مكتبـــــة الخطب

2025-08-11 19:36:12

الحج بلا تصريح

إن الحمد لله . . . أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المؤمنين، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد . . .)
عباد الله . . إن من أركان الإسلام، ومبانيه العظام، حج بيت الله الحرام، فالحج والعمرة واجبان في العُمُر مرة واحدة على من توفرت فيه شروطهما، قال الله عز وجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وعن عائشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: (نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ، لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ)([1]).
وفي أداء الحج والعمرة فضل عظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» متفق عليه([2])، وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» متفق عليه([3]).
والحج المبرور ما جمع وصفين:
الأول: الإخلاص لله تعالى في أعمال الحج، فيريد بها الحاج وجه الله تعالى وثوابه، لا مراءاة الناس ومدحهم، فمن أراد بحجه الرياء والسمعة، أو لم يرد به إلا غرضا دنيويا لم يكن حجه مبرورا، بل إنه يأثم بهذه النية الفاسدة.
لقول الله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) ولما في الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى قال: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) رواه مسلم.
والوصف الثاني ليكون الحج مبروراً: أن يكون الحاج متبعا لهدي النبي r، بحيث يؤدي مناسك الحج على وفق ما شرعه النبي r، لقول جَابِر t: " رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» مسلم (1297)([4])
 فلا يقع منه في حجه ابتداع في الدين، أو معصية لله تعالى؛ سواء أكانت المعصية متعلقة بالنسك، كمن يفعل محظورا من محظورات الإحرام بلا عذر، أو يترك واجبا من واجبات الحج بلا عذر، أم كانت المعصية في غير النسك، كالغيبة والكذب وشرب الدخان والنظر إلى النساء الأجنبيات وغير ذلك من المعاصي، ويدخل في ذلك معصية ولي الأمر، فهذا لا يكون حجه مبرورا؛ لقول الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
معاشر المسلمين . . من توفرت فيه شروط الحج فالواجب عليه المبادرة بأدائه، ولا يجوز تأخيره بلا عذر؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e: «تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يَعْنِي: الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رواه الإمام أحمد([5]).
ومن تعظيم شعائر الله تعالى في الحج والعمرة أداؤهما كما شرع الله لعباده، وذلك بالتفقه في أحكام المناسك قبل أدائها، لئلا يقع من الحاج أو المعتمر من المخالفات ما يبطل نسكه أو ينقص أجره.
وليحرص الحاج أن يكون حجه بالنفقة الحلال، فإن الله تعالى طيب، لا يقبل إلا طيبا، ولا يجوز الحج بالمال الحرام، كالمال المتحصل عليه من الربا أو الغش والخداع وأكل أموال الناس بالباطل، فهؤلاء وغيرهم من أصحاب المكاسب المحرمة إذا أدخلوها في نفقة الحج والعمرة أنقصت الأجر وأثموا بذلك.
ولا يجوز للمرأة السفر للحج أو العمرة بلا محرم، بأي وسيلة كان سفرها؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» متفق عليه([6])، وعن ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» متفق عليه([7]). والمرأة ما دامت لا تجد المحرم فإن الحج لا يجب عليها؛ لكونها غيرَ مستطيعة.
ومن الأخطاء التي تقع من بعض الناس، أنه إذا أحرم بحج أو عمرة، ثم وجد زحاما شديدا خلع إحرامه ورجع إلى بلده قبل إتمام النسك، وهذا لا يجوز، ولا يخرج به من الإحرام، بل هو باق على إحرامه؛ لأن مجرد الزحام لا يسوِّغ له الخروج من إحرامه، ولأن من دخل في نسك حج أو عمر لزمه إتمامه ولو كان تطوعا؛ لقوله الله عز وجل: (وأتموا الحج والعمرة لله).
اللهم فقهنا في الدين، واجعلنا هداة مهتدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واعلموا أنه يجب على الحجاج والمعتمرين مراعاة الأنظمة التي وضعتها الدولة وفقها الله تعالى فيما يتعلق بالحج والعمرة، فإن طاعة ولى الأمر في غير معصية الله تعالى من طاعة اللهU ، قال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي r أَنَّه قال: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» متفق عليه([8]).
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: «الواجب على الحجاج وفقهم الله هو التقيد بالتعليمات التي تأمر بها الدولة وفقها الله لمصلحة الحجاج؛ لأن الله سبحانه أوجب السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، والتعليمات التي تقوم بها الدولة لمصلحة الحجاج من جملة المعروف، ومخالفتها معصية ونقص في الأجر»([9]).
ولذا فقد صدر قرار هيئة كبار العلماء في هذه البلاد أنه لا يجوز الحج بلا تصريح؛ ومن حج بلا تصريح فهو آثم، لما في ذلك من معصية ولي الأمر، الذي أمر الله تعالى ورسوله r بطاعته، ولما في الالتزام بهذا النظام من التخفيف والتيسير على حجاج بيت الله الحرام، ودفع الحرج والمشقة عنهم، ومن لم يتمكن من استخراج التصريح لحج الفريضة لم يجب عليه الحج، لأنه في حكم غير المستطيع، لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله r: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا).
والحج بلا تصريح مع كونه معصية ومخالفة للأنظمة فإن ضرره لا يقتصر على المخالف فحسب، بل يتعدى إلى غيره، فيترتب عليه حصول الزحام، وأذية الحجاج، وإشغال الجهات المسؤولة، وكل ذلك محرم، لقول النبي r: (لا ضرر ولا ضرار)
والله نسأل أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يوفقنا لما يرضيه، وأن يجنبنا أسباب غضبه، إنه سميع مجيب.

([1]) أخرجه ابن ماجه (2901) والإمام أحمد (25322) وابن خزيمة (3074) وصححه الألباني في إرواء الغليل (981).
([2]) أخرجه البخاري (1819)، ومسلم (438) واللفظ للبخاري.
([3]) أخرجه البخاري (1773)، ومسلم (437).
([4]) هذا لفظ مسلم، وهو عند البيهقي في الكبرى (9524) بلفظ: (خذوا عني مناسككم)
([5]) أخرجه الإمام أحمد (2867) وحسنه الألباني في الإرواء (990) وأخرجه ابن ماجه (2883) بلفظ: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ» وحسنه الألباني.
([6]) أخرجه البخاري (1088) ومسلم (1339).
([7]) أخرجه البخاري (3006) ومسلم (1341).
([8]) أخرجه البخاري (7144) ومسلم (1839).
([9]) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (17/155).

خطب ذات صلة