مكتبـــــة الخطب

2025-08-11 19:37:31

من أحكام سؤال الناس

إن الحمد لله . . . أما بعد
فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واشكروا الله على ما أولاكم من النعم، وبادروا بالتوبة والإنابة، والاستعداد لما أمامكم، فإنكم عما قليل مفارقون، وبأعمالكم مجزيون، وعلى الصغيرة والكبيرة محاسبون، (في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)
عباد الله . . لقد جاءت شريعة الإسلام بالحث على مكارم الأخلاق، وأن يكون المسلم عزيزا كريما، يصون ماء وجهه، ويحفظ مروءته وعرضه، وجاء الترغيب في الاستغناء عن الناس، بالحث على العمل، وتحصيل المال بكل طريق مباح، قال الله عز وحل: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها، وكلوا من رزقه وإليه النشور) أي فامشوا في مناكبها للتجارة وتحصل الرزق، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لأَن يأخذ أحدُكم حبلَه، فيحتطبَ على ظهره خيرٌ له من أن يأتي رجلا، فيسألَه أعطاه أو منعه» متفق عليه – البخاري 1470 ومسلم 1042-
معاشر المسلمين . . إن سؤال المرء غيَره يكون على أنواع، منها: سؤال العبد ربه جل وعلا، في حوائجه الدينية والدنيوية، وهذا من التوحيد المأمور به، قال النبي  لابن عباس رضي الله عنهما: (وإذا سألت فاسأل الله) رواه الترمذي، ومن سأل المخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك مع الله الشرك الأكبر، كمن يسأل أصحاب القبور مغفرة الذنوب، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات.
ومن أنواع السؤال من يسأل الناس أموالهم تكثُّرا، وقد أغناه الله عز وجل عن ذلك، ومع ذلك يذل نفسه بسؤالهم، ويأخذ مالا لا يحل له، حتى بلغ الحال ببعضهم أن يمتهن السؤال ويعتاده، وقد ورد في ذلك وعيد شديد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» رواه مسلم 1041، وقال النَّبِيَّ : «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» - أي قطعة لحم - رواه البخاري 1474 ومسلم 1040.
أما من كان محتاجا، ولم يجد بداً من سؤال الناس، لفقرة أو عجزه عن الكسب، أو كان كسبه لا يفي بحاجته، جاز له السؤال، لكن لا يأخذ من المال إلا بقدر ما تندفع به حاجته، لما روى قبيصة بنُ مخارق  أن النبي  قال له: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة، رجل تحمَّل حَمالة – أي دينا - فحلَّت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قِواما من عيش . . . ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش . . . فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا" رواه مسلم 1044.
ومع جواز السؤال عند الحاجة إلا أن الأولى أن يتعفف المؤمن عن سؤال الناس قدر الإمكان، وأن يستغني بالله تعالى، ويُعظِم رجاءه به وتوكله عليه، وسؤاله وحده، فعنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» رواه البخاري 1469 ومسلم 1053.
ومما ينبه عليه أن بعض من دخل بلادنا بطريق غير نظامي، يكثر منهم سؤالُ الناس، والتعرضُ لهم في المساجد أو غيرها، وربما تعاطف بعض الناس معهم فشغَّلهم عنده أو تستر عليهم، وكل هذا مخالف للأنظمة التي وضعها ولي الأمر، والذي تجب طاعته فيها؛ لأنها من المعروف، ولما يخشى من بقاء هؤلاء المتسللين وجمعهم للأموال من المفاسد على البلاد والعباد.
بارك الله لي ولكم . . .

الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، وتعففوا عن سؤال الناس ما استطعتم، واستغنوا بالله ربكم، واسألوه في كل ألم بكم.
لا تسألنَّ بُنيّ آدمَ حاجةً وسل الذي أبوابه لا تحجبُ
الله يغضب أن تركت سؤاله وبُنيُّ آدمُ حين يُسأل يغضب
روى عوف بن مالك الأشجعي  أن النبي  قال لبعض أصحابه : «ألا تبايعون رسول الله؟» قالوا: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلواتِ الخمس، وتطيعوا - وأسر كلمة خفية - ولا تسألوا الناس شيئا» فلقد رأيت بعضَ أولئك النفر يسقط سوطُ أحدهم، فما يسأل أحدا يناولُه إياه. رواه مسلم 1043.
وإذا أعطي الإنسان مالا من غير سؤال ولا تطلُّع إليه جاز له أخذه؛ لما روى سالم بنُ عبدِ الله بنِ عمر عن أبيه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي عمر بن الخطاب رضي الله عنه العطاء، فيقول له عمر: أعطه، يا رسول الله، أفقر إليه مني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذه فتموله – أي اجعله مالاً لك - أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك» قال سالم: «فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه» رواه البخاري 1473 ومسلم 1045، واللفظ لمسلم.
ومن كريم الخلق أن يبدأ الغني أخاه الفقير بالعطية قبل سؤاله، إذا عرف حاله وحاجته، حتى لا يضطره إلى السؤال.
ومن أنواع السؤال المحمود من يسأل غيره لقضاء حاجة إخوانه، من الفقراء والمكروبين، فهذه هي الشفاعة الحسنة؛ لقول الله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) وقال النبي : (اشفعوا تؤجروا) رواه البخاري 1432، فمن شفع لأخيه شفاعة حسنة، فله مثل أجر قضاء حاجته؛ لدلالته على الخير، ومن دل خير فله مثل أجر فاعله.
والله نسأل أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، وأن يرزقنا دنيا لا تطغينا، وصحة لا تلهينا، وأن يستعملنا فيما يرضيه، وأن يجنبنا أسباب غضبه وعذابه، إنه سميع مجيب.

خطب ذات صلة