إن الحمد لله . .
أما بعد، فأوصيكم عباد الله بما أوصى الله به الأولين والآخرين (ولقد وصينا الذين
أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) فإن في تقواه سعادة العبد في دنياه
وأخراه.
أيها المسلمون.. إن تغير الأحوال الكونية, ووقوع الحوادث الأرضية، لدليل على عظمة
الخالق وقدرته، وعظيم بأسه وقوته، (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وهذا موجب للعباد، أن
يخافوا من ربهم، ويقلعوا عن ذنوبهم، ويَصْحُوا من غفلتهم، ويتداركوا ما فاتهم، قبل
حلول غضب الله عليهم، ونزول بأسه بهم، قال سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي
عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ
بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) وقال جل وعلا:
(وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء
وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ{42} فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا
تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ{43} فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ
أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) ولقد أخبرنا الله تعالى في كتابه
الكريم، عن كثير من الأمم السابقة، الذين خالفوا أمره، وعصوا رسله، فأنزل بهم أنواع
العذاب (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ
حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ
الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن
كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وقال عز وجل: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً
كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ).
فاحذروا يا عباد الله، من التساهل في أوامر الله، أو التجرؤِ على معاصيه، فإن الله
ما ذكَّرنا في كتابه بأحوال السابقين، وما أوقع بهم من العقوبات إلا لنتوب إليه،
ونقبل بقلوبنا عليه.
عباد الله.. لقد كَسَفت الشمس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ففزع لذلك، وقام
مسرعا يجر رداءه، حتى دخل المسجد، فاجتمع الناس إليه، فصفهم وراءه، وصلى بهم
ركعتين، بأربع ركوعات وأربع سجدات، جهر فيهما بالقراءة، وأطال الصلاة جداً، وكان
ذلك هو اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابنُ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الناس:
كَسفت الشمس لموت إبراهيم، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قام فخطب
الناس، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إن الشمس والقمر هما آيتان من
آيات الله، يخوف الله بهما عباده، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما
فافزعوا إلى الصلاة. وفي رواية: "فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا
وَتَصَدَّقُوا. ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ
أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ
مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا
وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا، حَتَّى أَرَى مِنْهُ
لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا
أَوْ رِيحًا، عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَى
النَّاسَ، إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ
الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ؟
قَالَتْ: فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ،
قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا:
{هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}" متفق عليه. - البخاري 4828، ومسلم 899 -
قال النووي رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث:" فيه الاستعداد بالمراقبة لله،
والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال، وحدوثِ ما يخاف بسببه، وكان خوفه صلى الله عليه
وسلم أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسروُره لزوال سبب الخوف".
أيها المسلمون... إن وقت حدوث الكسوف كان معروفاً عند علماء الفلك منذ القِدَم، فهم
يعلمون ذلك بأسباب معروفة عندهم، وليس ذلك من علم الغيب في شيء، إلا أن هذا العلم
بوقت الكسوف، لا ينفي كونه تخويفاً من الله لعباده، وتحذيراً لهم من بطشه وعقابه،
وأما ربط سبب الكسوف بأسباب طبيعية، ونفي أسبابه الشرعية وهي الذنوب والمعاصي، فهذا
من الضلال المبين، المخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الله
تبارك وتعالى يقول: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً).
ولذا فإن حال أهل الإيمان والتقوى عند وقوع الكسوف: أن تكون قلوبهم خاشعة، وعيونهم
دامعة، وألسنتهم بالدعاء متضرعة، تخاف سطوة الجبار ونقمته، وحلول عذابه بها وسخطه،
وأما حال كثير منا عند الكسوف فهو في غفلته ولهوه ولعبه، فإلى الله المشتكى.
واعلموا رحمكم الله تعالى أن الله جل وعلا قد يُؤخر عقوبة العصاة في الدنيا، إملاء
لهم واستدراجاً بهم، ليزداد إثمهم ويعظم وزرهم، قال سبحانه: (وَلَا يَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا
نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) وقال جل وعلا:
(أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ
فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ) وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ
بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ
إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) ومعنى الاستدراج أن الله تعالى يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه
المعاش في الدنيا، حتى يغتروا بما هم فيه، ويحسبون أنهم على شيء، حتى إذا أخذهم
أخذهم أخذ عزيز مقتدر، روى الإمام أحمد 17311 عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي
الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ
اسْتِدْرَاجٌ " ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ
حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ
مُبْلِسُونَ} وقال الألباني في الصحيحة 1/774: وهذا إسناد قوي.
بارك الله لي ولكم...
الخطبة الثانية:
الحمد لله العلي الكبير، المنزَّه عن النِّد والنظير، وأشهد ألا إله إلا الله وحده
لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله
النذير البشير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد.
فاتقوا الله أيها المسلمون، وتوبوا إلى ربكم، وانتبهوا من غفلتكم قبل أن تقول نفس
يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين، واسمعوا إلى كلام ربكم وهو
يدعو عباده إلى التوبة إليه، ويرغبهم في الإنابة إليه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ
الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ) وكان نبينا صلى الله عليه وسلم وقد غُفر له ما
تقدم من ذنبه وما تأخر يُكثِر من الاستغفار والتوبة ويقول: " «وَاللَّهِ إِنِّي
لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ
مَرَّةً» رواه البخاري 6307، والله جل وعلا يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار،
ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من
مغربها لم تقبل التوبة حينئذٍ.
فبادروا رحمكم الله إلى التوبة قبل حلول آجالكم، واستعدوا للقاء ربكم قبل انقضاء
أعماركم, واعتبروا بمن مات قبلكم من إخوانكم.
اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً قبل الممات، اللهم تب على التائبين، واغفر ذنوب
المستغفرين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.