الخطبة الأولى بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان 11/8/1447ه
إن الحمد لله..
أما بعد فإن خير الحديث كلام الله . .
وأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله في أقوالكم وأعمالكم، وراقبوه في سركم وعلانيتكم، واستعدوا ليوم مماتكم، وعرضكم على خالقكم، (يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافيه).
|
|
أيها المسلمون . . إن الله جل وعلا لم يتوف نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن بلغ البلاغ المبين، وأكمل الله به الدين، وأتمَّ به النعمة على المسلمين، كما قال سبحانه: (الْيَوْم َأَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي َرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الإحداث في الدين والابتداع فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" متفق عليه أي مردود على صاحبه غير مقبول. والمراد بالبدعة يا عباد الله: ما أحدثه الناس في الدين، من العقائد والأعمال والأقوال، المخالفة لما كان عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وصحابتُه الكرام رضي الله عنهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" رواه أبو داود.
معاشر المسلمين . . وإن من الأمور المحدثة ما ابتدعه بعض الناس من الاحتفال بليلة النصف من شعبان، حيث أحدثوا فيها بدعاً منكرة، وخصوها بأنواع من العبادات لم يأت الشرع بها، فمن ذلك تخصيصها بصلاة تسمى صلاة الألفية، وهي مائة ركعة يقرؤون في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص عشر مرات، فيقرؤون سورة الإخلاص في هذه الصلاة ألف مرة، وربما اجتمعوا في المساجد لأداء هذه الصلاة، وسماع القَصص والدعاء، وهذه الصلاة بدعة أنكرها العلماء، والحديث المروي في صفتها وفضلها موضوع مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم([1]). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذه الاجتماع لهذه الصلاة تلك الليلة وفعلها دائما: "بدعة، لم يستحبها أحد من الأئمة"([2]).
ومما أُحدث أيضاً في هذا الشهر صيام يوم النصف منه، ويعتقدون أن لصيامه فضلاً على غيره، وهذا كله من البدع المحدثة في الدين، فإنه لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خص ليلة النصف من شعبان بقيام من بين الليالي، ولا خص يومها بصوم من بين الأيام، ولا يعرف ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، وهم أحرص الناس على الخير، ولو كان في تخصيص هذه الليلة ويومها بشيء من العبادات فضيلة، لسبقونا إليها، بل لو ثبت لليلة النصف من شعبان فضيلة على غيرها من الليالي، لما كان ذلك حجة لتخصيصها بعبادات لم يدل الشرع عليها ، فإن يوم الجمعة مع كونه يوماً فاضلاً دلت النصوص الكثيرة على فضله ، إلا أنه لا يجوز لنا أن نخصه بنوع من العبادات مما لم يأت الشرع بتخصيصها فيه، لقوله عليه الصلاة والسلام :"لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يومها بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" رواه مسلم، فلما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تخصيص ليلة الجمعة ويومها بشيء من العبادات، دل ذلك على أن غيرها لا يجوز تخصيصه بعبادة إلا بدليل من الشرع.
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله تعالى قال: «لَمْ أُدْرِكْ أَحَدًا مِنْ مَشْيَخَتِنَا وَلَا فُقَهَائِنَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَمْ نُدْرِكْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَرَى لَهَا فَضْلًا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنَ اللَّيَالِي»([3]).
فاحذروا رحمكم الله تعالى من الابتداع في الدين فإن البدع عواقبها وخيمة وآثارها سيئة، وربما تدرجت بصاحبها حتى تخرجه من الدين عياذا بالله، يقول الامام مالك رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فما لم يكن يومئذٍ ديناً فلا يكون اليوم ديناً"([4]). اللهم ثبتنا على الإسلام والسنة وجنبنا البدع والمحدثات برحمتك يا أرحم الراحمين.
|
الخطبة الثانية:
الحمد لله ولي الصالحين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأرضين وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد.
فاتقوا الله أيها المسلمون واعلموا أن كل بدعة يزينها الشيطان في نفوس أصحابها؛ ليصرفهم عن السنة، ويشغلهم بالبدعة، ولهذا فُتن بالبدع كثير من المسلمين، وضلوا عن الصراط المستقيم، وهدي السلف الصالحين، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: " «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا؛ فَقَدْ كُفِيتُمْ كُلَّ ضَلَالَةٍ»([5])" أي اتبعوا هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم ولا تتكلفوا عباداتٍ من عندكم، فالعبادات كما لا يجوز النقص منها، لا يجوز الزيادة فيها إلا بدليل من الشرع.
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُكْثِرُ فِيهَا الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ فَنَهَاهُ، - لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي سنة الفجر - فَقَالَ الرجل: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ يُعَذِّبُنِي اللهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ يُعَذِّبُكَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ"([6]).
والله نسأل أن يعيذنا من البدع والمحدثات، وأن يسلك بنا سبيل سلفنا الصالحين، وأن يثبتنا على السنة، وأن يتوفانا وهو راض عنا غضبان.
اللهم أعز الإسلام . .
([1]) ينظر: الفوائد المجموعة للشوكاني 1/50، 51.
([2]) مجموع الفتاوى 23/131.
([3]) رواه ابن وضاح في البدع 2/92، نقلته بتصرف يسير.
([4]) رواه بإسناده ابن حزم في الإحكام 6/58، وينظر: الاعتصام للشاطبي 1/66.
([5]) رواه ابن وضاح في البدع 1/37.
([6]) رواه البيهقي في السنن الكبرى 4131.