كل الأقسام

الدليل

2026-09-23 22:26:21

المجلس الثاني (كتاب القصاص)

شرح عمدة الأحكام للمقدسي

برنامج دليل 1448هـ

من الحديث 332- 341

الحمد لله .. أما بعد:

قال المؤلف A:

كِتَابُ القِصَاص

القصاص في الشرع: أن يفعل بالجاني مثلَ فعله، مِن قتلٍ أو قطعٍ أو جَرْحٍ بشروطه.

والأصل في القصاص، الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.

فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿~  ¡ ¢ £ ¤﴾ الآية، وقوله سبحانه: ﴿\ ] ^ _ `a﴾.

وأما السنة، فعدة أحاديث، منها أحاديث الباب.

وأجمع العلماء عليه في الجملة.

وهو مقتضى القياس، فهو المساواة بين الجاني والمجني عليه.

والحكمة من مشروعية القصاص تظهر في قوله تعالى: ﴿¤ ¥ ¦ §﴾، أي لكم في هذا الحكم الذي شرعه الله لكم حياة.

وذلك لأن الرجل إذا علم أنه سيُقتل قصاصاً إذا قَتل غيرَه عمدا عدوانا، فسوف يَكفُّ عن القتل، وإذا كفَّ عن القتل ففي ذلك حياة للناس.

ولهذا نجد كثرة جرائم القتل في البلاد التي لا تحكم بالشريعة، ولا يُنفَّذ فيها القصاص من القاتل.

الحديث (332)

عَنْ عبدِ الله بْنِ مسعُودٍ I قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امرئ مُسْلمٍ يَشهدُ أن لا إله إلا الله وَأني رَسُولُ الله إلا بإحْدَى ثلاث: الثيبُ الزاني، وَالنفْسُ بِالنَفْس، وَالتاركُ لِدِينهِ المُفَارِقُ لِلجمَاعَةِ».

ما يستفاد من الحديث:

1- تحريم قتل المسلم الذي أقر بالشهادتين إلا أن يرتكب واحدة من خصال ثلاث:

الأولى: أن يزني وقد مَنَّ الله عليه بالإحصان، وأَعفَّ فرجه بالنكاح الصحيح، فحدُّه الرَّجْم بالحجارة حتى الموت.

والثانية: أن يقتل أخاه المسلم عمدا عدوانا، فيستحق القصاص بشروطه.

والثالثة: المرتد عن دينه عياذا بالله، فهذا يقتل؛ لأنه لا خير في بقاء من ذاق حلاوة الإيمان، ثم رغب عنه وزهد فيه، فردته تدل على خبث طويته، وسوءا أكان ذكرا أم أنثى، فإن كفره أعظم من الكفر الأصلي.

فهؤلاء الثلاثة يستحقون القتل؛ لأن في قتلهم سلامة الأديان والأبدان والأعراض.

2- أن من أتى بالشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأتى بما تقتضيانه وابتعد عما يناقضهما، فهو المسلم محرَّمُ الدم والمال والعِرْض، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم.

3- تحريم فعل أي خصلة من هذه الخصال الثلاث، وأن من فعل شيئا منها، استحق عقوبة القتل، إما كفرا، أو حدَّا.

4- الثيب، يراد به المحصن، وهو من جامع وهو حُرٌّ مكلف، في نكاح صحيح، سواء أكان رجلا أم امرأة. فإذا زنا، فعقوبته الرجم بالحجارة حتى يموت.

قال في الروض المربع: ((والمحصن: من وطئ امرأته المسلمة، أو الذمية) أو المستأمنة (في نكاح صحيح) في قُبلها. (وهما) أي الزوجان (بالغان عاقلان حران، فإن اختل شرط منها) أي من هذه الشروط المذكورة (في أحدهما) أي أحد الزوجين (فلا إحصان لواحد منهما)).

والردة في الشرع: هي الكفر بعد الإسلام طوعاً بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل.

 وعقوبة المرتد القتل؛ لهذا الحديث؛ ولقوله ﷺ: «من بَدَّل دينه فاقتلوه»[1]. قال ابن قدامة رحمه الله تعال: (وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد)[2]، وقبل القتل يُستتاب، ويُدْعى إلى الإسلام، ويضيق عليه ويحبس ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل؛ والّذي يتولَّى قَتْلَه ولي الأمر أو نائبه؛ لأنّه حقٌّ لله تعالى فيكون إلى وليِّ الأمر.

ومن الحِكَم في عقوبة المرتد بالقتل ما يلي:

1 - أن هذه العقوبة زجر لمن يريد الدخول في الإسلام مصانعة أو نفاقا، وباعث له على التثبت في الأمر، فلا يُقدِم إلا على بصيرة وعلم بعواقب ذلك في الدنيا والآخرة، فإن من أعلن إسلامه فقد وافق على التزامه بكل أحكام الإسلام برضاه واختياره، ومن ذلك أن يعاقب بالقتل إذا ارتد عنه.

2 - من أعلن إسلامه فقد دخل في جماعة المسلمين، ومن دخل في جماعة المسلمين فهو مطالب بالولاء التام لها ونصرتها، ودرء كل ما من شأنه أن يكون سببا في فتنتها أو هدمها، أو تفريق وحدتها، والردة عن الإسلام خروج على جماعة المسلمين، ونظامها الإلهي، وجلب للآثار الضارة إليها، والقتل من أعظم الزواجر لصرف الناس عن هذه الجريمة ومنع ارتكابها.

3 - أن المرتد قد يرى فيه ضعفاء الإيمان من المسلمين وغيرهم من المخالفين للإسلام أنه ما ترك الإسلام إلا عن معرفة بحقيقته، فلو كان حَقَّاً لما تحوَّل عنه، فيتلقون عنه حينئذ كل ما ينسبه إليه من شكوك وكذب، وفي هذا صَدٌّ عن دين الإسلام، وتنفير عن الدخول فيه، فكان حقه أن يعاقب بعقوبة شديدة رادعة، حمايةً للدين، وحفظاً لإيمان المنتمين إليه.

4 - إذا كانت عقوبة القتل موجودة في قوانين البشر المعاصرة؛ حماية للنظام من الاختلال في بعض الأحوال، ومنعا للمجتمع من الانسياق في بعض الجرائم التي تفتك به، فدين الله الحق، الذي به صلاح الدنيا والآخرة أولى بأن يعاقب بمثل هذه العقوبة من يعتدي عليه، ويكون سبباً في تشويه سمعته، وصد الناس عن الدخول فيه.

الحديث (333)

عن عبد الله بن مسعود I قالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «أول ما يقضى بيْنَ الناس يَوْمَ القيامَةِ، في الدماءِ».

ما يستفاد من الحديث:

1- عِظَمُ شأن دم الإنسان، فإنه لم يُبدأ به يوم القيامة إلا لكونه أهم وأعظم من غيره من أنواع مظالم العباد.

2- إثبات يوم القيامة، وأن الله تعالى يجازي فيه العباد بأعمالهم.

3- هذا الحديث لا ينافي ما روى أبو هريرة I قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ ...)، رواه الترمذي 413، وصححه الألباني.

لأن حديث الباب في أول ما يقضى فيه من حقوق الخلق، وحديث الصلاة، في أول ما يقضى فيه من حقوق الخالق سبحانه.

الحديث (334)

عَنْ سَهْل بْنِ أبي حَثمَةَ قَال: انطلق عَبْدُ الله بْن سهل وَمحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُود إلَى خَيْبَرَ -وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْح- فَتَفَرَّقَا. فَأتَى مُحَيصةُ إلَى عَبْدِ الله بْن سَهْل وَهُوَ يَتَشَحطُ فِي دَمِه قَتِيلا. فَدَفَنَهُ. ثُمً قَدِمَ المَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرحمن بنُ سَهْل وَمُحَيِّصَةُ وَحُويِّصَةُ ابنا مَسْعُود إلى النبي ﷺ. فَذَهَبَ عَبْدُ الرحمن يتكلم. فَقَالَ ﷺ: (كَبِّر كَبِّر) وَهُو أحدث القَوْم، فَسكَتَ، فَتَكَلَمَا. فَقَال: «أتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقونَ قاتلكم أوْ صاحبكم»؟

قَالوا: وَكَيفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَرَ؟ قَال: «فتبرئكم يهود بِخَمسِينَ يمينا؟ «. فَقَالُوا: كَيْفَ نَأَخُذُ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِي ﷺ منْ عِنْدِهِ.

وَفي حَدَيثِ حَمادِ بن زَيدٍ: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «يقسم خَمْسُونَ منكم عَلَى رَجُل مِنْهُمْ فيدْفعُ بِرُمَّتِهِ» قالوا: أمْر لَم نشهده، كَيفَ نَحْلِفُ؟ قال: «فتبرئكم يهود بِأيمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ « قالوا: يَا رسول الله، قوم كُفَّار؟.

وَفي حَدِيِثِ سعد بن عبيد: فَكَرِهَ رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُبطِل دمه، فَوَدَاهُ بمِائةٍ مِن إبِل الصَّدَقَةِ.

غريب الحديث:

يتشحَّط: أي يضطرب ويتخبط.

كَبِّر كَبِّر: بلفظ الأمر فيهما، والثاني تأكيد لفظي للأول، والمعنى: ليتكلم الكبير سناً.

أَحْدَث القوم: أصغرهم.

فعَقَلَه: أصله أن القاتل كان إذا قَتَل، جمع الديةَ من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي: شدَّها في عقلها، ليسلمها إلى أهله. فسميت عقْلاً، وكثر استعماله للدية ولو بالنقود.

بِرُمَّته: والرُّمة: الحبل، والمراد إذا استحققتم بأيمانكم قتله دُفع إليكم أسيرا مقيَّدا بحبله.

فوداه: أي: دفع دية.

 

ما يستفاد من الحديث:

1- هذا الحديث أصل في مسألة القَسَامة.

والقسامة في الشرع: هـي الأيمـان المكـررة فـي دعـوى القتيل المعصـوم.

وسُمِّيت بذلك؛ لأن الأيمـان تُقسَّم علـى أوليـاء القتيـل، فيحلفــون خـمسين يمينـاً أن المدَّعـى عليه قتل صاحبَهم.

وصورتها: أن يوجد قتيل لا يُعرَف قاتله، فيدَّعي ورثته على شخص معين بأنه هو الذي قتل مورثهم، مع وجود القرينة الدالة على ذلك، فيُنكِر المدعى عليه، فإذا توفرت شروط القسامة التي يذكرها الفقهاء عَرَض القاضي على المدعين أن يحلف الرجال منهم خمسين يميناً توزع عليهم على قدر إرثهم من القتيل، أن فلاناً هو الذي قتله[3]، ويكون ذلك بحضور المدعى عليه؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: «أتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقونَ قاتلكم أوْ صاحبكم»؟، فإذا حلفوا استحقوا قتله.

فإن أبى الورثة أن يحلفوا، لقوله: (قَالوا: وَكَيفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَرَ؟) فإنه يحلف المدَّعى عليه خمسين يميناً إذا رضي المدعون بأيمانه؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: (فتبرئكم يهود بِخَمسِينَ يمينا؟)، فإذا حلف برئ، وإن نكل عن اليمين حُكم عليه بالنكول.

وإن لم يرض المدعون بتحليف المدعى عليه كما في هذا الحديث: (فَقَالُوا: كَيْفَ نَأَخُذُ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كفَّارٍ؟) دفَعَ الإمام دية القتيل من بيت المال، كما فعل النبي ﷺ عندما أعطى الدّية أولياء القتيل من بيت المال لمّا امتنع الأنصار من قبول أيمان اليهود؛ لأنه لم يبق سبيل لإثبات الدم على المدَّعى عليه، فوجب الغُرم من بيت المال؛ لئلا يضيع دم المعصوم هدراً.

 ويثبت بالقسامة القصاص، أو الدية، إذا لم تقترن الدعوى ببينة أو إقرار، ووجد اللَّوْثُ، وهو العداوة الظاهرة بين القتيل والمتهم بقتله؛ كالقبائل التي يطلب بعضها بعضاً بالثأر، ولا يختص اللَّوْث بذلك، بل يتناول كل ما يغلب على الظن حصول القتل بسببه، كما لو وُجد قتيلا في دار شخص؛ لأن علة القسامة معلومة، وهي غلبة الظن بوقوع القتل.

وإنما قُبلت فيها اليمين من المدعين؛ لأن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين، وقد وُجد في القسامة ما يُقوِّي دعوى المدعين وهو اللَّوْث، وكُرِّرت فيها الأيمان إلى خمسين يميناً لعِظَم شأن الدماء.

وشُرعت القَسَامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها؛ فالشريعة الإسلاميّة تحرص أشدّ الحرص على حفظ الدِّماء، وصيانتها، وعدم إهدارها، ولمّا كان القتل يكثر، بينما تقلّ الشّهادة عليه؛ لأنّ القاتل يتحرّى بالقتل مواضع الخلوات، جُعِلَت القسامة حفظاً للدِّماء.

ودعوى القسامة خالفت سائر الدعاوى بأمور:

الأول: أن اليمين توجهت على المدعي، وبقية الدعاوى، البينة على المدَّعي واليمين على المدعى عليه المنكر.

الثاني: أنه يبدأ بأيمان المدعي أو المدعين، إن كانوا أكثر.

الثالث: تكرير اليمين، وفي سائر الدعاوى يمين واحدة.

2- إذا استحق المدعون الدم فإن كان القتل عمدا عدوانا ثبت لهم حق القصاص، وإن كان غير عمد ثبتت لهم الدية.

3- إذا نكل أولياء المقتول عن الأيمان، وحلف المدعى عليهم فحينئذ تكون دية القتيل من بيت المال، حتى لا يضيع دمه. ومثله المقتول في زحام حج، أو مسجد، أو وجد مقتولا ولا يعلم قاتله، ولا تدل القرائن على قاتل. كل هؤلاء ونحوهم تكون دياتهم من بيت المال.

4- استحباب تقديم الأكبر سناً، لما له من شرف السن، وكثرة العبادة، وممارسة الأمور، وكثرة الخبرة.

الحديث (335)

عِنْ أنَس بنِ مَالك I: أنَ جَارِيَةً وُجدَ رأسها مَرْضُوضاً بين حجرين، فَقِيل مَنْ فَعَل هذَا بِكِ؟ فلان، فلان، حَتَّى ذكِرَ يهودي، فَأوْمَأتْ برأسها. فَأخِذَ اليَهْودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأمَرَ النَبي ﷺ أنْ يُرَضَّ رَأسُهُ بَيْنَ حجرينِ.

الحديث (336)

ولـ (مسلم)، وَالنِّسَائِي عَن أنَس: أن يهوديًّا قَتَلَ جَارِيَة عَلى أوْضَاح فَأقَادَهُ بِها رَسُولُ ﷺ.

غريب الحديث:

مرضوضا: أي مدقوقا.

أوضاح: وهي قطع الفضة، سميت أوضاحا لبياضها.

المعنى الإجمالي:

وجد على عهد النبي ﷺ جارية قد رُضَّ رأسها بين حجرين، وبها بقية من حياة، فسألوها عن قاتلها يعددون عليها من يظنون أنهم قتلوها، حتى أتوا على اسم يهودي، فأومأت برأسها: أي نعم، فصار متهما بقتلها، فأخذوه وقرروه حتى اعترف بقتلها من أجل حُليِّ فضة عليها.

فأمر النبي ﷺ أن يجازى بمثل ما فعل، فرُضَّ رَأسه بين حجرين، عملاً بقول الله تعالى: ﴿± ² ³ ´ µ ¸¹﴾ فقتلوه كما قتل الجارية، صيانة للدماء.

ما يستفاد من الحديث:

1- أن الرجل إذا قتل المرأة اقتُص منه، لهذا الحديث، كما أن المرأة يقتص منها إذا قتلت الرجل، لعموم قوله ﷺ: ﴿£ ¤﴾.

2-قبول قول المجني عليه في مثل هذه الحال لإلقاء التُّهمة على شخص، فيُحَقَّق معه، فإن ثبت عليه القتل باعتراف أو بينة اقتُص منه، وإلاَّ حلف وتُرك.

3-هذا الحديث دليل لمن قال بالمماثلة في القصاص، وهي أن يُقتل الجاني بمثل ما قَتل به المجنيَّ عليه.

وهذه المسألة من المسائل الخلافية المشهورة، وتحرير الكلام فيها أن يقال:

 إذا قتل الجاني المجنيَّ عليه بالسيف، فإن استيفاء القصاص منه لا يكون إلا بالسيف باتفاق الفقهاء.

أما إذا كان القتل بغير السيف كما لو رَضَّ رأسه بالحجارة، أو خنقه حتى مات، أو غرَّقه في ماء، فقد اختلف الفقهاء في حكم المماثلة في استيفاء القصاص على أقوال، منها:

القول الأول: أن القتل في القصاص لا يكون إلا بضرب العنق بالسيف، ويَحرُم قتل الجاني بمثل ما قتل به المجني عليه، وهو مذهب الحنفية، والمذهب عند الحنابلة.

القول الثاني: يجوز قتل الجاني بمثل ما قتل به المجني عليه، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم.

ويُستثنى من ذلك ما لو قتله بمحرَّم كالسحر أو اللواط أو جرَّعه خمراً ونحوه فإنه لا يقتل إلا بالسيف.

والحقُّ في ذلك لولي المجني عليه، فمتى عَدَل عن المماثلة وطلب استيفاء القصاص بالسيف فإنه يجاب لذلك، بل العدول إلى السيف أولى.

وإذا فُعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه فلم يمت فالأصح عند الشافعية، أنه يقتل بالسيف.

الراجح  - والله أعلم – أن الأولى استيفاء القصاص بالسيف؛ لأنه أحسن القتل، وأسرع في زهوق الروح، وأقل تعذيباً، وفي القتل به خروج من الخلاف، وتجوز المماثلة في القصاص إذا كان يغلب على الظن حصول الموت بها، من غير تعدٍ على المقتول، وكان القتل بطريق مباح شرعاً؛ لأن ذلك أقرب إلى العدل.

الحديث (337)

عَنْ أبي هريرة I قالَ: لَمَّا فَتَحَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَتَلَتْ هُذَيْل رَجلا مِنْ بَني لَيْثٍ بِقتِيل كَان لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ النبي ﷺ فَقَالَ: «إنَّ الله D قَدْ حَبَسَ عَنْ مكَّةَ الفِيلَ، وَسلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤمِنِينِ. وَإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ كَانَ قبلي وَلا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعدِي، وَإنَمَا أُحلّت لي سَاعَة مِن النَّهار، وَإنَّهَا ساعتي هذِهِ حَرَام: لا يُعضَدُ شَجَرُهَا وَلا يُختلَى خَلاهَا ولا يُعْضَدُ شَوْكهَا وَلا تُلْتَقَط ساقِطتهَا إلا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتيل فهو بخير النَّظَرَين: إما أن يَقتُل وإمَّا إن يُفدَى». فقَامَ رَجُل مِنْ أهْلِ اليمن يُقَالُ له أبُو شَاهٍ، فَقَالَ: يا رسول الله، اكْتُبُوا لي. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ «اكْتُبُوا لأبي شاهٍ». ثُمَّ قَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَارَسُولَ الله، إلا الأذخِر، فَإنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيوتِنَا وقُبُورنَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ «إلا الأذْخِرَ».

غريب الحديث:

هُذَيل: قبيلة مُضرِية مشهورة، لا تزال مساكنهم بالقرب من مكة.

لَيْث: قبيلة مشهورة تنسب إلى ليث بن بكر بن كنانة، من قبائل مضر.

لا يُعْضَد شجرها: أي، لا يقطع.

ولا يُخْتَلَى خلاها: أي لا يُقطَع الرطب من الحشيش.

لمنشد: هو الذي يُعرِّف اللُّقطة.

فهو بخير النظرين: أي أن ولي الدم يختار أحد الأمرين، وهما: أخذُ الدية أو القصاص.

أن يُفدَى: أي يعطي القاتل أو أولياؤه الفدية -وهي الدية- لأولياء المقتول.

الإذخر: نبات طيب الرائحة.

ما يؤخذ من الحديث:

1- فيه دليل على أن مكة فتنحت عَنْوَة، إذ حبس الله عنها الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين.

وفي شرح مسلم للنووي أن من خصائص الحرم ألا يحارَب أهلُه، فإن بغوا على أهل العدل، فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، بل يُضيَّق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام العدل.

وقال الجمهور: يقاتَلون على بغيهم إذا لم يمكن رَدُّهم عن البغي إلا بالقتال، لأن قتال البغاة من حقوق الله التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها[4].

2- أن مكة محرَّمة، لم تحِلَّ لأحد، وأنها لا تزال ولن تزال محرمة، فلا يعضد شجرها وشوكها، ولا يقطع أو يُجَز خَلاها، لشرفها وحُرمتها عند الله تعالى.

3- استُثني من ذلك ما أنبته الآدمي، وما وُجد مقطوعا، ورَعي البهائم، والإذخر، فهذه مباحة.

4- أن لقطة الحرم لا تحل إلا لمن أراد التعريف عليها حتى يجدها صاحبها.

5- كتابة العلم، ففيها حفظه وتقييده عن الضياع.

وقد حث الله تعالى على الكتابة بقوله: ﴿u v w x y z { | }﴾ وعظمها بقوله تعالى: ﴿YZ [ \ ] ^﴾ ففي الكتابة مصالح الدنيا والآخرة.

6- قوله: «ومن قُتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل وإما أن يُفدى» فيه دليل على أن لأولياء المقتول وهم ورثته الخيار بين العفو مطلقا، -وهو أفضل لهم- والعفو إلى الدية.

وكان القصاص مُتحَتِّما في التوراة، فخفف الله عن هذه الأمة بجواز العفو عن القاتل إلى الدية بقوله: ﴿i j k l m n o p q r st u v w x yz﴾.

وقال المرداوي في الإنصاف 25/203: (فإن شاءَ اقْتَصَّ، وإنْ شاءَ أخَذ الدِّيَةَ، وإنْ شاءَ عفَا إلى غيرِ شئٍ، والعَفْوُ أفْضَلُ. بلا نِزاعٍ فى الجملةِ. وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: اسْتِيفاءُ الإنْسانِ حقَّه مِنَ الدَّمِ عَدْلٌ، والعَفْوُ إحْسانٌ، والإحْسانُ هنا أفْضَلُ، لكِنَّ هذا الإِحْسانَ لا يكونُ إحْسانًا إلَّا بعدَ العَدْلِ، وهو أن لا يحْصُلَ بالعَفْوِ ضرَرٌ، فإذا حصَل به ضرَرٌ كان ظُلْمًا مِنَ العافِى، إمَّا لنَفْسِه وإما لغيرِه، فلا يُشْرَعُ. قلتُ: وهذا عَيْنُ الصَّوابِ).

الحديث (338)

عَن عُمَرَ بنِ الَخطَّاب I: أنَّهُ اسْتشارَ النَّاسَ فِي إمْلاصِ الْمَرأةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بنُ شُعبةَ I: شَهِدْتُ النبي ﷺ قَضىَ فِيهِ بِغُرَّة: عَبْدٍ أو أمَةٍ. فَقَالَ: «لتأتينَّ بِمَنْ يِشْهَدُ مَعَكَ» فشهد معه محمد ابن مَسْلَمةَ.

إمْلاصُ الْمَرأةِ: أنْ تُلْقِي جَنينَهَا مَيْتاً.

غريب الحديث:

إملاص المرأة: أملصت المرأةُ ولدَها: وهو أن تضعه قبل أوانه ميتاً.

بغُرَّة: وهي في الأصل بياض في الوجه، واستعمل هنا في العبد والأمة ولو كانا أسودين، لكرم الآدمي على الله.

المعنى الإجمالي:

وضعت امرأة ولدها ميتا قبل أوان الولادة على إثر جناية عليها، وكان من عادة الخليفة العادل عمر بن الخطاب I أن يستشير أصحابه وعلماءهم في أموره وقضاياه، لاسيما المستجد فيها، لما في أخذ رأيهم من استخراج غامض العلم وإصابة لصادق الحكم، وتأليف قلوبهم، وجبر خواطرهم، والعمل بقوله تعالى: ﴿n o p﴾.

فحين أسقطت هذه المرأة جنينا ميتا غير تام، أشكل عليه الحكم في ديته، فاستشار الصحابة M في ذلك، فأخبره المغيرة بن شعبة أنه شهد النبي ﷺ قضى بدية الجنين «بغرَّة» عبد أو أمة.

فأراد عمر التَّثبُتَ من هذا الحكم، الذي سيكون تشريعاً عاما إلى يوم القيامة.

فأكد على المغيرة أن يأتي بمن يشهد على صدق قوله وصحة نقله. فشهد محمد بن مسلمة الأنصاري على صدق ما قال. M أجمعين.

ما يستفاد من الحديث:

1- أن دية الجنين إذا سقط ميتا، بسبب الجناية، عبد أو أمة، أما إذا سقط حياً ثم مات بسببها، ففيه دية كاملة.

2- استشارة أهل العلم والعقل في الأمور المهمة والنازلة؛ للوصول إلى الرأي الحق.

3- التثبت في المسائل، وطلب صحة الأخبار فيها، وإلا فخبر الواحد كافٍ متى توفرت فيه شروط العدالة والحفظ، وقد قَبِل عمرُ I خبر الضحاك وحده، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ، وَلَا تَرِثُ المَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا، فَأَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الكِلَابِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيْهِ: «أَنْ وَرِّثْ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» رواه الترمذي 2110، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وصححه الألباني.

4- قال ابن دقيق العيد: (وفي ذلك دليل أيضا على أن العلم الخاص قد يخفى على الأكابر، ويعلمه من هو دونهم. وذلك يصد في وجه من يغلو من المقلدين إذا استدل عليه بحديث فقال: لو كان صحيحا لعلمه فلان مثلا فإن ذلك إذا خفي على أكابر الصحابة، وجاز عليهم فهو على غيرهم أجوز)[5].

5- في الحديث دليل على أنه لا اجتهاد مع النص؛ لأن عمر I أراد استثارة الصحابة ﷺ وأخذ رأيهم في القضية، فلما علموا بالنص، لم يلتفتوا إلى غيره.

 

الحديث (339)

عَنْ أبي هُرَيرةَ I قالَ: اقتَتلَتِ امْرأتَانِ مِن هُذَيْل، فَرَمَتْ إحداهما الأخرى بِحَجَر فَقَتَلتهَا وَمَا في بَطنِهَا فاختصموا إلَى النبي ﷺ. فَقَضَى النَّبي ﷺ أنّ ديِةَ جَنِينهَا غُرَّةٌ عبدٌ أو وَليِدَةٌ. وقضَى بدية المرأة على عاقلتها، وورَّثَهَا ولدَهَا وَمَن معهم. فَقَامَ حَمَلُ بنُ النابغة الهُذَلُي فَقَالَ: يَا رسُولَ الله، كَيْفَ أغْرَمُ مَنْ لا شَرِبَ ولا أكَلَ، وَلا نَطَقَ ولا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذلك يُطَلُّ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إنَّمَا هُوَ مِن إخوان الكهَّان». مِنْ أجْلِ سَجْعِهِ الذي سَجَعَ.

غريب الحديث:

جنين: مأخوذ من الاجتنان، وهو الاختفاء.

عاقلتها: العاقلة هم الأقارب الذين يقومون بدفع دية الخطأ عن قريبهم القاتل.

سموا (عاقلة) لأنهم يمنعون عن القاتل، فالعقل: المنع.

ولا استهل: الاستهلال: رفع الصوت بالصياح ونحوه.، يريد: أنه لم تعلم حياته ببكاء ونحوه.

يُطَلُّ: أي: يُهدرُ ويُلْغَى.

السجع: هو الكلام المقفى، الذي يأتي في أواخره على نسق واحد.

المعنى الإجمالي:

اختصمت امرأتان ضرتان من قبيلة هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر صغير، لا يقتل غالبا، ولكنه قتلها وقتل جنينها الذي في بطنها.

فقضى النبي ﷺ أن دية الجنين عبد أو أَمَة، سواء أكان الجنين ذكرا أم أنثى، وتكون ديته على القاتلة.

وقضى للمرأة المقتولة بالدية، لكون قتلها شبه عمد، وتكون على عاقلة المرأة، لأن مبناها على التناصر والتعادل، ولكون القتل غير عمد.

بما أن الدية ميراث بعد المقتولة فقد أخذها ولدها ومن معه من الورثة.

فقال حمَل بن النابغة-والد القاتلة: يا رسول الله، كيف نغرَم من سقط ميتا، فلم يأكل، ولم يشرب، ولم ينطق، حتى تُعرَف بذلك حياته؟ يقول ذلك بأسلوب خطابي مسجوع.

فكره النبي ﷺ مقالته، لما فيها من ردِّ الأحكام الشرعية بهذه الأسجاع المتكلفة المشابهة لأسجاع الكهان، الذين يأكلون بها أموال الناس بالباطل.

ما يستفاد من الحديث:

1- هذا الحديث أصل في النوع الثالث من القتل، وهو شبه العمد، وهو أن يقصد الجاني الجنايةَ بما لا يَقتُل غالباً، كالقتل بالحجر الصغير، أو العصا الصغيرة، فحكم هذا النوع من القتل أن تُغلَّظ الدية على القاتل، ولا يُقتل.

2- أن دية شبه العمد ومثله الخطأ تكون على عاقلة القاتل، وهم الذكور من عصبته القريبون والبعيدون، ولو لم يكونوا وارثين؛ لأن مبنى العصوبة التناصر والتآزر.

وهذه الجائحة وقعت عليه بلا قصد، فناسب مساعدتهم له ولو كان غنيا، ولكن تخفف عنهم بتوزيعها عليهم حسب قرْبهم، وتؤجَّل عليهم مقسَّطة إلى ثلاث سنوات.

3- أن دية الجنين الذي سقط ميتا بسبب الجناية غرةٌ عبدٌ أو أمةٌ، وقدَّر الفقهاء قيمة هذه الغُرة بخمس من الإبل، تورث عنه كأنه سقط حياً.

ودية الجنين على القاتل لا على العاقلة، لأنها أقل من ثلث الدية، وما كان أقل من ثلث الدية فإن العاقلة لا تتحمله.

4- أن الدية تكون ميراثا بعد المقتول، لأنها بدل نفسه، وليس للعاقلة فيها شيء.

5- قال العلماء: إنما كره النبي ﷺ سجع حَمَل بن النابغة لأمرين:

الأمر الأول: أنه عارض به حكم الله تعالى وشرعه، ورام إبطاله.

الأمر الثاني: أنه تكلف هذه السجعات بخطابه لنصر الباطل، وردّ الحق، كما كان الكهان يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق للسامعين، فيستميلون بها القلوب.

فأما إذا وقع السجع بغير هذا التكلف، ولم يُقصد به نصر الباطل، فهو غير مذموم.

وقد قال النبي ﷺ: «كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق»، وقال ﷺ: «ويل للعرب، من شر قد اقترب».

وفي دعائه ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقول لا يسمع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع»، قوله ﷺ: «اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب».

 

الحديث (340)

عَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْن I: أنَّ رَجُلا عَضَّ يَدَ رَجُل، فَنَزَعَ يَده مِنْ فِيهِ فوقعت ثِنِيَتَاهُ فَاخْتَصَمَا إلَى النبي ﷺ فَقَالَ: «يَعَضُّ أحدكم أخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الفحل؟ اذهَبْ لا دِيَةَ لَكَ».

المعنى الإجمالي:

في هذا الحديث اعتدى رجل على آخر فعض يده، فانتزع المعضوض يده من فمه، فسقطت ثنيتا العاض، فاختصما إلى النبي ﷺ، العاض يطالب بدية ثنيتيه الساقطتين، والمعضوض يدافع عن نفسه بأنه يريد إنقاذ يده من أسنانه.

فأنكر النبي ﷺ على المدعِي العاض، كيف يفعل مثل ما يفعله غلاظ الحيوانات فيَعضُّ أخاه، ثم بعد هذا يأتي ليطالب بدية أسنانه الجانية؟! فليس له دية، لأنه المعتدى.

ما يستفاد من الحديث:

1- أن من عض يد إنسان فانتزعها منه، فسقطت أسنانه أو بعضُها، فلا قصاص عليه ولا دِيَة.

2- هذا الحكم عام في كل مَن صال عليه إنسان أو حيوان، فدافع عن نفسه، أو عن عرضه، أو عن أهله، أو ماله، فجَرَح الصائلَ، أو قتله، فلا شيء عليه لأنه يدافعِ عمَّا تجب عليه حمايته، وذلك هو المعتدي الباغي، ولقوله ﷺ: «من قُتِل دون نفسه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيد».

ودفع الصائل قيَّده الفقهاء بأن يكون بالأسهل فالأسهل من وسائل الدفع، لأن المقصود دفع شره، فإن أمكن بالأدنى لم يجز بالأعلى، فإن لم يمكن إلا بالأعلى وهو القتل جاز قتله، ودم المقتول هدر، أما عند القضاء فلا بد أن يُثبت القاتل أن المقتول صائلٌ عليه، ولم يمكن دفعه إلا بالقتل.

الحديث (341)

عَنِ الحَسَنِ بنِ أبي الَحسَنِ البصري قَالَ: حَدَّثَنَا جندب في هذَا الْمَسجِدِ وَمَا نَسِينا منهُ حديثا، وَمَا نَخْشى أن يَكُونَ ُجندُب كَذَبَ عَلَى رسولِ الله ﷺ قال: قَالَ رسول الله ﷺ: «كَانَ فيمَن كَانَ قبلكم رَجُل بِهِ جرح، فَجَزع، فَأخَذَ سكينا فَحَزَّ بهَا يَدَهُ فَمَا رَقأ الدَّمُ حَتى مَاتَ. قالَ الله D: عبدي بَادَرَني بِنَفْسِهِ، فَحَرمْتُ عَلَيْهِ الجَنةَ».

غريب الحديث:

جُنْدُب: بضم الجيم، وسكون النون، وضم الدال وفتحها، هو ابن عبد الله البَجَلِي I، من قبيلة بجيلة، مساكنهم الآن بين مكة والمدينة.

حدثنا جندب في هذا المسجد: قول الحسن هذا فيه أنه قد أخذ عن جندب I، ففيه الردُّ على من قال: لا يصح للحسن سماع من جندب.

وأيضا قال الحسن: (في هذا المسجد) لتفخيم الحديث وتقويته في النفس.

فحزَّ بها يده: أي قطعها.

فما رقأ الدم: أي ما انقطع دمه حتى مات.

 

ما يستفاد من الحديث:

1- تحريم قتل الإنسان نفسه، للوعيد الشديد في قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: (بادرني بنفسه، فحرمت عليه الجنة)، ويدل له قول الله D: ﴿I J KL M N O P Q R﴾، وقوله سبحانه: ﴿t u v w x﴾.

2- أن قتل الإنسان نفسه من كبائر الذنوب، لأنه متوعد بتحريم الجنة عليه، كما في هذا الحديث، ولما روى عبد الله بن عمرو L عن النبي ﷺ قال: « الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس « رواه البخاري 6675.

وعن ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ I أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «... وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ...» رواه البخاري 6047، ومسلم 110.

وفي لفظ لهما: (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) رواه البخاري 6652، ومسلم 110.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ I، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ» رواه البخاري 1365.

والجزاء من جنس العمل، فكما أنه عصى ربه في الدنيا بقتل نفسه وتعذيبها فيعذب يوم القيامة في النار بما قتل به نفسه، نسأل الله تعالى العافية.

هذه عقوبته في الآخرة، وأما في الدنيا فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ I قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» رواه مسلم 978. ورواه النسائي 1964 بلفظ: «أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ» وصححه الألباني.

والمشاقص: سهام عريضة.

فالنبي ﷺ ترك الصلاة على مَن قتل نفسه زجرا للناس عن مثل فعله، وكذلك لا يصلي عليه إمام المسلمين وأهل العلم والفضل، للتنفير عن هذا الفعل، ولكن يصلي عليه عامة الناس، لأنه وإن ارتكب كبيرة قتل نفسه إلا أنه باق في دائرة الإسلام، ولا بد من الصلاة عليه[6].

3- من أنواع قتل النفس ما يُظن أنه قُربة إلى الله تعالى، ومحبوب إليه سبحانه، وهو عند المحققين من أهل العلم ليس كذلك، كمن يقتل نفسه في العمليات الانتحارية، وصورتها: أن يُقْدِم شخص على الدخول بين الكفار وتفجير نفسه؛ ليقتلهم ويموت معهم. فمن ينفذ هذه العملية يرى أن قتله لنفسه من الجهاد في سبيل الله تعالى، والأمر على خلاف ذلك، فقد أفتى كبار علمائنا كالشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله تعالى، والشيخ الفوزان حفظه الله تعالى، وغيرهم من العلماء بتحريم هذه العمليات، ووصفوها بأنها قتل للنفس، وأنها داخلة في عموم أدلة تحريم قتل النفس، فضلاً عما يترتب على هذه العمليات من المفاسد والأضرار على المسلمين[7].

قال الشيخ ابن عثيمين A: (الأعمال الانتحارية التي يقوم بها بعض الناس، ليقتل منْ يقتل من العدو، ويكون هو أولُ من يموت بها، يعتبر القائم بها قاتلاً لنفسه، معذَّباً في النار بما قتل به نفسه)[8].

4- وجوب الصبر عند الابتلاء، وتحريم فعل ما ينافي الصبر، ومن ذلك قتل النفس.

وإذا اشتد البلاء بالعبد فليقل ما ورد في الحديث: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي».

5- انتشر في كثير من البلاد خاصة بلاد الكفر قتل النفس، وهو ما يعرف بالانتحار، وأعظم أسبابه ضعف الإيمان بالله D، لأن من كان قوي الإيمان، وكان راضيا بقضاء الله تعالى وقدره، محسنا الظن بربه جل وعلا، فيبعد أن يقع منه الانتحار.

وبعض الناس يظن أن الانتحار هو الطريق إلى الخلاص من البلاء والمصائب التي وقعت له، ولذلك تجد بعضَهم يقول: أقتل نفسي حتى أرتاح من الدنيا وتعبها. أو لأرتاح من هذا البلاء، ونحو هذه العبارات.

ومن المعلوم أن الموت إنما يكون راحة لمن مات على الإيمان والتقوى.

فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ[9] بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ I أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلاَدُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» رواه البخاري 6512، ومسلم 950.

والواجب على العبد أن يصبر على البلاء، وأن يعلم أنه إذا صبر واحتسب كفَّر الله سيئاته، ورفع درجاته، والله D إذا أحب قوما ابتلاهم، وليحسن الظن بالله تعالى أن يرفع عنه البلاء، فإن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي).

والحمد لله رب العالمين

 

 

ﮣ ﮣ ﮣ

 

 

 

 

 

[1]   رواه البخاري (3017).

 

[2] المغني (9/3).

 

[3] ويكفي هنا أن يحلفوا بناءً على القرائن وغلبة الظن، وإن لم يتيقنوا أنه هو القاتل؛ والحلف بناء على غلبة الظن جائز؛ بدليل حديث المجامع في نهار رمضان، حين قال: (فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا - يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي) فحلف بناءً على غلبة ظنه، وأقره النبي ﷺ، لكن يجب على الورثة أن يتثبتوا ويتحروا غاية التحري قبل أداء الأيمان.

 

[4] ينظر: شرح مسلم للنووي 9/124.

 

[5]   () إحكام الأحكام 2/229.

 

[6] انظر: المفهم 2/638، وشرح مسلم للنووي 7/47.

 

[7] ينظر: الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ص166 وما بعدها.

 

[8] مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (25/361).

 

[9] المشهور أن اسمه الحارث، كما قال الحافظ A في الإصابة 7/272.

 

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المقاطع ذات صله