الخطبة الأولى توجيهات للحجاج والتزامهم بالأنظمة 28/11/1447ه
إن الحمد لله . . . أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المؤمنين، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد . . .)
عباد الله . . إن من أركان الإسلام، ومبانيه العظام، حج بيت الله الحرام، فالحج والعمرة واجبان في العُمُر مرة واحدة على من توفرت فيه شروطهما، قال الله عز وجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وعن عائشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: (نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ، لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ)( ).
وفي أداء الحج والعمرة فضل عظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» متفق عليه( )، وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» متفق عليه( ).
والحج المبرور ما جمع وصفين:
الأول: الإخلاص لله تعالى في أعمال الحج، فيريد بها الحاج وجه الله تعالى وثوابه، لا مراءاة الناس ومدحهم، فمن أراد بحجه الرياء والسمعة، أو لم يرد به إلا غرضا دنيويا لم يكن حجه مبرورا، بل إنه يأثم بهذه النية الفاسدة.
لقول الله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) ولما في الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى قال: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) رواه مسلم.
والوصف الثاني ليكون الحج مبروراً: أن يكون الحاج متبعا لهدي النبي ، بحيث يؤدي مناسك الحج على وفق ما شرعه النبي ، لقول جَابِر : " رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» مسلم (1297)( )
فلا يقع منه في حجه ابتداع في الدين، أو معصية لله تعالى؛ سواء أكانت المعصية متعلقة بالنسك، كمن يفعل محظورا من محظورات الإحرام بلا عذر، أو يترك واجبا من واجبات الحج بلا عذر، أم كانت المعصية في غير النسك، كالغيبة والكذب والنظر إلى النساء الأجنبيات وغير ذلك من المعاصي، ويدخل في ذلك معصية ولي الأمر فيما أمر به من المعروف، فكل من عصى الله في حجه لم يكن حجه مبرورا؛ لقول الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
معاشر المسلمين . . من توفرت فيه شروط الحج فالواجب عليه المبادرة بأدائه، ولا يجوز تأخيره بلا عذر؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يَعْنِي: الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رواه الإمام أحمد( ).
ومن تعظيم شعائر الله تعالى في الحج والعمرة أداؤهما كما شرع الله لعباده، وذلك بالتفقه في أحكام المناسك قبل أدائها، لئلا يقع من الحاج أو المعتمر من المخالفات ما يبطل نسكه أو ينقص أجره.
وعلى المرء أن يتقي الله في نفسه، وأن يرفق بها، ولا يكلِّفها ما لا تطيق، عملا بقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
وليحرص الحاج أن يكون حجه بالنفقة الحلال، فإن الله تعالى طيب، لا يقبل إلا طيبا، ولا يجوز الحج بالمال الحرام، ولا يجوز للمرأة السفر للحج أو العمرة بلا محرم؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» متفق عليه( ).
اللهم فقهنا في الدين، واجعلنا هداة مهتدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واعلموا أنه يجب على الحجاج والمعتمرين مراعاة الأنظمة التي وضعتها الدولة وفقها الله تعالى فيما يتعلق بالحج والعمرة، فإن طاعة ولى الأمر في غير معصية الله تعالى من طاعة الله ، قال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي أَنَّه قال: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» متفق عليه( ).
ولذا فقد صدر قرار هيئة كبار العلماء في هذه البلاد أنه لا يجوز الحج بلا تصريح؛ ومن حج بلا تصريح فهو آثم، لما في ذلك من معصية ولي الأمر، الذي أمر الله تعالى ورسوله بطاعته، ولما في الالتزام بهذا النظام من التخفيف والتيسير على حجاج بيت الله الحرام، ودفع الحرج والمشقة عنهم، ومن لم يتمكن من استخراج التصريح لحج الفريضة لم يجب عليه الحج، لأنه في حكم غير المستطيع، لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا).
عباد الله . . لقد تيسر للحجاج والمعمرين أداء النسك في هذا الزمان ما لم يتيسر مثله في زمان مضى، وذلك من فضل الله تعالى وإحسانه أولاً، ثم بما تقوم به هذه الدولة المباركة من بذل الغالي والنفيس في خدمة الحرمين الشريفين، ورعاية قاصديهما، فنسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يجزي خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين خير جزاء وأوفاه، وأن يمد في عمرهما على عمل صالح، وأن يجعل ما يقدمانه للإسلام والمسلمين في بقاع الأرض في ميزان حسناتهما، ومن ذلك عنايتهما بكتاب الله تعالى، ورعايةُ المسابقات القرآنية محلية ودولية، ودعمُ مدارس القرآن الكريم، وتكريمُ حفظته، فمن حقهم ولاة أمرنا علينا أن نكثر من الدعاء لهم بالتوفيق والإعانة والسداد، وأن ينصر الله بهم دينه وأن يعلي بهم كلمته.
والله نسأل أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل شر وبلاء وفتنة، وأن يديم علينا نعمة الأمن والإيمان، وأن يتولانا بولايته، وأن يكلأنا برعايته وعنايته، إنه سميع مجيب.