مكتبـــــة الخطب

2025-12-29 10:19:45

خطبة فتنة المال

الخطبة الأولى             فتنة المال           7/6/1447ه

إن الحمد لله . . أما بعد:

فاتقوا الله معاشر المسلمين، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)

عباد الله . . أُتي عمر بن الخطاب t في زمن خلافته بمال كثير، فوضع في المسجد، فخرج إليه عمر t ينظر إليه، فلما رآه هملت عيناه، فقال له عبد الرحمن بن عوف t: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا يُبْكِيكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لِمِنْ مَوَاطِنِ الشُّكْرِ. فقَالَ عُمَرُ t: إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ مَا أَعْطَيَهُ قَوْمٌ يَوْمًا إِلَّا أُلْقِيَ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ([1]).

نعم إن المال يكون في أحيان كثيرة سبب للخصومة والشحناء والبغضاء وقطيعة الرحم، فكم من إخوة كانوا متحابين متآلفين في حياة أبيهم، فلمات مات وورثوا المال عنه تخاصموا في هذا المال وتقاطعوا، وكم من رجلين كانا متواخيين متصافيين فلما تشاركا في التجارة اختلفا وتباغضا، وما ذاك إلا لتعلق النفوس بالمال وافتتانها به، وصدق الله عز وجل إذ يقول: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) وقد جاء في تفسير قول الله عز وجل: (إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها) ما روى مسلم في صحيحه (1013) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا، أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا"

ومعنى الحديث: أن الأرض تخرج يوم القيامة ما فيها من كنوز الذهب والفضة، فيأتي القاتل ويخبر أنه قَتل لأجل هذا المال، ويأتي القاطع لرحمه فيخبر أنه قطع رحمه لأجل هذا المال، ويأتي السارق فيخبر أنه قُطعت يده لأجل هذا المال، ثم ماذا؟ يدَعونه فلا يأخذون منه شيئا.

معاشر المسلمين . . متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى، فاعملوا لدار البقاء، واجعلوا الدنيا وسيلة لها، ولا تشغلكم دنياكم عن أخراكم، وتأملوا قول الله تعالى: (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) أي شغلكم حب الدنيا ونعيمِها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها.

عَنْ عبد الله بن الشِّخِّير t قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، قَالَ: "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟" رواه مسلم 2958، وفي رواية لمسلم: "وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ، وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ".

فلو تفكر العاقل في مآله لعلم أنه لا يخرج من الدنيا بماله، بل يخرج منها بكفن وحنوط، ثم يهال عليه التراب، فيهنأ الوارث بالمال، ويحاسب هو عليه. ولقد أحسن من قال:

نصيبك مما تجمع الدهر كلَّه      رداءان تُلوى فيهما وحنوط.

وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ t قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ» رواه البخاري 6514، ومسلم 2960.

ولما قدم أبو عبيدة بن الجراح t بمال من البحرين، فبلغ الأنصارَ قدومه،

فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟» فَقَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» رواه البخاري 3158، ومسلم 2961.

فلم يخش علينا نبينا r الفقر، بل خشي علينا من بسط الدنيا، وحصول الغني، وأخبر أنه سبب من أسباب الهلاك، كما أهلك الأمم مِن قبلنا، وإنما يكون المال سببا للهلاك لمن لم يتق الله فيه ويقوم بحقه.

بارك الله لي ولكم . .

الخطبة الثانية:

الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن مَن أخذ هذا المال من الحلال، واتقى الله فيه، وأنفقه فيما أباح الله له، أو قدمه بين يديه بإنفاقه في وجوه الخير، فهذا قد عرف حقيقة المال، وأنه وسيلة لا غاية، فلا يكون هذا المال سبباً عنده لقطيعة رحم أو خصومة، وهكذا كان ولا يزال الأغنياء المتقون، جعلوا المال في أيديهم، ولم يجعلوه في قلوبهم، فسهل عليهم بذله وإنفاقه، قدوتهم في ذلك رسول الله r، الذي خيره الله عز وجل بين زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده.

والمال في يد الرجل الصالح خير له وللمسلمين، ولذا قال النبي r لعمرو بن العاص رضي الله عنهما: «يَا عَمْرُو، نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحِ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ» رواه البخاري في الأدب المفرد (299) وصححه الألباني.

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وارزقنا اللهم دنيا لا تطغينا، وصحة لا تلهينا، واجعلنا أفقر عبادك إليك، وأغناهم بك، يا أرحم الراحمين.

وصلوا وسلموا . .

 

 

 

 

 

([1]) أخرجه أبو داود في الزهد (65).

خطب ذات صلة