إن الحمد لله . . أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله وراقبوه واتبعوا أمره ولا تعصوه (يا أيها
الذين الناس اتقوا ربكم . . )
عباد الله . . من نعمة الله تعالى على عباده، وفضله ورحمته بهم أن أباح لهم كثيرا
من المعاملات، وحرم عليهم قليلا منها، فالمباح كثير، والحرام قليل، وقد قرر
العلماء: أن الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم الدليل على التحريم، ولذا كان لا بد
للمؤمن في تعاملاته أن يعلم الحلال من الحرام، حتى لا يقع فيما حرم الله عليه،
فيأكل ما لا يحل له.
وقد أخبر النبي r أن العبد سيسأل يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه،
فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى
يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ
مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ
أَبْلَاهُ» رواه الترمذي 2417، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وصححه
الألباني.
ومن المعاملات المهمة، والتي يحتاج التجار ومن يتعامل بالبيع والشراء إلى معرفة
أحكامها: المعاملات الربوية.
ومع وضوح حكم الربا في الشريعة، إلا أننا نرى كثيراً من المسلمين هداهم الله
يتجرأون على التعامل بالربا والتعاون عليه، وهؤلاء على قسمين:
1. قسم منهم يخفى عليه بعض صور الربا فيتعامل بها ظناً منه أنها حلال، وهذا يحتاج
إلى تعليم فمتى ما علم أنه ربا بادر بتركه.
مع التنبيه إلى أن الإنسان ينبغي له ألا يُقْدم على أي معاملة إلا بعد أن يعلم أنها
مباحة، فإن اشتبه عليه الأمر وجب عليه السؤال، فيسأل أهل العلم الشرعي لقوله جل
وعلا: (فَسَۡٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ)
ولهذا قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ t: «لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ
تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ» رواه الترمذي 487، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وقال الألباني: حسن الإسناد.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمكلف أن يُقدم على فعلٍ حتى يعلم حكم الله
فيه([1]).
القسم الثاني ممن يقع في الربا مَن يعلم حكمه وأنه حرام، ولكنه متبع لهواه، لا
يبالي بالأحكام الشرعية وإنما همه جمع المال من أي طريق سواءً أمِن الحلال أم من
الحرام، وقد جاء في صحيح البخاري 2059 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَأْتِي عَلَى
النَّاسِ زَمَانٌ، لاَ يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلاَلِ أَمْ
مِنَ الحَرَامِ».
فهذا الواجب في حقه نصحه ووعظه وتذكيره بعقاب الله تعالى للمرابي لعله أن يتوب.
معاشر المسلمين . . الربا له أنواع وصور كثيرة، منها:
ربا القروض: وهو الزيادة المشروطة في بدل القرض.
كما لو أقرضه عشرةَ آلاف ريال بشرط أن يردها خمسة عشر ألف ريال بعد سنة، فهذا من
ربا القروض.
ولا تختص الزيادة أن تكون من جنس القرض، فلو اشترط عليه الزيادة من عين أخرى غير
النقد، كما لو اشترط عليه أن يرد العشرة آلاف ومعها ساعة، أو هدية، فهذا أيضا من
ربا القروض.
وكذا لو اشترط عليه منفعة في القرض فهو من ربا القروض، كما لو أقرضه مائة ألف إلى
سنة واشترط عليه أن يسكن المقرض دار المقترض مجانا مدة سنة، أو بأجرة رخيصة، أو
يُعِيْره سيارته، أو غير ذلك من المنافع.
قال عبد الله بن سلامٍ رضي الله عنه: (إذا كان لك على رجلٍ حقٌّ، فأهدى إليك حِمْل
تبنٍ، أو حِمْل شعيرٍ، أو حِمْل قَتٍّ؛ فلا تأخذه؛ فإنه رباً)([2])، رواه البخاري.
وما تقدم كله مما أجمع الفقهاء على تحريمه([3]).
والقاعدة أن كل قرض جر منفعة فهو ربا.
وليس من الربا أن يرد المقترضُ القرض بزيادة، لم تشترط عليه، لأنه تبرع من المقترض
وحسن قضاء؛ فعن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ استسلف من رجلٍ بَكْراً([4])،
فقدمَتْ عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع رضي الله عنه أن يقضي الرجل
بَكْرَه، فرجع إليه أبو رافع، رضي الله عنه فقال: لم أجد فيها إلا خِياراً رَباعياً
([5])، فقال: (أعطه إياه، إنَّ خيار الناس أحسنهم قضاء)([6]).
ومن أنواع الربا: ربا الجاهلية: وهو الزيادة في الدين مقابل تأخيره.
وهو الذي جاء فيه قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا
مضاعفة)
قال ابن كثير رحمه الله تعالى 2/117 في تفسير هذه الآية: (يَقُولُ تَعَالَى
نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا وَأَكْلِهِ أَضْعَافًا
مُضَاعَفَةً، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -إِذَا حَلّ أَجَلُ
الدَّيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْضِي وَإِمَّا أَنْ يُرْبِي، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا
زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الآخَر فِي القَدْر، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ،
فَرُبَّمَا تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا).
ومن أنواع الربا ربا الفضل، هو زيادة في أحد العوضين الربويين المتحدي الجنس.
مثاله في بيع الذهب أن يبيع ذهبا مستعملا وزنه مائة جرام ويقبض عوضا عنه في مجلس
العقد ذهبا جديدا وزنه تسعين جراما، فهذا من ربا الفضل، فإن أجل تسليم العوض إلى
يوم أو أسبوع أو أكثر صار من ربا النسيئة، ومعنى النسيئة أي التأجيل، فعن عبادة بن
الصامت رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ،
وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ،
مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ
الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» رواه مسلم
1587.
فلو صرفت ورقة واحدة من فئة خمسمائة ريال، بخمس ورقات من فئة مائة ريال، فهذا جائز
إذا حصل التقابض للعوضين في مجلس العقد، أما لو أعطاه عن الخمسمائة أربع ورقات فئة
مائة، فهذا ربا فضل، فإن قال له: أعطيك صرفها غدا فهو ربا نسئية.
وإذا اختلفت العملات جاز التفاضل لكن لابد من التقابض في المجلس،
فيجوز صرف مائة ريال سعودي بألف جنيه مصري، لكن يكون يداً بيد ولا يجوز فيه تأجيل
إحدى العملتين.
بارك الله لي ولكم . . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله أيها المسلمون، إن تحريم الربا معلوم من الدين
بالضرورة، لا يخفى على مسلم نشأ في بلاد الإسلام، لصراحة الأدلة في تحريمه، وأنه من
الكبائر.
قال تعالى: (ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا
يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ)
"أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان
له وذلك أنه يقوم قياماً منكراً"
ثم قال تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ
ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ، فَمَن جَآءَهُۥ
مَوۡعِظَة مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ، وأمره إلى الله، وَمَنۡ
عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ) أي من عاد إلى
الربا بعد العلم بتحريمه فهو متوعد بالنار عياذا بالله.
ثم قال تعالى: (يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ)
أي يذهبه ويزيله من يد صاحبه، وذلك بأن يسلط الله على ماله ما يتلفه أو لا يبارك له
في هذا المال.
(وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ) أي ينميها.
وقال الله تعالى متوعدا أهل الربا: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ
ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ، فَإِن
لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡب مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ) أي استيقنوا
بحرب من الله ورسوله وقيل: أعلنوا.
فمن لم يترك الربا فهو معلن لحرب على الله ورسوله.
وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير الآية أثرا عن ابن عباس رضي الله عنهما
قَالَ: يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِآكِلِ الرِّبَا: خُذْ سِلَاحَكَ لِلْحَرْبِ.
ثُمَّ قَرَأَ: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ}.
وهذا يدل على عظم خطر الربا، وأنه من كبائر الذنوب.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع
الموبقات: وذكر منها أكل الربا" متفق عليه.
وعَنْ جَابِرٍ t قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ»، وَقَالَ: «هُمْ
سَوَاءٌ» رواه مسلم 1598.
والله نسأل أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، وأن يرزقنا دنيا لا
تطغينا، وصحة لا تلهينا، وأن يجعلنا من عباده المتقين، وحزبه المفلحين.
وصلوا وسلموا . .
([1]) قال البهوتي في كشاف القناع 3/145 في أول كتاب البيع: (لَا يَخْلُو مُكَلَّفٌ
غَالِبًا مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ فَيَجِبُ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ قَبْلَ
التَّلَبُّسِ بِهِ وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ
لِمُكَلَّفٍ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى فِعَلٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ) ثم
ذكر أثر عمر t الآنف الذِّكر.
([2]) أخرجه البخاري (3814)، والقَتُّ: جنس من النّباتات العشبية اليابسة يكون
عَلَفاً للدواب.
([3]) قال الموفق في المغني (4/240): (وَكُلُّ قَرْضٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَزِيدَهُ،
فَهُوَ حَرَامٌ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى
أَنَّ الْمُسَلِّفَ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَسْلِفِ زِيَادَةً أَوْ هَدِيَّةً،
فَأَسْلَفَ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ رَبًّا).
([4]) البَكْر: الفتيُّ من الإبل.
([5]) هو ما استكمل ستّ سنوات ودخل في السابعة.
([6]) رواه مسلم (1600). ورواه البخاري (2393) من حديث أبي هريرة t بمعناه.