مكتبـــــة الخطب

2025-09-23 13:07:39

خطبة صيام عاشوراء

إن الحمد لله . . أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله واشكروه على نعمه وفضله، وبادروا بالأعمال الصالحات، قبل دنو الأجل، وانقطاع العمل، وتذكروا قول الله عز وجل: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقون يا أولي الألباب)
عباد الله . . لما قدم النبي  المدينة، وجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله  : "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟" قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومَه، وغرَّق فرعونَ وقومَه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال رسول الله : "فنحن أحق وأولى بموسى منكم" فصامه، وأمر بصيامه.
فالنبي  وأمته أحق وأقرب لموسى عليه الصلاة والسلام من اليهود، فإننا موافقون له في التوحيد وأصول الدين، ومصدقون بكتابه، واليهود يخالفونه، بما جرى منهم من التحريف والتبديل.
فنحن أحق من اليهود بمتابعة موسى عليه السلام في صيام هذا اليوم شكرا لله تعالى على إنجائه وقومه.
ويؤخذ من هذا الحديث مشروعية شكر الله تعالى على النعم ودفع النقم، فموسى صام يوم عاشوراء شكرا لله تعالى، على ما أنعم به عليه وعلى المؤمنين، من إنجائهم وإهلاك عدوهم، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، يقابل نعم الله عليه بالشكر بقلبه ولسانه والعمل بجوارحه، فيقرُ بقلبه أن الله تعالى هو المنعم، لا منعم سواه، ويشكر الله تعالى بلسانه ويثني عليه بنعمه، ويسخر ما أنعم الله به عليه في الأعمال الصالحة، كما قال تعالى: (اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور).
معاشر المسلمين . . كان صيام يوم عاشوراء، واجباً على المسلمين في أول الأمر، فلما فُرض رمضان، نُسخ وجوبُ صوم يوم عاشوراء، فكان من شاء صامه ومن شاء أفطره، إلا أن في صيامه فضل عظيم، وصيامه سنة مؤكدة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " ما رأيت النبي  يتحرى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم ، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان " متفق على صحته، وصوم يوم عاشوراء يُكفِّر السنة الماضية، لما رواه أبو قتادة  أن النبي  سئل عن صيام يوم عاشوراء فقال : " يكفر السنة الماضية " رواه مسلم، وفي رواية له :" صيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلة "
ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، يشرع لمن أراد صيامه أن يصوم معه التاسع، مخالفة لليهود الذين يُفردون العاشر بالصوم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (حين صام رسول الله  يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله  : " فإذا كان العام المقبلُ إن شاء الله صمنا اليوم التاسع " قال : فلم يأت العام المقبلُ حتى توفي رسول الله . رواه مسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : " صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً " رواه أحمد.
وصيام عاشوراء يكون على مراتب، أفضلها صوم التاسع والعاشر، ثم صوم العاشر والحادي عشر، ثم صوم العاشر وحده.
عباد الله . . في هذا العام يصادف يوم عاشوراء يوم السبت، وقد ورد في الحديث: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) لكن حكم عليه جماعة من العلماء بأنه لا يصح، لاضطرابه، ومخالفته للأحاديث الصحيحة، ومنها ما في الصحيحين أن النبي  قال: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده» ومعلوم أن اليوم الذي بعده هو يوم السبت، وفي الصحيح أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل على جويرية بنت الحارث رضي الله عنها يوم الجمعة فقالت: إنها صائمة، فقال: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «أتصومين غداً؟» قالت: لا. قال: «فافطري» فهذا الحديث يدل على جواز صوم السبت في غير الفرض.
وبناءً عليه فلا حرج في صيام يوم السبت إذا وافق يوم عاشوراء، ولو صامه مفردا، لكن تقدم أن الأولى أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده.
ولأن من صام يوم عاشوراء مفردا ووافق يوم السبت لم يصمه لأنه يوم السبت، بل لأنه يوم عاشوراء.
بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واعلموا رحمكم الله أنه لا يشرع في يوم عاشوراء شيء من العبادات غير صيامه فقط، وقد نص على ذلك جماعة من العلماء، منهم الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله تعالى قال في مجموع فتاواه 2/296: (ولم يَرِد عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في هذا اليوم إلا صيامه).
فما سوى الصيام من العبادات فهو غير مشروع في يوم عاشوراء، بل ذلك من البدع المحدثة، كإحياء ليلة عاشورا بالقيام، وذبح الذبائح في يوم عاشوراء تقربا لأضرحة الأولياء، كما يُفعَل في بعض البلاد، وهذه بدعة شركية، لأن الذبح عبادة يُتقرب بها إلى الله تعالى وحده، لا يجوز صرفها لغيره، ومن البدع تخصيص يوم عاشوراء بالهدية، فيهدي بعضهم بعضا في هذا اليوم لأنه يوم عاشوراء.
ومن البدع اتخاذ يوم عاشوراء مأتما حزنا على قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فيه، وهذا أمر منكر، قال ابن رجب رحمه الله تعالى في اللطائف ص54: (وأما اتخاذه مأتما كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنه فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف بمن دونهم). وفي مقابل هؤلاء من يتخذ يوم عاشوراء يوم عيد وفرح، وهم النواصب، الذين يناصبون آل البيت العداء، فكل ذلك من الأمور المحدثة، ولا يجوز أن يُحدَث في يوم عاشوراء شيءٌ من شعائر الأعياد.
وقد وضع بعضهم أحاديث في يوم عاشوراء لا تصح عن رسول الله  منها حديث: (مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ) وحديث (من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد أبدا) وما يُروى من فضيلة الصلاة في يوم عاشوراء والصدقة وإطعام الطعام والاغتسال والخضاب فيه كل ذلك باطل.
والحاصل يا عباد الله أن المشروع في يوم عاشوراء هو صيامه تقربا إلى الله تعالى، وفيه فضل عظيم، وأجر جزيل، فاحرصوا على صيام هذا اليوم العظيم، وحث نسائكم وأولادكم على صيامه، واحتساب الأجر في ذلك.
والله نسأل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يتقبل منا، وأن يعفو عن زللنا، إنه جواد كريم.
وصلوا وسلموا . . .

خطب ذات صلة