجد في كتاب الله: «في يوم الجمعة ساعة لا
يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئا إلا قضى له حاجته» قال عبد الله: فأشار
إلي رسول الله r: «أو بعض ساعة» ، فقلت: صدقت، أو بعض ساعة. قلت: أي ساعة هي؟ قال:
«هي آخر ساعات النهار» . قلت: إنها ليست ساعة صلاة، قال: «بلى. إن العبد المؤمن إذا
صلى ثم جلس، لا يحبسه إلا الصلاة، فهو في الصلاة» رواه ابن ماجه([3])، ومما يَختص
به يوم الجمعة من فضائل الأعمال ، استحباب الإكثار فيه من الصلاة والسلام على النبي
صلى الله عليه وسلم ، في ليلة الجمعة ويومها، لقول النبي r: "أكثروا من الصلاة عليّ
يومَ الجمعة وليلةَ الجمعة، فمن صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشراً" رواه البيهقي
5994، والصلاة والسلام على نبينا صلى الله عليه وسلم مشروعة في كل وقت لقوله تعالى
: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، اللهم صلي وسلم على
عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين أبي بكر وعمر
وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين .
([1]) أخرجه البخاري (935)، ومسلم (852).
([2]) أخرجه مسلم (853).
([3]) أخرجه ابن ماجه (1139) وقال الألباني: حسن صحيح.