الحمد لله الذي رفع مكانة العلم والعلماء،
وجعلهم ورثة الأنبياء، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل
الجاهلين، وأشهد ألا إله ألا الله وحده لا شريك له، إلهُ الأولين والآخرين، وقيومُ
السماوات والأرضين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، إمامُ العلماء، وسيدُ
الأولياء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأتقياء، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم
الدين، أما بعد.
فأوصيكم عباد الله، بالتقوى في سركم وعلانيتكم، تفوزوا بوعد الله لكم، واحذروا
الجرأة على معصية ربكم، فإن النار قعرها بعيد، وحرها شديد، (يا أيها الذين آمنوا
قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون
الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون).
أيها المسلمون.. إن الله جل وعلا قد جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل
العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله تعالى
الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال
تائهٍ قد هدوه.
وقد أثنى الله جل وعلا على العلم وأهلِه، وأشهدَهم على أعظم مشهود به، وهو توحيده،
وقرن شهادة العلماء بشهادته وشهادة ملائكته، فقال سبحانه: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
ورفع الله عز وجل أهل العلم والإيمان درجاتٍ على غيرهم، فقال جل وعلا: (يَرْفَعِ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ولم
يأمر الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم،
فقال مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، وأهل العلم
هم أهل الخشية من الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ) وذلك لأنهم أعلم الناس بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته وما يستحقه جل
وعلا من التعظيم والإجلال، وهم أيضاً أعلم الناس بالحلال والحرام، وهذا كلُّه يورث
لهم خشيةَ الله والخوفَ منه، قال الشعبي رحمه الله تعالى: العالمُ من يخاف الله.
وقَدِمَ رَجُلٌ مِنَ المَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ
فَقَالَ له أبو الدرداء : مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي
أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ؟
قَالَ: لَا، قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الحَدِيثِ؟ ثم قَالَ أبو
الدرداء : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ
طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً
لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ
وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى
العَابِدِ، كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ
وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا
دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ
وَافِرٍ» رواه الترمذي 2682، وصححه الألباني.
فالعلماء ورثوا ما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من العلم والدعوة إلى الله
تعالى وإلى طاعته، والنهي عن معصيته، وفي الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".
أيها المسلمون.. إن حاجة الناس إلى العلماء، أعظمُ من حاجتهم إلى الطعام والشراب
والنَّفَس، فبدون العلماء لا يعرف الناسُ الاعتقاد الصحيح، ولا الحلال من الحرام،
ولا كيف يعبدون ربهم جل وعلا، لأن العالمَ العاملَ بعلمه كالغيث، حيثما حلَّ نفع،
وليس للناس عوض عن العلماء أبداً، قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل رحمهما
الله تعالى قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ قال: يا
بني كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلَف، أو عنهما من
عوض.
والواجب علينا تجاه العلماء محبتُهم واحترامهم ومعرفة حقهم، فعن عبادة بن الصامت
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس منا من لم يجل كبيرنا،
ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه) رواه الحاكم 421، والطبراني في مكارم الأخلاق
147، واللفظ له، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 5443.
وليحذر المسلم من الوقوع في أعراض العلماء، وتنقصِهم وازدرائهم وعيبهم، فإن ذلك من
الغيبة التي هي من كبائر الذنوب، والطعن في العلماء يؤول إلى الطعن في الشريعة،
لأنهم حملتها، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة
فاتهمه على الإسلام، فإنه كان شديداً على المبتدعة"
والقدح في العلماء إيذاء لهم، وإيذاؤهم مؤذن بحرب الله تعالى على من آذاهم لأنهم
أولياء الله الصالحين، ففي الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى قال: "من عادى لي
ولياً فقد آذنته بالحرب"
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً يا أرحم الراحمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا
محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى
يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد.
فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن من أعظم نعم الله عليكم أن حفظ هذا الدين،
بوجود العلماء المتقين، فإنهم السياج المتين، الذي يحول بين الدين وأعدائه، والنورُ
المبين، عند اشتباه الحق وخفائه، فاعرفوا لهم حقهم، وأنزلوهم منزلتهم، وانهلوا من
معين علمهم قبل ذهابهم، فإن موت العلماء من غير خلف، ثلمة في الدين لا تسد، وضرر
عظيم لا يوصف ولا يحد، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من العباد، ولكن يقبض
العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا
فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" متفق عليه. وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: كانوا
يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار. وسئل
سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: ما علامة هلاك الناس ؟ قال: إذا هلك علماؤهم. وموت
العالم مصيبة لا يجبرها إلا خلف غيره له، ولهذا لا يزال الله يغرس في هذا الدين
منهم خلَفاً عن سلَف يحفظ بهم دينَه، فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ
عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ
وَهُمْ كَذَلِكَ» رواه مسلم 1920، فأسأل الله جل وعلا أن يخلف على الأمة بفقد
علمائها خيراً، وأن يغفر لأموات علماء المسلمين، وأن يسكنهم فسيح جنته، وأن يحفظ
الأحياء منهم، وينفعنا بعلمهم إنه جواد كريم، اللهم وفقنا للعلم النافع والعمل
الصالح، وارزقنا خشيتك والإنابةَ إليك يا أرحم الراحمين.
وصلوا وسلموا . .