مكتبـــــة الخطب

2025-06-19 22:35:42

من المخالفات في قسمة الميراث

إن الحمد لله . . .
أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)
عباد الله . . إن من كمال شريعة الإسلام، أن بيَّنت ما يحتاج الناس إليه في حال حياتهم وبعد مماتهم، فشرعت الأحكام وأحكمت الشرائع، وأوضحت السبل التي تكفل لمن سلكها سعادة الدنيا والآخرة.
ومن ذلك معاشر المؤمنين ما شرعه الإسلام من قسمة الميراث بين الورثة، وتفصيل حقوق الوارثين من غير زيادة ولا نقص، بل تولى الله جل جلاله ذلك وبينه في كتابه، وأوضحه غاية الإيضاح، حتى قال نبينا : (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوراث) رواه أبو داو (2870) وقال الألباني: حسن صحيح.
وحذر الله تعالى مِن تَعَدِّي حدودِه في الميراث، ومخالفةِ أمره، فختم آيات المواريث بقوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ).
أيها المسلمون . . ومع هذا البيان الشافي لأحكام المواريث في كتاب الله تعالى، والتحذيرِ من تعدي حدوده فيها، فقد وقع بعض المسلمين في مخالفات كثيرة في قسمة الميراث، تجاوزا فيها ما حده الله لهم، واعتدوا على حقوق غيرهم.
فمن تلكم المخالفات: منعُ المرأة من الحصول على ميراثها، كأن يحرمها أبوها من الميراث صراحة، كما لو أوصى بتوريث الأبناء دون البنات، وهذا حرام عليه، ووصيته باطلة شرعا، لا يحل تنفيذها.
وقد يكون منعهن من الميراث بالحيلة المحرمة، كأن يُهدِي من ماله في حياته لأولاده الذكور دون الإناث، أو يبيع للذكور بعض أملاكه بيعا صوريا لا حقيقة له، وغرضه من هذا كلِه التضييقُ على بناته في الميراث، وتوفيرُ المال للذكور.
وبعض الآباء يقسم ماله في حياته على أبنائه، ويسترضي البنات بالقليل من المال الذي هو دون حقهن، أو يطلبُ منهن التنازل عن نصيبهن، فيُجِبْنَهُ إلى ذلك حياءً منه، وهن لم يتنازلن حقيقة، ولم تطب أنفسهن بذلك، فهذا كله حرام على الأب، وفعله باطل شرعا.
وقد يكون المنع من الميراث من قبل الإخوة فيستأثرون بالميراث دون أخواتهم، ويحرمونهن ما فرضه الله تعالى لهن، مُستغلِّين ضعف حال كثير من النساء، وقلة حيلتهن.
وهؤلاء الذين يمنعون المرأة من ميراثها يحتجون بحجة واهية؛ إذ يقولون إن توريث المرأة يجعل المال ينتقل إلى أسرة أخرى أجنبية عن أسرتنا، وهي حجة داحضة، لأن الزوج لا يعد أجنبيا عن أسرة زوجته بعد أن ربط الإسلام بينهما برباط وثيق، وهو عقد الزوجية الذي قال الله فيه: (وأخذن منكم ميثاقا غليظا).
فليتق الله أولئك الذين يَحْرِمون المرأة من حقها في الميراث، أو يماطلونها في أخذه، وليعلموا أن الظلم ظلُماتٌ يوم القيامة، ودعوة المظلوم مستجابة، ليس بينها وبين الله حجاب، وعاقبة الظلم وخيمة على الظالم في الدنيا قبل الآخرة، أياً كان المظلوم قريبا أو بعيدا، إلا أن ظلم القريب أعظم أثما عند الله تعالى، لما فيه من الظلم والإساءة إلى ذي الرحم، الذي يجب وصله والإحسان إليه.
عَنْ عروة بن الزبير رحمه الله تعالى: أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ، ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ  - أحد العشرة المبشرين بالجنة - أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ - وكان هو الوالي - فَقَالَ سَعِيدٌ : أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ له مروان: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ»، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ سعيد : «اللهُمَّ، إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا»، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا، إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ. متفق عليه. رواه البخاري (3198) ومسلم (1610) واللفظ لمسلم.
معاشر المسلمين . . ومن صور المخالفة في توزيع الميراث أن يستولي الأخ الأكبر على الميراث، ويماطل بقية الورثة في إعطائهم حقوقهم، خاصة الوارثات من النساء أو القصر من الصغار وكبار السن، حتى ربما ترك بعض الورثة حقه جراء مماطلته، وقد توعد الله عز وجل الآكل لأموال اليتامى بالوعيد الشديد فقال سبحانه: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ) رواه ابن ماجه (3678) وحسنه الألباني. ومعنى (أُحرِّج حق الضعيفين) أي أُحذِّر من الوقوع في الإثم بتضييع حقهما.
وينبغي لمن علم بشيء من هذا الظلم أن يسعى ما استطاع في نصرة المظلوم، وأخذِ الحق له، وكف الظالم عن ظلمه، امتثالا لأمر النبي  بنصر المظلوم. رواه البخاري (2445). وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ) رواه البخاري (6952).
وليَعلم المتولي على أموال القاصرين أنه لا يجوز له التنازلُ عن شيء من نصيبهم في الميراث، ولو كان التنازل لقراباتهم، وكذا لا يحل له التبرع بشيء من نصيبهم في الميراث، بل يجب عليه استيفاء حقهم كاملا، لقول الله عز وجل: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) وليس من الإحسان إلى القاصر أن يُتنازل عن شيء من ماله أو يُتبرعَ به، ومتى ارتفعت الوِلاية عن القاصرين، تصرفوا في مالهم بما شاؤوا.
بارك الله لي ولكم . . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واعلموا أن من المخالفات في الميراث، ما ينادي به بعضهم من المساواة بين المرأة والرجل في الميراث، وهؤلاء إن كانوا من الكفرة فليس هذا بمستغرب منهم، وإنما الغريب أن ينادي بهذه الدعوى بعضُ من ينتسب إلى الإسلام، أما قرأ هؤلاء قول الله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) أيريدون أن يردوا كلام الحكيم الخبير بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة، ثم إن المتأمل في حكمة تفضيل الذكر على الأنثى يجد أن الإسلام إنما فضل الذكر لما يلزمه شرعا من التكاليف المالية التي لا تلزم الأنثى، فهو مطالب بدفع المهر عند النكاح، والنفقة على زوجه وولده حتى وإن كانت الزوجة غنية، والأنثى غير مطالبة بكثير من التكاليف المالية، بل الغالب أن مالها محفوظ عندها، كما أن الذكر أقدر من الأنثى على حفظ المال وتنميته والإفادة منه، والمرأة دونه في ذلك.
ودين الإسلام قد أنصف المرأة، وأعطاها حقا في الميراث، بعد أن كانت في الأمم السابقة للإسلام مهانة وضيعة، تُورَثُ كما يورث المتاع.
ومن المخالفات في توزيع الميراث تأخير قسمة التركة بلا عذر، وهذا خطأ كبير، ربما ترتب عليه ما لا تحمد عقباه من ضياع الحقوق، وصعوبة القسمة بعد ذلك، خاصة إذا مات بعض الورثة جيلا بعد جيل، ولذا فالواجب على الورثة أن يبادروا بقسمة التركة في أقرب وقت ممكن، وأن يوكلوا عند الحاجة أكثرَهم أمانة وقوة في هذا الأمر، وعليه أن يتقي الله عز وجل، ويسعى جاهدا في إيصال الحقوق لأصحابها، وأن يبدأ قبل قسمة الميراث بسداد ديون الميت إن كان عليه ديون، سواء أكان الدين لله كالزكاة التي وجبت على الميت في حياته، أو الكفارات التي مات قبل إخراجها، أم كان الدين للآدميين فيجب المبادرة بسداد جميع ديونه، ثم يُخرِج وصيته إن كان قد أوصى، ولا ينفذ من الوصية إلا ما كان قدر ثلث التركة أو أقل، أما ما زاد عن الثلث فموقوف على إجازة الورثة البالغين الراشدين، فإن أجازوه نفذ في نصيبهم وإلا لم ينفذ من الوصية إلا قدر الثلث، ثم ما فضُل بعد سداد الدين وإخراج الوصية فهو ميراث يُقسَم بين الورثة؛ لقول الله عز وجل بعد أن ذكر آيات المواريث وقسمتها بين أصحابها: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ).
وينبغي للورثة أو وكيلهم أن يراجعوا أهل العلم فيما يشكل عليهم، وفي معرفة ما يستحقه كل وارث، ليسلموا من مخالفة ما شرعه الله، ومن الوقوع فيما حرم الله عليهم.
والله نسأل أن يفقهنا في الدين، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وأن يعصمنا من الظلم وأكل المال بالباطل، وأن يجعلنا من عباده المتقين وأوليائه الصالحين.

خطب ذات صلة