الخطبة الأولى التحذير من القمار وليلة 27 من رجب 27/8/1447ه
إن الحمد لله . . أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين، (يا أيها الناس اتقوا ربكم . . )
عباد الله . . روى الترمذي 487 في جامعه أن عمر بن الخطاب قال: «لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ» قال الألباني: حسن الإسناد أي كان عنده فقه في أحكام البيع والشراء؛ وهذا من الفاروق لئلا يتعامل المسلم بالحرام، فيأكلَ حراما، أو يؤكلَ أهله حراما.
والجامع لأصول المعاملات المحرمة هي ما كان فيه ربا أو قمارٌ أو غررٌ أو ظلم، ويتفرع عن هذه الأصول كثيرٌ من المعاملات المحرمة، ولعلنا في هذه الخطبة يا عباد الله أن تناول واحداً من هذه الأصول، وهو القمار، لانتشاره عند بعض الناس، وخفاء صوره عند آخرين.
والقمار: هو مخاطرةٌ يُعلَّق خروج كلِ طرف فيها غانماً أو غارماً على أمر تخفى عاقبته( )، كمن يلعب مع غيره لعبة على أن من فاز منهما دفع الخاسر للفائز مائة ريال، فكل واحد منهما دخل في هذه اللعبة وهو على خطر إما أن يربح ويخسر الآخر، أو أن يخسر ويربح الآخر، والقمار محرم بإجماع العلماء( )، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، والقمار هو الميسر الذي حرمه الله تعالى في كتابه( )، وأخبر أن فيه إثما كبيرا: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما)، وكل ما كان إثمه أكبرَ من نفعه فهو محرم في الشريعة، فإن في الخمر والميسر ذهابَ العقل وإضاعةَ المال، والصدَّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، والعداوةَ، والبغضاء، وغيرَ ذلك من المفاسد الكثيرة. ولذا جاء التحريم القاطع في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}. والقمار أكل لأموال الناس بالباطل، فيدخل في قول الله سبحانه: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ). وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: «إن الله حرَّم الخمر، والميسر، والكوبة»، رواه أبو داود 3696، وصححه الألباني. والكوبة هي: الطبل( ). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ" رواه البخاري 4860، ومسلم 1647. وفي رواية لمسلم: (فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ). وإنما أُمِر بالصدقة تكفيرا عن قوله: تعال أُقامرْك. وإذا كان هذا في القول المجرد، فكيف بمن يفعل القمار؟
والحكمة من النهي عن القمار أنه يوقع العداوة والبغضاء بين المتلاعبين، لأن من خسر في القمار وسُلب مالُه بلا مقابل أبغض خصمه، وصار في قلبه له شحناءٌ وعداوة، والقمار يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، وذلك لأن القمار يسلُب لُبَّ صاحبه، ويُشغل قلبَه، وينهمك فيه فلا يكون لذكر الله تعالى في قلبه مكان، وفي القمار أكلٌ للمال بالباطل، لأن كسب المال فيه بلا مقابل، فهو لا يقوم على تبادل السلع والمنافع بالطرق المشروعة كما في التجارات، بل يقوم على المخاطرة والحظ وترك العمل والجد.
معاشر المسلمين . . من صور القمار في هذا العصر ما يعرف باليانصيب، لأن كل واحد من المشاركين فيه يدفع مبلغاً زهيداً، ثم يجري السحب على أرقامهم، فمن خرج رقمُه أُعطى الجائزة، وهذا قمار بلا خلاف بين أهل العلم، لأن كل واحد من هؤلاء المشاركين إما أن يغنم الجائزة، وإما أن يغرم المبلغ الذي دفعه، وغُنمُه أو غُرمُه مُعلَّق على المخاطرة والحظ.
ومن صور القمار أن تقوم بعض المحلات التجارية بطرح مسابقة فيها مجموعة من الأسئلة، ويُشترط للدخول فيها دفعُ مبلغ مالي من كل متسابق، ثم بعد الإجابة عليها يتم السحب على الأرقام، ومَن يفوز يُعطى جائزة، فهذه الصورة تعد من القمار، لأن المتسابق إما أن يغنم الجائزة، وإما أن يغرم مبلغ الاشتراك( ).
ولا يجوز للمسلم أن يعين أهل القمار على قمارهم بأي نوع من أنواع الإعانة؛ لقول الله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، فلا يجوز تأجير المحلات لهم، ولا العملُ في أماكن القمار، ولا بيعُهم ما يستعينون به في قمارهم، ويحرمُ أكلُ الطعام المكتسبِ بالقمار، لأنه حرام لم يملكه المكتسِب، بل هو باق على مِلْك من أُخذ منه؛ لأن القمار باطل، لا يترتب عليه أثر شرعي.
ومما جَدَّ في هذا العصر اللعب بالقمار في الألعاب الإلكترونية بأموال وهمية، والتي يلعب بها الصغار، بل وربما بعض الكبار، فهذه اللعبة لا تجوز؛ وإن كان ليس فيها قمار حقيقة، لأن ذلك يؤدي إلى التهوين من هذه الكبيرة من كبائر الذنوب، وعدم النفرة منها، وربما كان ذريعة إلى الوقوع في القمار بالأموال الحقيقية، والشريعة جاءت بسد الذرائع الموصلة إلى المحرمات.
بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن من المحدثات في شهر رجب الاحتفالَ بليلة السابع والعشرين منه، حيث يزعم بعض الناس أن هذه الليلة هي الليلة التي أُسري فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماء، وبَنوا على هذا الزعم الباطل الاحتفالَ بهذه الليلة، وتخصيصَها بأنواع من العبادات، وهذا من البدع المنكرة ، فإنه لا دليل على أن الإسراء والمعراج كان في ليلة السابع والعشرين من رجب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذه الليلة: (وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ مَعْلُومٌ لَا عَلَى شَهْرِهَا وَلَا عَلَى عَشْرِهَا وَلَا عَلَى عَيْنِهَا، بَلِ النُّقُولُ فِي ذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ مُخْتَلِفَةٌ لَيْسَ فِيهَا مَا يُقْطَعُ بِهِ، وَلَا شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ تَخْصِيصُ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ بِقِيَامٍ وَلَا غَيْرِهِ)( ).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة)( )، وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: (وَكُلُّ حَدِيثٍ فِي ذِكْرِ صَوْمِ رَجَبٍ وَصَلاةِ بَعْضِ اللَّيَالِي فِيهِ فَهُوَ كَذِبٌ مُفْتَرًى)( )، ولو فُرض أن الإسراء والمعراج كان في ليلة السابع والعشرين من رجب، فلا يعني ذلك مشروعيةَ الاحتفالِ بها وتخصيصَها بأنواع من العبادة، لأن العبادات لا يجوز أن تخصَّ بزمان معين إلا بدليل من الشرع ، ولا يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابةَ قد خَصوا هذه الليلة بشيء من العبادات.
والله نسأل أن يثبتنا على الإسلام والسنة، وأن يعيذنا من الشرك والبدعة، وأن يسلك بنا سبيل سلفنا الصالحين، وأن يتولانا بولايته، وهو أرحم الراحمين.
وصلوا وسلموا . . .