مكتبـــــة الخطب

2025-12-29 10:18:37

خطبة المراقبة لله تعالى

الخطبة الأولى                  مراقبة الله تعالى                     22/2/1434هـ

إن الحمد لله . .

أما بعد، فإن خير الحديث

وأوصيكم معاشر المسلمين بتقوى الله تعالى، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) ومراقبته في السر والعلانية، والاستعداد ليوم الممات، بالأعمال الصالحات، وتزودا فإن خير الزاد التقوى.

أيها المسلمون، حديثنا اليوم، عن عبادة جليلة، تدعو صاحبها إلى الطاعات والفضائل، وتمنعه من المعاصي والرذائل، وهي عبادة قلبية، تعمر قلوب المؤمنين، فتملؤها من خشية الله تعالى، وإعظامه وإجلاله، والحياء منه سبحانه وبحمده، تلكم يا عباد الله، هي عبادة المراقبة، فالله سبحانه وتعالى هو الرقيب على عباده، (وكان الله على كل شيء رقيباً) والرقيب معناه: الحفيظ الذي يحصي أحوال عباده، لا يعزب عنه علم شيء منها.

      فالله جل وعلا يراقبك، لأنه يعلم السر وأخفى، ويراك ويبصر مكانك أينما كنت، يراقبك الله تعالى لأنه يسمع كلامه مهما أخفيته وأسررته، بل إنه يعلم ما في صدرك، ولا يخفى عليه شيء من أمرك.

     يقول لمولى جل شأنه: (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) ويقول سبحانه وتعالى: (وهو معكم أينما كنتم الحديد) أي بعلمه وإحاطته، وقال تعالى: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) وفي حديث جبريل عليه السلام، أنه لما سأل النبي r عن الإحسان؟ قال له: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) رواه مسلم.

فإذا عبد المرء ربه جل وعلا على هذه الصفة وهي استحضار قربه وأنه بين يديه كأنه يراه فإن ذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، ويوجب أيضا النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها.جامع العلوم لابن رجب 1/126. عن أنس رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله حدثني بحديث واجعله موجزا فقال: (صل صلاة مودع فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراك) رواه الطبراني –الصحيحة برقم 1914-

وقال رجل يا رسول الله أوصني؟ قال: أوصيك أن تستحي من الله عز وجل، كما تستحي رجلاً من صالحي قومك) رواه أحمد -الصحيحة 741- فمن كان بحضرة رجل صالح من قومه، لم يجرؤ على فعل المعصية أمامه حياء منه، فإذا كان الأمر كذلك فالله أحق أن يستحيا منه من الناس، قال بعضهم: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك. وذلك أن بعض الناس ربما لم يجرؤ على فعل بعض المعاصي أمام صبي لا يبلغ العاشرة، ولكنه لا يبالي في الخلوة بنظر الله تعالى إليه، ولقد أحسن من قال:

    وإذا خلوت بريبة في ظلـمة       والنفس داعية إلى العصيانِ

    فاستحي من نظر الإله وقل لها      إن الذي خلق الظلام يراني

عباد الله . . علينا أن نراقب الله تعالى في جميع الأحوال، في السر والعلن، في الصحة والسقم، في القوة والضعف، في الشباب والهرم، كما قال النبي r لأبي ذر - رضي الله عنه -: «اتق االله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي

وعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا) قال ثوبان رضي الله عنه: يا رسول الله، صفهم لنا، جلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: (أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) رواه ابن ماجه (4245 وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ش).

    معاشر المسملين . . ومما يعين العبد على مراقبة الله تعالى، أن يستحضر أن الله وكَّل به ملائكة كراماً، يكتبون أعماله ويحصون أقواله، (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) وقال تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).

    ومما يعين على مراقبة الله عز وجل، أن يعلم أن جوارحه تشهد عليه يوم القيامة بما عمل، يقول الله تعالى: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) وقال سبحانه: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق – أي جزاءهم الحق – ويعلمون أن الله هو الحق المبين) فعينك يا عبد الله تشهد بما رأيتَ، وأذنك تشهد بما سمعْتَ، ويدك تشهد بما بطشْتَ، ورجلك تشهد بما مشيت، ولسانك يشهد بما نطقْتَ، فالشهود لا يفارقونك طرفة عين، فاتق الله في جوارحك، وراقب الله تعالى فيها.

بارك الله لي ولكم . .

الخطبة الثانية:

الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن لمراقبة الله تعالى ثمراتٍ عظيمة، فهي تعين العبد على إخلاص العمل لله تعالى، إذ ينبغي له أن يراقب نفسه قبل العمل وفي أثنائه، هل أراد وجه الله تعالى أو محبة ثناء الناس عليه؟ فإن كان لله، أمضاه، وإلا تركه وهذا هو الإخلاص. قال الحسن: رحم الله عبدًا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر.

فهذه مراقبة العبد في الطاعة وهو أن يكون مخلصًا فيها، ومراقبته في المعصية تكون بالتوبة والندم والإقلاع، ومراقبته في فعل المباح تكون بمراعاة الأدب، والشكر على النعيم، فإنه لا يخلو من نعمة لا بد له من الشكر عليها، وكل ذلك لا يخلو من المراقبة.

     ومن ثمرات مراقبة العبد لربه أن يتقن عمله الصالح، فإذا صلى صلى بطمأنينة وخشوع، لأنه يراقب ربه جل وعلا، وأنه أمامه ويناجيه، يقول النبي r: (إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه) متفق عليه. فالمراقبة تدعو العبد إلى اتقان عمله، ومن اتقن عمله أحبه الله تعالى: فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» رواه البيهقي في شعب الإيمان حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (1880).

    ومن ثمرات مراقبة العبد ربه، سعادة القلب وانشراحه وقرة العين بالتعبد لله، لأن المراقبة تستلزم حضور القلب بين يدي الله تعالى، وعدم الانشغال عنه، وامتلاء القلب من تعظيمه ومحبته، وهذا من أعظم أسباب السرور والنعيم، الذي لا يعدله شيء من نعيم الدنيا الزائل.

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ونسألك القصد في الفقر والغنى ونسألك اللهم نعيما لا ينفد . . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خطب ذات صلة