مكتبـــــة الخطب

2025-08-11 19:35:11

استقبال عشر ذي الحجة

إن الحمد لله . . أما بعد
فاتقوا الله أيها المسلمون، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا وكونوا مع الصادقين)
عباد الله . . لقد شرَّف الله الزمان وعظَّمه، وأقسم به في آيات كثيرة، فقال سبحانه: (والعصر) وقال: (والضحى) وقال: (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى) وما ذاك، إلا لأن الزمان هو الوقت الذي يعمر بالطاعة أو بالمعصية، فمن عمر وقته بالطاعات فقد فاز وأفلح، ومن عمره بالمعاصي فقد خاب وخسر.
والله عز وجل يصطفي من خلقه ما يشاء، ويختار من الزمان ما يجعل له فضلا وشرفا، (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) ومن تلك الأزمنة الفاضلة، عشر ذي الحجة، التي أقسم الله بها في كتابه فقال: (والفجر وليال عشر) وحثنا نبينا  على العمل فيها فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر فقالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" رواه البخاري والترمذي. ورواه الترمذي بلفظ "ما من عمل أزكى عند الله عز وجل ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى". فحري بالمسلم أن يجتهد في هذه الأيام المباركة بالأعمال الصالحة، والكفِ عن المعاصي، فإن إدراك مواسم الخير نعمةٌ عظيمة من الله على عبده، ومن عجيب حال بعض الناس أنهم لا يعرفون لهذه الأيام الفاضلة قدراً، ولا يُرى لدخولها عليهم أثراً، وهذا من الحرمان أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
معاشر المسلمين.. يستحب للمسلم في هذه العشر المباركة أن يصوم التسعةَ الأيام الأولى منها، لدخولها في عموم العمل الصالح، ولما روى هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلي الله عليه وسلم قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر وخميسين " رواه النسائي وصححه الألباني.
ويسن التكبير في عشر ذي الحجة وأيام التشريق، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد " رواه أحمد، وروى البخاري معلقاً مجزوماً به أن ابن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهم كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.
واعلموا رحمكم الله تعالى أن التكبير في عشر ذي الحجة وأيام التشريق على قسمين :
تكبير مطلق، وتكبير مقيد، فالتكبير المطلق هو الذي يسن في كل وقت في المساجد والبيوت والطرقات والأسواق ونحوها، ولا يتقيد بكونه بعد الصلاة المفروضة، ويبدأ من دخول العشر وينتهي بغروب الشمس من آخر أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر، وأما التكبير المقيد فهو الذي يكون بعد الصلوات المفروضة من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهذا في حق غير الحاج، أما الحاج فيبدأ التكبير المقيدُ في حقه من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر من اليوم الثالث عشر من ذي الحجة ، وصفة التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وله أن يجعل التكبير في أوله ثلاثاً، ويسن جهر الرجال بالتكبير، فقد كان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً، ولما في الجهر من إظهار شعائر الإسلام، وتذكير غيره، أما النساء فيخفضن الصوت بالتكبير.
ولا يشرع التكبير المقيد في أدبار الصلوات في الأيام الثمانية الأولى من ذي الحجة لأن التكبير فيها مطلق لا مقيد، ولا يجوز أن يكون التكبير جماعياً، بحيث يكبر جماعة من الناس بصوت واحد، لأن هذه الصفة في العبادة لا يعرف لها دليل من الشرع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه، والمشروع أن يكبر كل واحد بمفرده.
اللهم فقهنا في الدين، واجعلنا هداة مهتدين برحمتك يا أرحم الراحمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واستقبلوا هذه العشر المباركة بالتوبة الصادقة من الذنوب، امتثالا لأمر الله تعالى في قوله: (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) ومن دخلت عليه العشر وهو يريد أن يضحي، فلا يأخذنّ من شعره ولا ظفره ولا بشرته شيئاً حتى يضحي لما روى مسلم عن أم سلمه رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسَّ من شعره وبشره شيئاً" وفي لفظ لمسلم : " فلا يأخذن شعراً ولا يقلمن ظفراً ". وهذا الحكم يعم كل من أراد الأضحية، أما من يضحى عنه كأهل البيت الذين يشركهم المضحي معه في أضحيته ونحوهم فلا يلزمهم الإمساك عما ذُكر، إلا أن يكون لأحدهم أضحية يريد أن يضحي بها، وأما الوكيل عن صاحب الأضحية في شرائها وذبحها فلا يلزمه الإمساك عن شعره وظفره وبشرته، حتى لو وكله صاحب الأضحية في الإمساك عن ذلك، فإن الوكالة في ذلك لا تصح، لأن هذا الإمساك لا تدخله النيابة، فلا ينوب فيه أحد عن صاحب الأضحية، لوجوبه عليه بنفسه، وإنما تصح الوكالة في شراء الأضحية وما يتعلق بذبحها وتوزيعها ونحوه، وكذلك من كان وصياً على ضحايا للأموات، فلا يلزمه الإمساك عن شيء مما ذُكر، لأنه منفذ للوصية غيرُ مريد للتضحية عن نفسه، ومن أخذ شيئا من الشعر أو الظفر أو البشرة للحاجة فلا حرج عليه كما لو انكسر ظفره فآذاه، فلا حرج عليه في قصه، وله أن يغسل بدنه ورأسه ولا يضره ما سقط من شعر رأسه عند الغسل ما دام لم يتعمد إسقاطه، ومن دخلت عليه العشر ولم يكن ناويا أن يضحي، ثم نوى بعد ذلك أمسك من حين نيته إلى أن يضحي، ولا شيء عليه، حتى لو لم ينو إلا في يوم العيد أو ما بعده من أيام النحر.
والله نسأل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يبلغنا هذه العشر المباركة، في عفو وعافية، وأن يوفقنا فيها لما يرضيه، وأن يتقبل منا صالح العمل، وأن يتجاوز عن سيئاتنا.

خطب ذات صلة