مكتبـــــة الخطب

2025-10-06 10:03:24

بر الوالدين

إن الحمد لله . . أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين، واشكروا الله على نعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) فإنه بالشكر تدوم النعم، وبكفرها تحل النقم، (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد).
أيها المسلمون . . لقد رفع الله تعالى شأن الوالدين، وعظم حقهما، وقرن الإحسان إليهما بعبادته، فقال سبحانه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي وصى وأوجب ربك، ألا تعبدوا إلا إياه، وأحسنوا إلى الوالدين إحساناً، وقال عز وجل: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)
عن عَبْدِ اللهِ بن مسعود  قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» متفق عليه - البخاري 2782، ومسلم 85 -
وحق الأم يا عباد الله أعظم من حق الأب؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: " ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» متفق عليه. - البخاري 5971، ومسلم 2548 - وقال ابن عباس رضي الله عنهما : "لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ" رواه البخاري في الأدب المفرد (4) وصححه الألباني، وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» متفق عليه. - البخاري 3004، ومسلم 2549 -
وبر الوالدين سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» رواه مسلم 2551، ومعنى (رغم أنفه) أي ألصق بالرغام وهو التراب، وهو كناية عن لحوق الذلِ والخزيِ به، لأن من أدرك أبويه في حال كبرهما أو أدرك أحدهما ثم فرط في برهما والإحسان إليهما، فقد فوت على نفسه سبباً عظيماً من أسباب النجاة من النار، فكان حرياً بالذل والعار ودخول النار.
وقد أمر الله جل وعلا ببر الوالدين وإن كانا مشركين فقال سبحانه: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) فبر الوالدين المسلمين أولى وأولى، إلا أنهما لا يطاعان في معصية الله تعالى لأن حق الله أوجب وأعظم من حقهما.
معاشر المسلمين . . مهما اجتهد الولد في بر والديه، والإحسانِ إليهما، فلن يوفي حقهما، إلا أن يجد أحدهما مملوكاً فيشتريه فيعتقه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِده، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» رواه مسلم 1510، وعن أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عُمَرَ وَرَجُلٌ يَمَانِيٌّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، حَمَلَ أُمَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، يَقُولُ:
إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلُ ... إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرِ.
ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ أَتُرَانِي جَزَيْتُهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ. رواه البخاري في الأدب المفرد (11) وصححه الألباني.
والبر بالوالدين كما يكون في حياتهما يكون بعد موتهما وذلك بالدعاء لهما والصدقة عنهما وإكرام صديقهما فعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" رواه مسلم 1631، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ" رواه ابن ماجه 3660، وقال البوصيري: إسناده صحيح. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا - أي بستانا يخرف منه الثمر - وَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا. رواه أبو داود 2882، وصححه الألباني.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ. وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً، كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ ثم قال: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ» رواه مسلم 2552.
بارك الله لي ولكم . . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أنه كما يجب بر الوالدين فيحرم العقوق لهما، بل العقوق من أكبر الكبائر؛ لما روى أبو بكرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ" فَمَا زَالَ يَقُولُهَا، حَتَّى قُلْتُ: لاَ يَسْكُتُ. متفق عليه. - البخاري 5976، ومسلم 87 - وأكد النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم العقوق في حق الأم، لعظم حقها، ولأن عقوق الأولاد للأمهات أكثر منه للآباء لما عرف من لين النساء وضعفهن، فعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ  قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ" متفق عليه. – البخاري 2408، ومسلم 593 -
والعاق لوالديه ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَلْعُونٌ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ) رواه الطبراني في الأوسط 8497، - وصححه لغيره الألباني في صحيح الترغيب 2/622 -
وفي المقابل فإن من بر بوالديه فليبشر بحسن العاقبة في الدنيا بسعة الرزق والبركة في العمر، وببر أولاده له، جزاء وفاقا، فإن الجزاء من جنس العمل، هذا مع ما يُدَّخر له من الجزاء الجزيل عند الله يوم القيامة.
وإن من صور البر المشرقة في هذا العصر تسابق الأبناء والبنات في بر آبائهم وأمهاتهم، ومبادرتهم إلى إدخال السرور عليهم، وقضاء حوائجهم، ومرافقتهم في مرضهم، ومتابعتهم لأمورهم، والتلطف عند محادثهم، وحفظ حقهم ومكانتهم، ومشاورتهم في الأمور المهمة، وغير ذلك مما داخل في الإحسان إليهم، وليبشر هؤلاء البررة بالجزاء العظيم في الآخرة، وحسن العاقبة في الدنيا، بسعة الرزق وصلاح الأولاد، وتيسير الأمور، وتفريج الكربات، والله المسؤول أن يعيننا على بر والدينا أحياءً وأمواتنا، اللهم من كان منهم حيا فمتعه بصحة وعافية، واختم لنا وله بخاتمة حسنة، ومن كان منهم ميتا فتغمده بواسعة رحمتك ومغفرتك، واجمعنا بهم وبأحبابنا في الفردوس الأعلى يا كريم.
وصلوا وسلموا . .

خطب ذات صلة