مكتبـــــة الخطب

2025-08-11 19:33:51

التحذير من مدعي تعبير الرؤى

إن الحمد لله . . أما بعد:
فأوصيكم معاشر المسلمين، بما أوصى الله به الأولين والآخرين، فاتقوا الله في سركم وعلانيتكم، وتمسكوا بكتاب ربكم، وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأحسنوا فيما بقي من أعماركم، تَحمدوا العاقبة في آخرتكم، وتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها).
عباد الله . . لقد قص الله علينا في كتابه، ما رآه نبي الله وخليله إبراهيمُ عليه السلام في المنام، من ذبحه لولده إسماعيل عليه السلام، فقال: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) فصدَّق إبراهيم عليه السلام الرؤيا، وهمَّ بذبح ولده وفلذة كبده، فما كان من ربه جل وعلا وهو أرحم الراحمين إلا أن ناداه بقوله: (وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين وفديناه بذبح عظيم).
كما قص الله تبارك وتعالى علينا في كتابه، عن نبيه يوسف عليه السلام، أنه قال لأبيه يعقوب عليه السلام: (يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمسَ والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين) فوقعت هذا الرؤيا الصادقة بعد أمد طويل من السنين، فقال لأبيه بعد وقوعها (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً).
وكان نبينا محمدٌ  يهتم بأمر الرؤى، فكان إذا صلى الصبح، أقبل على أصحابه بوجهه فقال: (هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا) رواه البخاري، ولمسلم أنه  قال: (من رأى منكم رؤيا فليقصَّها أعبرْها له) فدل هذا كلُّه على عناية الإسلام بالرؤى، واهتمامِه بها، إلا أن بعض الناس قد غلوا في هذا الأمر، واعتبروا الرؤى تشريعاً تؤخذ منه الأحكامُ الشرعية، أو يُدَّعى به علمُ الغيب، كما أن بعض الناس قد غلوا في أمر الرؤى من جانب آخر، فأصبح أحدهم لا يرى رؤيا أياً كانت، إلا ويبحث عمن يعبرُها له، وبعض الناس لا يُلقي للرؤى بالاً، ولا يعيرها اهتماماً، بل يعدها من الأوهام والخرافات التي لا يُعوَّل عليها، وهذا كله مجانب للصواب، والواجب التوسط في أمر الرؤى والاعتدالُ فيها، والاتباع لما شرعه الله تعالى لعباده فيها من أحكام وآداب.
والرؤى يا عباد الله تكون على أنواع: فمنها الرؤيا الصادقة، وهي التي تقع في اليقظة، على وفق ما وقعت في المنام، وهي رؤيا الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، ومن تبعهم من عباد الله الصالحين، وقد تقع لغير الصالحين نادراً، ومن الرؤى ما هو أضغاث أحلام، لا تنذر رائيها بشيء، كمن يرى في المنام أن رأسه قد قطع وهو يتبعه، أو أنه واقع في هول وشدة عظيمة لا مخرج له منها، فهذا كله من الشيطان؛ ليدخل الحزن على ابن آدم، وكذلك ما يراه الرائي في المنام، مما تتحدث به نفسه في اليقظة، أو ما يتمنى وقوعه، أو ما جرت عادته بفعله، فهذا كله من أضغاث الأحلام، التي لا تحتاج إلى تعبير، فعن عوف بن مالك  عن رسول الله  قال: (إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشطان؛ ليُحزن بها ابنَ آدم، ومنها ما يَهِمُّ به الرجل في يقظته، فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) رواه ابن ماجة، وعن أبي سعيد الخدري  أن رسول الله  قال : (إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله. . وإذا رأى غيرَ ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان) رواه البخاري وجاء رجل إلى النبي  فقال: إني رأيت رأسي قطع فأنا أتبعه فقال: (لا تخبر بتلعُّب الشيطان بك في المنام) رواه مسلم.
معاشر المسلمين . . لقد أخبر النبي  أن أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثاً، وقال  : (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب) متفق عليه، ففي آخر الزمان، يذهب العلم بموت العلماء، ويكون المؤمن غريباً بين الناس، فيكرمه الله تعالى بالرؤيا الصادقة، التي تؤنسه وتثبته، وقد ورد الوعيد الشديد على من كذب في رؤياه، وادعى أنه رأى في منامه ما لم يراه حقيقة، فعن ابن عباس  أن رسول الله  قال : (من تحلَّم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل) رواه البخاري، ورواه الإمام أحمد بلفظ: (من تحلَّم كاذباً، دُفع إليه شعيرة، وعُذب حتى يعقد بين طرفيها، وليس بعاقد) والمعنى: أن هذا الكاذبَ في حُلُمه، يعذب يوم القيامة عذاباً طويلاً، لأنه بكذبه في الرؤيا، قد كذب على الله تعالى، وادعى أنه أراه في منامه كذا وكذا وهو كاذب، والكذب على الله تعالى أعظم إثماً من الكذب على المخلوقين.
بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن تعبير الرؤى وتفسيرَها، علمٌ له أصوله وقواعده، لا يجوز لكل أحد أن يخوض فيه بغير علم، وهو علم صحيح من علوم الشريعة، يمنُّ الله به على من يشاء من عباده، فلا يُعبِّرُ الرؤى، إلا من كان من أهل العلم بتأويلها؛ وهي من أقسام الوحي، لقول النبي : (الرؤيا الحسنةُ من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) متفق عليه، ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى: أيعبر الرؤيا كلُ أحد؟ قال: أبالنبوة يلعب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة، فلا يلعب بالنبوة. والمعنى: أن الرؤيا قد يكون فيها اطلاع على بعض الغيب، والغيب لا يُعلم إلا بالوحي، الذي يوحيه الله إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فأشبهت النبوة من هذا الوجه، وإلا فإن النبوة قد انقطعت بموت النبي صلى الله عليه وسلم، ، والمقصود أنه لا يجوز لأحد أن يعبر الرؤيا بغير علم، كما لا يجوز له أن يفتىَ في أحكام الشريعة بغير علم، لأن تعبير الرؤيا نوع من الفتوى، ألم تسمع قول الملك في سورة يوسف: ( أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون) وقولَ الذي نجا ليوسف عليه السلام: (أفتانا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف) فليس للمسلم أن يعرض رؤياه على المعبر، حتى يعلم علمه وتقواه، ولا ينبغي له أن يغتر بكثرة الدعايات الإعلانية، لبعض المعبرين عبر رسائل الجوال، أو في القنوات الفضائية، أو المواقع الإلكترونية، فإن الرؤيا من الدين، ولا يُسأل عن الدين إلا أهله، وقد عظمت الفتنة في هذا العصر بالمعبرين المتجرئين على تعبير الرؤيا بغير علم، فالواجب الحذر منهم، وعدم الاغترار بكلامهم.
والله المسؤول أن يوفقنا لما يرضيه، وأن يجنبنا أسباب غضبه وعقابه، وأن يجعلنا من عباده المتقين، وجزبه المفلحين.

خطب ذات صلة