إن الحمد لله . . .
أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع
الصادقين).
عباد الله . .
إنكم على مقربة من شهر عظيم، وموسمٌ كريم، يُعْظمُ اللهُ فيه الأجرَ ويُجْزلُ
المواهبَ، ويَفْتَحُ أبوابَ الخيرِ فيه لكلِ راغب، شَهْرُ الخَيْراتِ والبركاتِ،
شَهْرُ المِنَح والْهِبَات، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، شهرٌ
الرحمةِ والمغفرة والعتقِ من النارِ، ففِي الصحِيْحَيْنِ: عن أبي هريرة رضي الله
عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «إِذَا جَاءَ رمضانُ فُتِّحَت أبوابُ
الجنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النار، وصُفِّدتِ الشَّياطينُ». وإنما تُفْتَّحُ
أبوابُ الجنة في هذا الشهرِ لِكَثْرَةِ الأعمالِ الصَالِحَةِ وتَرْغِيباً
للعَاملِينْ، وتُغَلَّقُ أبوابُ النار لقلَّة المعاصِي من أهل الإِيْمان،
وتُصَفَّدُ الشياطينُ فَتُغَلُّ فلا يَخْلُصونُ إلى ما يَخْلُصون إليه في غيرِه.
معاشر المؤمنين . . بُلُوغُ رمضانَ نِعمةٌ كبيرةٌ عَلَى مَنْ بَلَغهُ وقَامَ
بحَقِّه بالرِّجوع إلى ربه من مَعْصِيتهِ إلى طاعتِه، ومِنْ الْغَفْلةِ عنه إلى
ذِكْرِهِ، ومِنَ الْبُعْدِ عنهُ إلى الإِنَابةِ إِلَيْهِ، وفي مواسم الخير تعلو
الهمم، ويتنافس المؤمنون، ويتسابق الصالحون، ويتجدد الإيمان في القلوب، فعن عبد
الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال النبي :" إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما
يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم ". رواه الحاكم برقم (5) وقال
الذهبي: رواته ثقات. وذكره الألباني في الصحيحة برقم (1585).
ومما يستقبل به شهر رمضان تذكر ما كان عليه السلف الصالح من المسارعة فيه إلى
القربات، والاجتهادِ فيه بالطاعات، حتى فازوا ونالوا برحمة الله ما نالوا.
نستقبل رمضان بالعزم الأكيد، على لزوم التقوى، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا
كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)
واحذر أيها الموفق من المخذلين لك في هذا الشهر، والمثبطين عن الخير، اللاهين
المضيعين أوقاتهم فيما لا يفيد، بل ربما أضاعوها فيما حرم الله عليهم.
نستقبل شهر الخير والبركة، بالتعرض فيه لنفحات الرحيم الوهاب، لعلنا أن نفوز برحمة
منه تمحو ذنوبنا، وتغفر خطايانا، فعن أنس مرفوعا: " افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا
لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله أن
يستر عوراتكم وأن يؤمن روعاتكم ". رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (720) وذكره
الألباني في الصحيحة برقم (1890) وحسنه.
نستقبل شهر رمضان بسلامة صدورنا لإخواننا المسلمين، وتنقيتها من الضغائن والأحقاد،
وملئها بالمحبة والوداد، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: " لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ،
ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" متفق عليه، وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ،
يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" متفق عليه، وعن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعرض الأعمال، في كل
اثنين وخميس، فيغفرُ الله لكل امرئ لا يُشركُ بالله شيئاً، إلا امرأً بينه وبين
أخيه شحناء فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا" رواه مسلم. والتحريشُ بين المسلمين،
والإفسادُ فيما بينهم، وتغييرُ قلوب بعضهم على بعض، إنما هو من نزغات الشيطان
ووساوسه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: "إن الشيطان قد أيس أن
يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" رواه مسلم، فهو لم ييأس من
إيغار صدور بعضهم على بعض، وإيقاع الخصومة بينهم.
وقد ورد وعيد شديد، فيمن يهجر أخاه المسلمَ فوق ثلاثةِ أيام، فعن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق
ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فماتَ دخل النار" رواه أبو داود، قال النووي: بإسناد على
شرط البخاري ومسلم، وهذا الوعيد في حق المتخاصمَين على أمر دنيوي، بحيث يُعرض كلُ
واحد منهما عن الآخر، أما لو كان الإعراض من أحدهما دون الآخر، فالإثم على المعرض
وحده.
وينبغي لمن علم بالخصومات بين المسلمين، أن يسعى جاهداً في الإصلاح فيما بينهم،
خاصة عند دخول شهر رمضان فالنفوس مهيئة، والقلوب مقبلة، وفي ذلك أجر عظيم عند الله،
يقول سبحانه: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ
بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) وعن أبي الدرداء رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضلَ من درجة
الصيام والصلاة والصدقة؟" قالوا: بلى. قال: "إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين
الحالقة" رواه أبو داود، والمعنى أن فساد ذات البين، تحلق الدين وتستأصله كما يُحلق
الشعر.
بارك الله لي ولكم . . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، واستقبلوا شهر رمضان بالدعاء
أن يبلغكم الله إياه وأن يعينكم فيه على طاعته، وأن يتقبله منكم، وأن يجعلكم فيه من
العتقاء من النار، وألا يجعلكم فيه من المحرومين، فقد كان السلف الصالح رحمهم الله
تعالى يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا بلغوه سألوه أن يوفقهم فيه،
ويرزقهم الجد والنشاط فإذا أكملوه سألوا الله بقية السنة أن يتقبله منهم.
استقبلوا شهر رمضان بالجود بأنواعه، الجود بالمال والجاه والعلم وغيره، فقد كان
النبي أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.
عباد الله . . ويقابل أهل الإيمان الذين يستقبلون رمضان بالدعاء والأعمال الصالحات،
أناس يستقبلونه عياذا بالله من حالهم باللهو وبرامج الغناء، وأفلام المجون والخنا،
كما هو حال بعض القنوات الفضائية، فيسنون سنة سيئة يحملون وزرها ووزر من عمل بها
إلى يوم القيامة، فلهم نصيب من قول الله عز وجل : (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم
القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون) فكن أيها المؤمن على
حذر مما يروج في هذه القنوات الفاسدة من باطل وإثم، فإنه وإن كان حراما في كل حين
إلا أنه في شهر رمضان إثمه أعظم، ووزره أكبر.
إن شهر رمضان فرصة عظمى للمقصرين في الطاعات أن يبادروا إليها، وأن يجتهدوا فيها،
فالأعوان كثيرون، والشياطين مصفدون، والنفوس راغبة، وعن الشر قاصرة،
فيا من تتخلف عن الصلوات، ونام عن الجمع والجماعات، أما آن لك أن تتوب وإلى ربك
ترجع وتؤوب، فاحمد الله أن مد في أجلك لتبلغ مواسم الخيرات، فتغسل الذنوب بدموع
التوبة، وتحط الخطايا بالأعمال الصالحة.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تبلغنا شهر رمضان، في عفو وعافية،
وأن تعيننا فيه على ما يرضيك، وأن تتقبل منا صالح العمل، وأن تغفر عن كثير الخطايا
منا والزلل، وأن تجعلنا فيه من عتقائك من النار، ومن الفائزين بجنات النعيم، يا رب
العالمين.