الحمد لله العلي الأكرم، الذي علم بالقلم, علم
الإنسان ما لم يعلم, أحمده جل وعلا على نعمة الإيمان والقرآن, والحكمة والبيان, رفع
بالعلم أقواماً وشفا به أدواءً وأسقاماً, وأعلى به مناراً, وأضاء به أنواراً, وأشهد
ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله إمامُ
العلماء, وقدوةُ الأولياء والأتقياء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه, وسلم تسليماً
كثيرا.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون... وراقبوا ربكم في جميع أعمالكم, واستعدوا للعرض عليه,
والوقوف بين يديه, وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا, فإن الدنيا ليست بدار قرار
وبقاء, وإنما حالكم فيها كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، (يا أيها الناس اتقوا
ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد
الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور)
عباد الله... لقد أشرقت شمس الإسلام، بالحث على العلم والبيان، فكان أولُ ما نزل
على رسولنا قولُه جل وعلا: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك
الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)
وأهل العلم لهم المكانة العالية، والمنزلة الرفيعة في الدنيا والآخرة، قال الله
تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) وأهل
العلم هم أهل خشية الله تعالى والخوف منه قال الله جل وعلا: (إنما يخشى الله من
عباده العلماء)
ورغب النبي صلى الله عليه وسلم أمته في طلب العلم فقال: (من يرد الله به خيرا يفقهه
في الدين) متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل
الله له به طريقا إلى الجنة) رواه الترمذي.
فالعلم سبب رقي الأمم وسيادتِها على غيرها، وبالجهل تنحدر إلى أسفل قعر وأدنى هوة،
ولقد أحسن من قال:
العلم يرفع بيتا لا عماد له والجهل يهدم بيت العز والشرف.
معاشر المسلمين . . إنكم تستقبلون عاما دراسيا جديدا ينهل الطلاب والطالبات فيه
أنواعاً من العلوم والمعارف, وتستنفر فيه الجهود والطاقات, فالواجب على القائمين
على التعليم أن يتقوا الله في أولاد المسلمين, وأن يقوموا بحق هذه الأمانة العظمى
الملقاة على عواتقهم, وأن يعلموا الطلاب العلوم النافعة والأخلاق الفاضلة, ويوجهوهم
لما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، وأن يغرسوا فيهم الإيمان بالله تعالى، ومحبة
الله عز وجل، ومحبة رسولِه ، ولزومَ عقيدة أهل السنة والجماعة، والولاءَ لبلادهم
بلاد التوحيد، وطاعة ولاة أمرهم في المعروف، وأن يحذروهم من العقائد الفاسدة،
والأفكار الضالة.
وعلى أولياء الأمور أن يتفقدوا أولادهم ذكوراً وإناثاً, ويتابعوهم في دراستهم من
أول العام, وأن يرغبوهم في التحصيل، والمواظبة على الحضور، وأن يحلوا ما يعرض لهم
من مشكلات، مع التضرع إلى الله تعالى بالدعاء لهم بالتوفيق والصلاح, فإن دعاء
الوالدين لولدهما مستجاب، وعلى الطلاب أن يجتهدوا في تحصيل العلم والصبر عليه,
وإخلاص النية لله تعالى في دراسة العلوم الشرعية, واستحضار النية الصالحة في سائر
العلوم النافعة، والتزام الأخلاق الفاضلة, والمثابرة على بر الوالدين والإحسان
إليهما, لقاء ما يعانون من تدريس ولدهما وتعليمه ومتابعته, والتأدبِ مع المدرسين,
ومعرفة حقهم وفضلهم, وعدم إيذائهم والوقوع في أعراضهم, فإن ذلك من إنكار الجميل,
ومقابلة الإحسان بالإساءة، وقد ورد في فضل مَن يعلم الناس الخير ما روى أبو أمامة
الباهلي قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ
اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ
فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ»
وقال الترمذي 2685، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ» وصححه الألباني.
وليحرص الطلاب على مصاحبة الأخيار، والحذر من رفقاء السوء، الذين يزينون لهم
المعصية، ويثبطونهم عن الجد والاجتهاد في تحصيل العلم، فإن المرء على دين خليله،
(والأخلاء بعضهم لبعض عدو إلا المتقين).
وعلى الجميع أن يستحضروا ما هم فيه من النعمة، فقد تهيأ لهم تعليم أبنائهم وبناتهم
بأيسر الطرق، وبذلت الدولة وفقها الله تعالى أموالاً طائلة، وجهودا كبيرة في
التعليم، فعلينا شكر هذه النعمة، وبذل الوسع في التزود من العلوم النافعة؛ وحث
أولادنا على الترقي في مراتب العلم، ليكونوا عدة لهذه الأمة في مستقبلها.
بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، أخي المعلم أعلم أنك مستأمن
على طلابك، فاحرص على الحضور المبكر لمحاضرتك من أولها، ولا تخرج إلا بعد انتهائها،
فإن كل دقيقة حق للطالب عليك، فأعطه حقه كاملا، واسع جاهدا إلى إيصال المعلومة إلى
طلابك بأسهل طريق، وتحلَّ بالصبر والحلم والأناة مع الطلاب، خاصة من كان منهم ضعيف
الفهم، يحتاج منك إلى تكرار ومزيد إيضاح ليفهم الدرس، وكن قدوة صالحة لهم في قولك
وفعلك، فإنهم ربما تأثروا بذلك أكثر من تأثرهم بما يتعلمونه منك،
وحاول ما استطعت أن تكمل المنهج الدراسي، وأن تجدد في أسلوب العرض بما يرغب طلابك
في العلم الذي تقدمه لهم، وحاصل ذلك كله صلاح نيتك وإخلاصك في عملك، فمتى ما وجد
ذلك منك بارك الله لك، ونفع الطلاب بعلمك.
والله المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح, وأن يصلح
نياتنا وذرياتنا وأن يجعلهم قرة أعين، إنه سميع مجيب,