مكتبـــــة الخطب

2025-06-19 22:34:47

التشبه بالكفار والتهنئة بأعيادهم

إن الحمد لله . .
أما بعد، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، واحذروا من الدنيا وزخرفها وفتنتها وغرورها، واستعدوا ليوم معادكم، وتزودا فإن خير الزاد التقوى.
أيها المسلمون . . إن الله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فهو سبحانه واحد أحد لا ند له ولا شبيه ولا صاحبة ولا ولد، وصف نفسه في كتابه فقال: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) وقال تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله)
وهذه العقيدة الراسخة في وحدانية الله تعالى عند المسلمين يخالفهم فيها النصارى الضالون، فهم يعتقدون الألوهية في عيسى عليه السلام، ومنهم من يقول هو ابن الله، ومنهم من يقول هو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وقد أكذبهم الله عز وجل في كتابه فقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم) وقال تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد) وقال سبحانه: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إن أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد)
فعيسى عليه السلام عبد الله ورسوله (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة) خلقه الله من أم بلا أب كما خلق آدم بلا أبوين (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) قال ابن كثير في تفسيره: (يقول تعالى: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ } في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب { كَمَثَلِ آدَمَ } فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أم، بل { خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادًا. ولكن الرب، عَزّ وجل، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ }) ا. هـ.
عباد الله . . إن نسبة الولد إلى الله كفر عظيم، تكاد السماوات والأرض أن تنشق وتتفطر عند سماعه، والجبالُ الراسيات أن تنهد إجلالا لله وإعظاماً (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا) قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي عظيماً (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا)
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله  : (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنه يُشرَك به ويُجعل له ولد، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم) متفق عليه
معاشر المؤمنين . . هذه عقيدة النصارى في عيسى عليه الصلاة والسلام، فلا شك ولا ريب في ضلالهم وكفرهم، بل من لم يعتقد كفر النصارى فهو كافر مثلهم، لأن كفرهم معلوم من دين الإسلام بالضرورة، فلا يخفى على مسلم نشأ في بلاد الإسلام، ومن لم يعتقد كفر النصارى فهو مكذب لكتاب الله تعالى الذي كفرهم، ومكذب لسنة رسول الله  ، وكذا من شك في كفرهم فهو كافر أيضا، لأنه شاك في ما أخبر الله تعالى به ورسوله  ، والشك في خبرهما كفر، ويُستثنى من ذلك من كان مثلُه يجهل حالهم فيُعذر حتى يُعلَّم، كحديث عهد بإسلام، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة – يعني أمة الدعوة - يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم. (رقم 403)
عباد الله . . لما كان النصارى ضالون في عقيدتهم فقد نهي المسلم عن التشبه بهم وبغيرهم من الكفار، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي  قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه الإمام أحمد بإسناد جيد. وأقل أحوال هذا الحديث أن يقتضي تحريم التشبه بهم.
وقد أخبر النبي  أن مِن هذه الأمة من سيتَّبعُ اليهود والنصارى، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وراءهم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله : (لتتبعنَّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم) قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: (فمن) متفق عليه، وفي هذا الحديث ذم لمتابعتهم ونهي عن التشبه بهم.
كما نهى النبي  عن التشبه بالكفار في لباسهم الخاصِ بهم، فقد رأى يوماً على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ثوبين معصفرين: فقال : (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) رواه مسلم، فدل على أن كل لباس يختص به الكفار دون المسلمين أنه لا يجوز لبسه، والقاعدة في ذلك أن ما كان من عقائد الكفار أو عباداتهم فإنه يحرم على المسلم أن يتشبه بهم فيه، وكذا ما كان من عاداتهم التي يختصون بها دون المسلمين، فإنه يحرم على المسلم أن يشابههم فيها، أما ما كان من العادات التي لا يختصون بها، وإنما يفعلها الكفار والمسلمون على السواء فلا يكون فعلها من التشبه المحرم. اللهم ثبتنا على الإسلام والسنة وجنبنا الكفر والضلال والبدعة واجعلنا من أوليائك المتقين وحزبك المفلحين برحمتك يا أرحم الراحمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله .
أما بعد، فإن من صور التشبه بالكفار، ما يفعله بعض المسلمين هداهم الله، من مشاركة النصارى في أعيادهم، وحضورُ أعياد الكفار ومشاركتهم فيها محرم باتفاق أهل العلم،-أحكام أهل الذمة 2/156- دل على حرمته قول الله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما) والزرو في هذه الآية فسره جماعة من التابعين كمجاهد وغيره بأنه أعياد المشركين، واشترط عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النصارى من أهل الذمة: ألا يظهروا شيئا من شعائر أعيادهم في بلاد المسلمين، وقال عمر رضي الله عنه: (لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السَّخطة تنزل عليهم) وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (من مرَّ ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم - يعني أعيادهم - وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة) رواهما البيهقي في الكبرى برقم 18640، 18643 وصحح إسنادهما ابن القيم.
كما أن الاحتفال بعيد النصارى بدعة محدثة في الإسلام إذ ليس للمسلمين عيد في العام غير الفطر والأضحى، فمن أحدث عيدا في العام غيرهما فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه، إذ العيد شريعة من الشرائع، وعبادة لله تعالى كالصلاة والصيام وغيرهما، فموافقة النصارى في عيدهم كموافقتهم في شيء من عباداتهم.
وكما لا تجوز مشاركة النصارى في أعيادهم لا تجوز أيضا إعانتهم فيها بأي نوع من أنواع الإعانة، كبيع الهدايا أو بطاقات التهنئة الخاصة بعيدهم، أو تأجير الأماكن لهم ليقيموا فيها احتفالاتهم، لقول الله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ولأن ذلك من تعظيم شركهم، وعونهم على كفرهم.
معاشر المسلمين . . يحرم على المسلم أن يهنئ النصارى بأعيادهم، لما في ذلك من إقرار ما هم عليه من شعائر الكفر، والكفر لا يرضاه الله تعالى، قال سبحانه: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر) قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به – يعني بالكافر - فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه . . . وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل فمن هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه) أحكام أهل الذمة 1/162 وقد أفتى بتحريم تهنئة الكفار بأعيادهم جماعة من كبار علماء هذا العصر، كسماحة الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ صالح الفوزان وغيرهم، وصدرت به فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء في هذه البلاد 3/436 المجموعة الأولى.
والكفار إذا هنؤونا بأعيادهم فإنا لا نجيبهم على ذلك، لأنها ليست من أعيادنا، بل هي أعياد لا يرضاها الله تعالى، فهي إما مبتدعة في دينهم، وإما منسوخة بدين الإسلام، لقول الله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)
وأما تهنئة الكفار بأمورهم الدنيوية كزواج وقدوم مولود ونحوه فهذا محل خلاف بين الفقهاء، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى جوازه عند وجود مصلحة كرجاء إسلام هذا الكافر – الفروع 10/334 - وأما تهنئة الكفار بأعيادهم فهو محرم بالاتفاق كما حكاه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى.
فاتقوا أيها المسلمون وتمسكوا بدينكم، واحذروا التشبه بأعدائكم، ونشؤوا أولادكم على الاعتزاز بدينهم، وحذروهم من مشابهة الكافرين ومشاركتهم في أعيادهم، فكلم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
وصلوا وسلموا . .

خطب ذات صلة