الخطبة الأولى أحكام اليمين بالله تعالى 30/5/1447ه
إن الحمد لله . . أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون، (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور)
عباد الله . . لقد أمر الله تعالى العباد أن يعظموه حق عظمته، ويَقْدروه حق قدره، لما يستحقه سبحانه وتعالى من التعظيم والإجلال، ولما يتصف به جل وعلا من صفات الكمال والجمال، فهو سبحانه الواحد الأحد، الإله الحق الصمد، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، جل جلاله وتقدست أسماؤه.
وإن من تعظيم الله تعالى معاشر المسلمين، ألا يحلف العبد إلا باسم من أسماء الله، أو صفة من صفاته، لأن اليمين هي توكيد الكلام بذكر معظم عند الحالف، ولا شيء أعظم في قلوب المؤمنين الموحدين من ربهم جل وعلا، ولهذا كان من حلف بغير الله فقد أشرك، ولما سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما رَجُلًا يَحْلِفُ بالكعبة قَالَ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» رواه أبو داود([1]).
ولما سمع رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ t يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، قال: «أَلَا إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» متفق عليه([2])، وفي لفظ لمسلم: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ» ودل هذا الحديث على أنه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى، ولو كان الحالف لم يقصد حقيقة اليمين، لأنه يبعد في حق عمر رضي الله عنه أن يكون أراد حقيقة اليمين بأبيه، وإنما جرى ذلك على لسانه من غير قصد، على ما كانوا يعتادونه في الجاهلية، ومع هذا نهاه النبي صلى الله عليه وسلم، فمن حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بالآباء أو بالأولياء، أو غيرهم من المخلوقين المعظمين، فإنه يُنهى عن ذلك، ويجب عليه مجاهدة نفسه، إن كان معتاداً على الحلف بغير الله تعالى، حتى لا يحلف إلا بالله تعالى، ولذا فقد روى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ t عن النبي r أنه قال: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ»، قَالَ عُمَرُ t: «فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا ذَاكِرًا، وَلَا آثِرًا» متفق عليه([3])، والمعنى: ما حلفت بالآباء، ولا حكيت ذلك عن غيري.
ومن حلف بغير الله تعالى، فلا تنعقد يمينه، ولا يلزمه الوفاء بها؛ وإذا خالف ما حلف عليه فيها فلا كفارة فيها، لأنها يمين باطله، وإنما الواجب على من حلف بغير الله تعالى أن يتوب من ذنبه، وأن يعزم على عدم العود لهذه اليمين الشركية. لأن الحلف بغير الله شرك أصغر،
أيها المسلمون . . لا يجوز للمسلم أن يحلف بالأمانة،كقول بعضهم: وأمانتي لأفعلن كذا، فعَنِ بُرَيْدَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» رواه أبو داود([4])، وهذا وعيد شديد يدل على أنه كبيرة من كبائر الذنوب.
وينبغي للمسلم أن يحفظ يمينه، وألا يُكثر منها ولو حلف بالله تعالى صادقاً، ولا يحلف إلا عند وجود المقتضي للحلف، لقول الله تعالى: (واحفظوا أيمانكم)، وقوله سبحانه: (ولا تطع كل حلاف مهين) فقد ذم الله من نزلت فيه هذه الآية، ووصفه بأنه حلاف أي أنه مبالغ في الحَلِف، فهو مجترئ على الله تعالى غيرُ معظم له، ولأن من يكثر من اليمين ربما أدى به إلى الكذب فيها، وعدم القيام بالكفارة الواجبة عليه عند الحنث.
واعلموا رحمكم الله تعالى أن اليمين على ثلاثة أقسام، أولها يمين اللغو، وهي ما يجري على اللسان بغير قصد، كقول الإنسان في كلامه، لا والله، وبلى والله، فهذه اليمين لا يؤاخذ بها الحالف، ولا تجب فيها كفارة، لقول الله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم).
وأما القسم الثاني فهي اليمين الغموس، وهي أن يحلف على أمر ماض متعمدًا الكذب، كمن يحلف كاذباً لأكل مال غيره، فهذه اليمن من كبائر الذنوب، وسميت يمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم تغمسه في النار عياذا بالله تعالى، فعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أن النَّبيّ ﷺ قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) متفق عليه([5])، وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» رواه مسلم 137، واليمين الغموس لا كفارة فيها، لأن الجرم فيها عظيم، لا تكفره الكفارة، وإنما يجب فيها التوبة النصوح.
وأما القسم الثالث فهي اليمين المنعقدة وهي التي يحلفها الإنسان على أمر مستقبل أن يفعله أو لا يفعله، كما لو قال: والله لا أدخل بيت فلان، أو والله لا آكل طعام فلان، فهذه اليمين يمين منعقدة، متى ما تلفظ بها الإنسان وهو عاقل بالغ ذاكر مختار وجبت عليه الكفارة إذا حنث، أي إذا خالف ما حلف عليه، ومن حلف فقال في يمينه إن شاء الله بعد يمينه مباشرة، فلا كفارة عليه إذا حنث، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ فَلْيَمْضِ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَتْرُكْ" رواه أبو داود([6])، بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . . أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أن من حلف على يمين فحنث فيها وجبت عليه الكفارة، لقوله سبحانه: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانك إذا حلفتم، واحفظوا أيمانكم) فيخير الحالف بين ثلاثة أشياء إما أن يطعم عشرة مساكين أو يكسوَهم أو يعتقَ رقبة، فإن لم يجد انتقل إلى التكفير بصيام ثلاثة أيام، ولا يجزئ التكفير بالصيام إلا بعد العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق، وكفارة اليمين واجبة عند الحنث على الفور لا يجوز تأخيرها لغير عذر، والإطعام في الكفارة يكون للفقراء والمساكين الذين تحل لهم الزكاة، ومقدار الإطعام نصف صاع لكل مسكين أي ما يقارب كيلو ونصف من طعام البلد كالأرز والتمر ونحوه، ولا يجوز إخراج القيمة في كفارة اليمين، فلو أعطى المساكين مالاً عن الكفارة لم يجزئ لأن الله جل وعلا فرضها طعاما، والواجب أن يطعم عشرة مساكين، فلا يكفي أن يعطي المسكين الواحد ما يخص عشرة مساكين، ويجوز أن يعطي المساكين طعاماً مطبوخاً كأن يغدي عشرة مساكين أو يعشيهم، ويجوز أن يوكل ثقة يخرج الكفارة عنه للمساكين، ومن عجز عن الإطعام والكسوة والعتق لزمه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة لا يجوز له أن يفرقها إلا لعذر من سفر أو مرض ونحوهما، والله نسأل أن يفقهنا في الدين أن يجعلنا من حزبه المفلحين وأوليائه المتقين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وصلوا وسلموا . .
([1]) أخرجه أبو داود (3251)، والترمذي (1535)، وأحمد (6072)، واللفظ لأبي داود، وصححه الألباني في إرواء الغليل (2561).
([2]) أخرجه البخاري (6646)، ومسلم (1646).
([3]) أخرجه البخاري 6647، ومسلم 1646.
([4]) أخرجه أبو داود (3253)، وأحمد (22980)، وصحح إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (94).
([5]) رواه البخاري (6675)، ومسلم (88) من حديث أنس، واللفظ للبخاري.
([6]) أخرجه أبو داود (3262)، والنسائي (3830)، وأحمد (6103)، واللفظ له، وصححه الألباني في إرواء الغليل (2571).