التمسك بالسُّنَّة والنهي عن البدع
محاضرة بجامع شيخ الإسلام ابن تيمية A
19/3/1448هـ
إن الحمد لله . . أما بعد:
فأسأل الله تعالى أن يجعل هذا اللقاء لقاء مباركا، وأن يرزقنا علما نافعا، وعملا صالحا، إنه سبحانه جواد كريم.
إيها الإخوة الكرام والأخوات الكريمات . . هذه المحاضرة لها شقان:
الشق الأول: التمسك بالسنة.
والثاني: النهي عن البدع.
والأصل في هذين الشقين حديث الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ I قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رواه أبو داود 4607، وصححه الألباني.
ففي هذا الحديث الأمر بالتمسك بسنة النبي ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين، والنهي عن البدع والمحدثات، والتحذير منها.
وقوله ﷺ: «فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين» أي الزموا سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين، وهم أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعلي M، ثم أكَّد ذلك بقوله: «تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ» أي تمسكوا بالسنة وما عليه الخلفاءُ تمسكا شديدا، كالذي يَعض على الشيء بنواجذه، وهي أقصى أضراسه.
ومن لازم التمسك بالسنة العلمُ بها، فإن من لا يعلمُ السنةَ لا يمكنُه التمسكَ بها.
ولما حثهم على التمسك بالسنة حذرهم من البدع فقال:
«وإياكم ومحدثات الأمور» المراد بالأمور هنا أمور الدين، أي احذروا المحدثاتِ في الدين؛ لأنها هي المنهيُّ عنها.
فهذا الحديث من جوامع كلام النبي ﷺ، لما تضمنه من المعاني العظيمة على وجازة ألفاظه.
بعد هذه المقدمة أبدأ في الكلام على الشق الأول من هذه المحاضرة، وهو: التمسك بالسنة، وأسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق والسداد.
المراد بالسنة أي سنة النبي ﷺ سواء أكانت قولية أو فعلية أو تقريرية أو تركية.
كل هذه من سنته ﷺ التي يجب التمسك بها، وتعظيمها التعظيم اللائق بها.
فمثال السنة القولية: «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه.
والفعلية: قول عائشة J في صفة صلاة النبي ﷺ، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك. متفق عليه.
والتقريرية: قول معاذ I في قصة الثلاثة الذين خلفوا: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فأقره النبي ﷺ.
والتركية: كتركه ﷺ الاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام. وكتركه تخصيص ليلة الإسراء والمعراج بعبادة.
فما فعله ﷺ فعلناه، وما تركه مع وجود المقتضي للفعل وعدم المانع فإننا نتركه.
ويدخل في التمسك بالسنة التمسك بآثار صحابة رسول الله ﷺ ورضي عنهم، لأن النبي ﷺ قد حث على التمسك بسنة الخلفاء الراشدين M، كما تقدم، وقال ﷺ: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، فأقوال الصحابة لها من المكانة بعد الكتاب والسنة ما ليس لمن جاء بعدهم، ولذا قال الله تعالى في شأنهم: ﴿! " # $ % & ' ( ) * + , - . / 0 1 2 3 4 5﴾
والتمسك بسنة النبي ﷺ يقتضي اعتقادَ أنها حق، والعملَ بما دلت عليه، بأن يمتثل العبد ما أمرت به السنة، وينتهي عما نهت عنه، ويقدِّم ما جاء عن النبي ﷺ على ما تهواه نفسُه وولدُه والناسُ أجمعون.
ففي الصحيحين عن أنس I عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».
وهذا يقتضي تقديم ما يحبه الرسول ﷺ على ما تحبه النفسُ، وعلى ما يحبه الولدُ، وعلى ما يحبه الوالدان، والناسُ جميعا.
والتمسك بسنة النبي ﷺ يقتضي أن يكون هوى العبد تبعا لما جاء به الرسول ﷺ، فينقاد لسنة النبي ﷺ، ويترك هواه المخالف للسنة، ممتثلا ما ورد في الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به».
والمتمسك بسنة النبي ﷺ موعود بأن ينال محبة الله تعالى له، وأن يغفر الله له ذنبه، وكفى بذلك شرفا وفضلا، قال الله تعالى: ﴿> ? @ A B C D E F G HI﴾.
فجعل اتباع الرسول ﷺ سببا لمحبة الله تعالى للعبد، ومغفرته لذنبه.
وهذه الآية تسمى آية المحنه، حيث ادعى قوم محبة الله تعالى فأنزل الله هذه الآية امتحانا لهم، فمن ادعى محبة الله تعالى نظرنا في عمله فإن كان متبعاً لهدي الرسول الله ﷺ فهو صادق وإلا فهو كاذب في دعواه.
الأدلة على وجوب التمسك بسنة النبي ﷺ
من الأدلة على وجوب التمسك بالسنة غير ما تقدم:
قَول الله D ﴿® ¯ ° ± ² ³ ´ µ ¶ ¸ ¹ º » ¼ ½ ¾ ¿ À Á Â﴾
فنفى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْإِيمَان عَمَّن لم يُحكِّم رَسُولَه فِيمَا وَقع التَّنَازُع فِيهِ وَلم يستسلم لقضائه.
وَقَالَ D ﴿1 2 34﴾
فَضَمِن C الْهِدَايَةَ فِي طَاعَة رَسُوله ﷺ، وَلم يضمنهَا فِي طَاعَة غَيره.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿¦ § ¨ © ª « ¬ ® ¯﴾
فرتب C الفوز العظيم على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ.
وأوعد على مُخَالفَة ما جاء به الرسول ﷺ في قوله سبحانه: ﴿] ^ _ ` a b c d e f g h i﴾ وهذا وعيد شديد على من يخالف أمر الله أو أمر رسوله ﷺ، بأن تصيبه الفتنة، وهي الشرك كما قال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿] ^ _ ` a b c d e f g h i﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿! " # $ % & ' ( ) * + , - . / 01 2 3 4 5 6 7 8 9 :﴾
قال الله D: ﴿5 6 7 89 : ; < = > ? @ A B C D E F G H﴾ إلى قوله: ﴿c d e f g h i j k l m n o p﴾.
وقال تعالى: ﴿[ \ ] ^ _ ` a b c d e f﴾
وقال تعالى: ﴿p q r s t u v wx﴾.
وقال تعالى: ﴿J K L M NO P Q R S T U VW X Y Z [ \ ]﴾.
وقال تعالى: ﴿Ò Ó Ô Õ Ö × Ø Ù Ú Û Ü Ý Þ ßà á â ã ä å﴾.
وعن أبي هريرة I، قال: قال رسول الله ﷺ: «ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه.
وروى الحاكم أن النبي ﷺ قال: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به، كتاب الله وسنتي».
الآثار عن الصحابة M في التمسك بسنة النبي ﷺ
من هدي الصحابة M في التمسك بالسنة:
1. ما روى الإمام أحمد عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ L قَالَ: (تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، وَيَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
فإذا كان مَن يُعارِض كلام النبي ﷺ بكلام الشيخين أبي بكر وعمر L قد عرَّض نفسه للهلاك، فكيف بمن يُعارِض كلامه ﷺ بكلام غيرهما؟!
2. ومن هدي الصحابة M في تعظيم التمسك بالسنة ما رواه البخاري ومسلم عن عمرَ بنِ أبي سلَمة L قال: كنت غلامًا في حِجر رسول الله ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ: «يا غلام سمِّ الله وكُلْ بيمينك وكُلْ مما يليك» قال: فما زالت تلك طعمتي بعد.
فمنذ أن علَّمه النبيُّ ﷺ هذه الآداب في الطعام وهو محافظ عليها على الرغم من أنه كان غلامًا، فإذا كان هذا حالُ صغار الصحابة في الاستجابة والتمسك بالسنة فكيف بكبارهم M وأرضاهم.
وهذا يذكرنا بقول الإمام البخاري A صاحب الصحيح: ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة حرام.
والبخاري A نشأ منذ نعومة أظفاره في طلب العلم، فلا شك أنه علم بحرمة الغيبة منذ صغره، فمنذ ذلك الحين لم يغتب أحدًا A.
3. ومن هدي الصحابة M في التمسك بالسنة:
ما في الصحيحين عن ابن عمر L أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال -وفي رواية ليلتين- إلا ووصيته عنده مكتوبة».
قال عبد الله بن عمر: ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي.
وهذا من مبادرته للعمل بسنة النبي ﷺ.
فينبغي للمسلم أن يبادر بكتابة وصيته لأنه لا يعلم متى يفجأه الموت.
قال العلماء: يستحب للإنسان أن يكتب وصيته ويشهد عليها ويذكر في صدر وصيته ما ثبت عن أنس I قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ويوصي من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين...).
ثم إن كان عنده مال كثير فيسن له أن يوصي بشيء من ماله يكون في وجوه الخير.
والوصية بالخمس أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث، والثلث جائز ولا تجوز الزيادة عليه.
أما إذا كان ورثته فقراء فالأفضل أن يوفر المال لهم ولا يوصي بشيء.
وتجب الوصية إذا كان عليه دين لغيره، أو عنده وديعة لأحد من الناس، أو عليه واجب من زكاة أو كفارة ونحوها، ولا يعلم بذلك أحد، أي ليس على شيء مما تقدم بينة، وهو عاجز عن أداء ما وجب عليه، فعند ذلك تجب الوصية.
4. ومن هدي الصحابة M في التمسك بالسنة في نوافل العبادات فضلًا عن الواجبات.
ما في الصحيحين عن ابن عمر L قال: كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ﷺ وكنت غلامًا شابًا وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أُناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: فلَقِيَنا مَلَكٌ آخر فقال لي: لم تُرَع.
فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال:» نِعْم الرجلُ عبد الله لو كان يصلي من الليل» قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا.
انظر إلى استجابته I لكلام رسول الله ﷺ، وامتثاله في هذه العبادة، وهذا لا يكون من معظم للسنة، محب لها.
وقيام الليل هو دأب الصالحين من سلف هذه الأمة، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يومنا هذا، وفيه منافع عظيمة، فعن بلال I، عن النبي ﷺ قال: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله D، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء من الجسد» رواه الترمذي.
نسأل الله الإعانة والتوفيق لما يرضيه.
5- ومن هدي الصحابة M والسلفِ الصالح رحمهم الله تعالى في التمسك بالسنة:
ما رواه مسلم من طريق النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس قال حدثني عنبسة بن أبي سفيان قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُني له بهن بيت في الجنة.»
قالت أم حبيبة J: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ.
وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة.
وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة.
وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن عمرو بن أوس. C.
فهذه الاستجابة والمحافظة على هذه السنن الرواتب تدل على عظيم التمسك بسنة الرسول ﷺ، ومحبةٍ عظيمةٍ لاتباعه واقتفاءِ أثره.
من أقوال الأئمة في التمسك بسنة النبي ﷺ
قال الإمام مالك A: إنما أنا بشر، أخطئ وأصيب؛ فانظروا في قولي، فكل ما خالف الكتاب والسنة، فاتركوه.
وقال الإمام الشافعي A: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط.
قال الإمام الشافعي A: إِذا وجدْتُم عَن رَسُول الله ﷺ سنة خلاف قولي فَخُذُوا السّنة ودعوا قولي فَإِنِّي أَقُول بهَا.
وقال مُجَاهِد: لَيْسَ من أحد إِلَّا يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا النَّبِي ﷺ.
ورُوى عَن الإمام مَالك بن أنس أَنه قَالَ: إِلَّا صَاحب هَذَا الْقَبْر وَأَشَارَ إِلَى قبر النَّبِي ﷺ.
وروى سَالم بن عبد الله بن عمر أَن عمر بن الْخطاب نهى عَن التَّطَيُّب قبل زِيَارَة الْبَيْت وَبعد الْجَمْرَة.
قَالَ سَالم فَقَالَت عَائِشَة طيبت رَسُول الله ﷺ بيَدي هَاتين لإحرامه قبل أَن يحرم ولحله قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ.
قَالَ سَالم وَسنة رَسُول الله أَحَق أَن تتبع.
قَالَ الشَّافِعِي فَترك سَالم قَول جده عمر فِي إِمَامَته وَقَبِل قَول عَائِشَة وَسنة رَسُول الله ﷺ أَحَق وَذَلِكَ الَّذِي يجب عَلَيْهِ.
وقال الشافعي أيضا: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم.
قال الإمام أحمد: ولو بلغ عمر I ما روته عائشة لرجع إلى خبرها، وإذا لم يبلغه فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع، كما قال سالم بن عبد الله بن عمر.
وهذه الآثار عن هؤلاء الأئمة فيها الرد على المتعصبة من متفقهة المذاهب، الذين لا يتركون مذهب إمامهم ولو صحت الأدلة بخلافه، فهم في الحقيقة مخالفون لإمامهم الذي أمر بترك قوله عند مخالفته للدليل، وكل هذا راجع لضعف تعظيمهم للنصوص الشرعية، والتمسك بها، فلو كانوا يعظمونها التعظيم اللائق بها، لقدموها على كل قول يخالفها، مهما بلغت منزلة ذلك المخالف.
وهذا كله مع التماس العذر للأئمة الذين خالفوا النصوص الشرعية، لاحتمال أن يكون الحديث لم يبلغه، أو بلغه لكن بسند ضعيف عنده، وقد صح عند غيره، أو فهم منه خلاف ما فهمه غيره، ونحو ذلك من الأعذار التي بسطها شيخ الإسلام ابن تيمية A في كتابه النافع: رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
أمثلة من واقعنا تدل على ضعف التمسك بالسنة
ومن ذلك:
1- الذين يخرجون على جماعة المسلمين وإمامهم، هل تمسكوا بالسنة الآمرة بالصبر على جور الولاة، ولزوم البيعة، وتحريم الخروج عليه. لو تمسكوا بالسنة لما حصل منهم ذلك.
وقد روى البخاري 7068 عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: «اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ.
وعن ابن عباس L عن النبي ﷺ قال: «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتةً جاهلية».
وفي قوله ﷺ: «من فارق الجماعة شبراً» الشِّبر قدرٌ قليل، فدل على تحريم مفارقة الجماعة، والسعي في نقض بيعة ولي الأمر ولو بأقل شيء من السعي في نقضها.
2- الإنكار العلني على ولاة الأمور:
فالنصيحة لولي الأمر، تكون فيما بين الناصح والوالي، ولا يجوز إبداؤها علانية على الملأ، لقوله ﷺ: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن ليأخذ بيده، وليخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له» رواه أحمد.
وعلى هذا الهدي في نصيحة الحاكم سار الصحابة الكرام M، فعن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ قال: قال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: آمُرُ أَمِيرِي بِالْمَعْرُوفِ؟ قال: (إنْ خِفْت أَنْ يَقْتُلَك فَلاَ تُؤَنِّبْ الإِمَامَ، فَإِنْ كُنْت لاَ بُدَّ فَاعِلاً، فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ) رواه ابن أبي شيبة.
فالذين ينكرون على ولاة الأمر علانية، لو تمسكوا بالسنة وآثار الصحابة M في ذلك لما خالفوها، ووقعوا في إثارة الناس على ولاة أمرهم وزرع الفتنة في بلادهم.
3- ومن أمثلة ضعف التمسك بالسنة ردُّها بالعقل المجرد.
فإن بعض العقلانيين يَعرضون أحاديث رسول الله ﷺ على عقولهم الفاسدة، فما وافقها قبلوه وما خالفها تركوه، وهذا ضلال مبين، وجرأة على سنة رسول رب العالمين، وإنما المرجع في تصحيح الحديث وتضعيفه إلى علماء الحديث النقاد، الذين اصطفاهم الله لتمييز حديث رسوله، والذب عن سنته، ومن تلك الأحاديث التي ردها بعض الضلال بعقولهم حديث الذباب الذي رواه أبو هريرة I عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) رواه البخاري في صحيحه، فردوا هذا الحديث الصحيح؛ لأنه يخالف العقل بزعمهم، مع أن الحديث رواه حافظ الإسلام أبو هريرة I الذي دعا له النبي ﷺ بحفظ حديثه حتى لا ينسى منه شيئاً، كما رواه غيره من الصحابة M، وأخرجه الإمام البخاري في كتابه الصحيح، الذي اتفق علماء الإسلام على أنه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، وهذا كاف في قبول هذا الحديث، لمن عظم سنة النبي ﷺ وتمسك بها، ولكن مما يزيد المؤمن إيمانا بصحة هذا الحديث ويؤكد بطلان مزاعم العقلانيين، أن علماء الطب الحديث قد أثبتوا أن في أحد جناحي الذباب داءً وفي الآخر دواءٌ مضاد لذلك الداء، ولله C في خلقه حكم وأسرار، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الشق الثاني من المحاضرة في النهي عن البدع
وهذا الشق الثاني متعلق بالشق الأول تعلقا وثيقا، فإن المتمسك بالسنة المعظِّمَ لها لا يقع منه ابتداع في دين الله D، والمبتدع يتبع هواه لا سنة النبي ﷺ، كما قال تعالى: ﴿Â Ã Ä Å Æ Ç È É ÊË﴾.
والمبتدع لم يتمسك بحديث عائشة J، قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه.
ولم يتمسك بحديث العرباض بن سارية I أن النبي ﷺ قال: «وإياكم ومحدثات الأمور ...» رواه أبو داود.
وكان الصحابة M يأمرون باتباع سنة النبي ﷺ عند ظهور البدع والمحدثات، يقول عبد الله بن مسعود I: (إنكم ستُحدِثون ويُحدَث لكم فإذا رأيتم محدَثة فعليكم بالهدي الأول).
وقد تركَنا نبينُا ﷺ على محجة بيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذرها منه، فعن عبد الله بن عمرو L قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمُه لهم، وينذرَهم شر ما يعلمه لهم» رواه مسلم.
ومما أنذرنا نبينا ﷺ ونهانا عنه الابتداعُ في الدين والإحداث فيه.
تعريف البدعة:
البدعة في اللغة تأتي بمعنى اختراعِ الشيء على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: ﴿¦ § ¨©﴾، أي خالقهما من غير مثال سابق متقدم.
وعرفها الشيخ ابن عثيمين A في شرحه للمعة الاعتقاد بقوله: (ما أُحْدِثَ في الدين على خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من عقيدة أو عمل).
(وما أحدث في الدين) يُخرِج الإحداث في أمور الدنيا، وهي البدع الدنيوية، وهي: ما أحدثه الناس على غير مثال سابق في أمور دنياهم، كالمراكب الحديثة من سيارات وطائرات وقطارات، وكالأجهزة الحديثة ونحوها فهذه الأصل فيها الإباحة، ما لم تُستعمل فيما حرَّم الله تعالى.
والبدعُ في الدين تنقسم إلى بدع مُكفِّرة، وغيرِ مُكفِّرة، فالبدع المكفرة كالبدع الشركية التي تُخرِج من ملة الإسلام، كالاستغاثة بالأموات، والذبح والنذر لهم، فهذه كلها بدع، فاعلها واقع في الشرك الأكبر؛ لأنه صرف العبادة التي هي حق الله الخالص إلى المخلوق الذي لا يستحق أن يعبد، ومن صرف العبادة لغير الله تعالى فقد أشرك الشرك الأكبرَ المخرجَ من ملة الإسلام.
وأما البدعُ غيرُ المكفرة، فهي التي لا تُخرج من ملة الإسلام، كالبدع التي هي من ذرائع الشرك الأكبر، كالتوسل بجاه الصالحين، كأن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد ﷺ أن تشفيَ مريضي، فهذا بدعة، ووسيلةٌ إلى الغلو والشرك الأكبر.
ومثل ذلك لو توسل بجاه أحد الصحابة M، كجاه علي أو الحسن أو الحسين أو غيرهم M، أو بجاه غيرهم من الصالحين، فإن هذا النوع من التوسل توسلٌ بدعيّ ممنوع، لعدم ورود الدليل عليه من الكتاب أو السنة، ولم يفعله أحد من الصحابة M، ولا أحد من السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهم خير القرون، وأعرف الناس بحق النبي ﷺ وحقه صحابته M وحق الصالحين.
نعم، نعتقد نحن أهل السنة والجماعة أن لنبينا وحبيبنا محمدٍ ﷺ جاهاً عظيماً عند ربه D، ومكانةً عالية، وكيف لا، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، وسيدُ ولد آدم، وكذا صحابتُه الكرام وآلُ بيته المؤمنون لهم جاه عند الله عظيم، وإنما الذي ينكره أهل السنة والجماعة هو التوسل بجاههم؛ لأنه بدعة محدثة في الدين، ليس عليه دليل من الشرع.
وما يقال في التوسل بجاه النبي ﷺ يقال مثله في التوسل بحرمته أو ببركته أو بحقه أو بذاته، كُلُّ ذلك من التوسل البِدعي الممنوعِ شرعا.
وبَدَل أن يقول القائل: اللهم إني أسألك بجاه نبيك ﷺ، فليقل: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك ﷺ، أو باتباعي لنبيك ﷺ، فيكون توسلُه حينئذ مشروعا، لأنه توسل في دعائه بعمل صالح، وهو محبةُ النبي ﷺ واتباعُ سنته.
ومن البدع غيرِ المكفرة الاحتفالُ بمولد النبي ﷺ على وجه ليس فيه شرك، وإنما مجرد الاجتماع في المولد على قراءة سيرته ﷺ وإطعام الطعام ونحو ذلك؛ لعدم الدليل عليه، ولإجماع سلف الأمة في القرون المفضلة على عدم الاحتفال بمولد النبي ﷺ، ولو كان من الدين في شيء لسبقنا إليه سلف هذه الأمة C، لأنهم أعلمُ بشرع الله D، وأكثرُ محبة لرسول الله ﷺ ممن جاء بعدهم.
ومن البدع غيرِ المكفرة الذكرُ الجماعي، وهي: أن يجتمع اثنان فأكثر فيذكرون الله تعالى بصوت واحد، وهذه بدعة محدثة، لأن أصل ذكر الله تعالى مشروع، ومرغب فيه، ولكن صفة الذكر وهي كونه جماعيا أمر محدث لا دليل عليه، فصار الذكر على هذه الصفة بدعة محدثة.
ويدخل في ذلك الإتيان بالأذكار بعد الصلوات الخمس بصوت واحد، والتلبية الجماعية للمحرِم بحج أو عمرة، والتكبير في عشر ذي الحجة وفي العيدين تكبيرا جماعيا، كل ذلك داخل في حد البدعة.
أما الطواف حول الأضرحة متقرباً إلى الله تعالى، فإنه بدعة غير مكفرة، وهو ذريعة إلى الشرك الأكبر، فإن قصد التقربَ بالطواف إلى الولي المقبور صار شركا أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله D.
وتُقسَّم البدعُ أيضاً إلى بدع اعتقادية وعملية وقولية:
فبدعة نفي القدر بدعة اعتقادية، وبدعة البناء على القبور وإقامة القباب عليها والطواف حولها بدعة عملية، والاستغاثة بالأموات وقراءة الفاتحة عند عقد النكاح بدعة قولية.
وأما تقسيم بعضهم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، وبعضُهم يقسمها إلى خمسة أقسام، وهي أقسام الحكم التكليفي، فيقول من البدع ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مباح، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو محرم، فهذا كله باطل لا أصل له في الشرع.
والذي دلت عليه سنة النبي ﷺ أن البدع كلَّها ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، فالبدع ليس فيها شيء حسن؛ لعموم قوله ﷺ: «كل بدعة ضلالة»
وأما قول النبي ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها . . .»
فمعناه: أن من عمل بسنة ثابتة عن النبي ﷺ قد ترك الناس العمل بها جهلا بها، فقد أحياها بذلك؛ لأن الناس قد اقتدوا به في العمل بالسنة التي تركوها، فهو لم يحدث عبادة من عنده، بل رغب في عبادة ثابتة عن النبي ﷺ، وكذا لو وعظ الناس ورغبهم في العمل بسنة من السنن الثابتة التي يعلمونها لكنهم تركوها غفلة أو تكاسلا فحثهم عليها فتتابعوا على العمل بها، فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
ويؤيد هذا المعنى سبب ورود هذا الحديث فإن النبي ﷺ جاءه قوم من مضر قد ظهرت عليهم الحاجة والفاقة، فرغَّب عليه الصلاة والسلام أصحابه M في الصدقة عليهم، فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت يده تعجز عنها، ثم تتابع الناس في الصدقة، فقال النبي ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» رواه مسلم 1017.
فهذا الرجل الذي تصدق أولاً قد سن سنة حسنة، فكان له أجرها وأجر من عمل بها، ومن المعلوم أن الصدقة عبادة جليلة دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، فهو لم يُحدِث عبادة لا دليل عليها.
وأما ما جاء عن عمر I لما رأى الصحابة ﷺ اجتمعوا على صلاة التراويح قال: (نعمت البدعة)، سماها بدعة من جهة اللغة، لأنها على غير مثال سابق، وليس مراده أنها بدعة في الدين.
يوضح ذلك: أن النبي ﷺ صلَّى بأصحابه M قيام الليل في رمضان جماعة ثلاث ليال، ثم ترك ذلك خشية أن يفرض عليهم قيام الليل، فلما توفي ﷺ زال المانع، وهو خشية أن تفرض، ولما تولى الصديق I الخلافة شُغل بقتال أهل الردة، واشتغل الصحابة M معه بذلك، وكانت خلافته قصيرة، فلما ولي عمر I وكانت ولايته أطول جمع الناس على أُبيِّ بن كعب I فصلى بهم التراويح جماعة، فخرج عمر I عليهم ذات ليلة فرآهم مجتمعين على إمام واحد فقال: (نعمت البدعة) أي من جهة المعنى اللغوي، فلم يكن الأمر كذلك في زمان النبي ﷺ ولا خلافة أبي بكر I، وإلا فالتراويح أصلها ثابت في سنة النبي ﷺ، ودليلها قائم، فليست بدعة في الشرع، فليس في هذا القول من عمر I مستمسك لمن قال: إن البدع منها ما هو حسن، بل البدع كلها ضلالة كما قال النبي ﷺ: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة».
الأدلة من الكتاب والسنة في التحذير من البدع
الأدلة من الكتاب والسنة على بطلان البدع والتحذير منها كثيرة، فمن هذه الأدلة:
1-قول الله تعالى: ﴿v w x y z { | } ~ ¡ ¢ £ ¤ ¥ ¦ § ¨ © ª «¬ ® ¯ ° ± ² ³ ´ µ ¶ ¸ ¹ º » ¼ ½ ¾ ¿ À Á ÂÃ Ä Å Æ Ç﴾.
جاء عن بعض السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿v w x y z﴾ أنهم أهل البدع، كما قاله قتادة A.
والفُرقة والاختلاف من علامات أهل البدع، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ I قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» رواه أبو داود 4596، وقال الألباني: حسن صحيح.
وفي لفظ لأبي داود من حديث معاوية I: (وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) رواه أبو داود 4597، وحسنه الألباني.
قال الشاطبي في الاعتصام 1/117 عن روايات هذا الحديث: (الفِرَق فيها عند أكثر العلماء فرق أهل البدع).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿§ ¨ © ª «¬﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأُولُو الْعِلْمِ , وَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فَأَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ « رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/79.
2-عن أم المؤمنين عائشة J قالت قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وأخرجه البغوي في شرح السنة 1/211 بإسناده بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو أصل في رد البدع والمحدثات.
وهو مع حديث «إنما الأعمال بالنيات» يدلان على شرطي قبول العمل، فحديث الأعمال بالنيات دليل لإخلاص العمل، وهذا الحديث دليل للمتابعة للشرع.
فكل مَن عَمِل عملا يتدين به، سواء أكان فعلا أم قولا أم اعتقادا ليس عليه أمر الله تعالى ورسولِه ﷺ فهو مردود.
وفي معنى هذا الحديث من القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿} ~ ¡ ¢ £ ¤ ¥ ¦ § ¨ ©ª﴾، فالبدع كلها لم يأذن الله تعالى بها شرعا.
3-ومن الأدلة من السنة في النهي عن البدع، حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ L قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» رواه النسائي 1578، وصححه الألباني.
ومن آثار السلف في التحذير من البدع:
قال عبد الله بن مسعود I: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ» رواه الدارمي 211.
أي اتبعوا سنة النبي ﷺ، ولا تبتدعوا عبادات تحدثونها من عندكم، فقد كفيتم ذلك، بما شرعه الله D لكم في كتابه وما سنه لكم رسوله ﷺ.
وعَنْ حَسَّانَ بن عطية A قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلاَّ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لاَ يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. رواه الدارمي برقم 99، وصححه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح 1/66.
وقال الإمام مالك بن أنس A: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: «اليوم أكملت لكم دينكم» فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا).
فالمبتدع حاصل قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تكتمل، وأنه بقي أشياءُ من الدين يجب أو يستحب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع، ولا استدرك عليها، ومن يرى عدم كمال الشريعة ضال عن الصراط المستقيم.
وظهور البدع وانتشارها له أسباب كثيرة، منها:
1- اتباع الهوى: ولذا كان السلف يُسمُّون أهلَ البدع أهلَ الأهواء.
فأهلُ الأهواء يقدِّمون أهواءهم على النصوص الشرعية، بل ربما جعلوا أهواءهم وعقولهم هي الأساس، والأدلةَ تابعةً لأهوائهم، وإذا وردت الأدلة الشرعية مخالفةً لأهوائهم أوَّلُوها وصرفوها عن حقيقتها، وتكلفوا في ذلك؛ ليُظهروا موافقتها لبدعهم وضلالهم.
أما أهل السنة فإنهم ينظرون إلى الدليل، وما دل عليه، فيتبعونه وينقادون له.
2- الجهل بالعلم الصحيح، علم الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة، فالجهل سبب من أسباب الوقوع في البدع، ولهذا وَصف النبي ﷺ الخوارج بأنهم: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» أي أنهم لا يفهمونه.
3- تقليد الآباء والأجداد، واتباعُ ما كانوا عليه من البدع. كما قال الله تعالى عن المشركين: ﴿- . / 0 1 2 3 4 5 6﴾ وهذا هو التقليد المذموم الذي يقود صاحبه إلى اتباع ما كان عليه أسلافه، وطرحِ الحق الذي جاء به الشرع.
4- علماء الضلالة الذين ضلوا عن الصراط المستقيم، وزيَّنوا للناس البدع والمحدثات، وزخرفوا لهم القول في الاحتجاج لها بالأدلة الواهية، فافتتن الناس بهم، وصاروا يحتجون بأن العالم الفلاني قد أفتى بجواز ذلك، وأنه ليس بدعة في الدين، أو يقول: إنها بدعة حسنة، ولذا جاء في حديث ثَوْبَانَ I قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ» رواه الترمذي 2229، وصححه الألباني. فالواجب على المسلم ألا يأخذ دينه عن علماء البدعة، ويتحرى في أخذه العلم عن علماء السنة.
5- ومن أسباب انتشار البدع أن يكون السلطان ناصرا للبدعة ممكِّنا للمبتدعة أن ينشروا بدعهم وضلالهم، فحينئذ تنتشر البدع في البلاد، وتقوى شوكة المبتدعة، كما وقع ذلك في عدد من الولايات الإسلامية عبر التاريخ، أما إذا وفَّق الله تعالى لأهل البلاد سلطاناً ينصر السنة ويقمع المبتدعة فإن البدع تموت، ويضعف أهلها، كما في بلادنا بحمد الله تعالى فهذه نعمة عظمى ينبغي لنا ذكرها وشكرها.
6- سكوت أهل العلم على البدع، وعدمُ الإنكار على المبتدعة، وبيانِ بطلان ما يدعون إليه، وكشفِ شبههم التي يثيرونها، فحينئذ تنتشر البدع بين الناس.
وإنكار البدع من الواجب الكفائي على أهل العلم، ومن إنكار المنكر الذي لا يقوى عليه إلا العلماء، وفيه حماية للشريعة وذبٌ عنها.
والبدع إذا انتشرت لها آثار سيئة على الناس، منها:
1-إماتة السنة، فيترك الناسُ الاتباعَ لسنة النبي ﷺ، كما في الأثر عن ابن عباس L قال: «مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مَنْ عَامٍ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حَتَّى تَحْيَا الْبِدَعُ وَتَمُوتَ السُّنَنُ» رواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها برقم 95.
2-ومن آثار البدع مفارقة أهل البدع للجماعة، وشقُ عصا الطاعة على جماعة المسلمين، وهذا ظاهر في الخوارج ومن نحا نحوهم من الجماعات الحزبية المعاصرة، وجاء عن بعض السلف أن ما ابتدع مبتدع بدعة إلا رأى السيف، أي الخروج على أئمة المسلمين، فعَنْ أَبِي قِلَابَةَ A قال: (مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً إِلَّا اسْتَحَلَّ السَّيْفَ)، وَكَانَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ A يُسَمِّي أَصْحَابَ الْبِدَعِ خَوَارِجَ، وَيَقُولُ: (إِنَّ الْخَوَارِجَ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْمِ وَاجْتَمَعُوا عَلَى السَّيْفِ).
3-ومن آثار البدع بقاءُ المبتدع على بدعته، وعدمُ التوبة منها إلا أن يشاء الله، فعَنْ أَنَسٍ I قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « إِنَّ اللَّهَ حَجَزَ - أَوْ قَالَ: حَجَبَ - التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ « رواه ابن أبي عاصم في السنة برقم 37، قال المنذري في الترغيب: «رواه الطبراني وإسناده حسن». وصححه الألباني في صحيح الترغيب 1/130.
وذلك أن المبتدع يرى أنه يتعبد لله، وأنه على حق، وأن من ينكر عليه بدعته مبطل، بخلاف العاصي فإنه يرى أنه عاص لله D، وأن من ينكر عليه مصيب في إنكاره، فهذا حري بالتوبة والإقلاع عن معصيته بخلاف المبتدع.
ختاما أوصي نفسي وإخواني بالتمسك بكتاب الله D، وبسنة النبي ﷺ، وسنة أصحابه M، فقد قال النبي اللهِ ﷺ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» رواه مالك في الموطأ بلاغا (ت: الأعظمي) 5/1323، وحسنه الألباني في تحقيق المشكاة 1/66.
وعلينا أن نشكر الله تعالى على ما أنعم به علينا في هذه البلاد، من ظهور السنة، وقمع البدع، بفضل الله D أولاً، ثم بفضل ما حبا الله هذه البلاد المباركة من علماءَ وولاةِ أمر على السنة، جزاهم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير جزاء وأوفاه.
ولا ينبغي الاغترار بكثرة من يقع في البدع، ويُحْدِث في دين الله D في العالم الإسلامي، فإن الحق لا يُعرف بكثرة الفاعلين، كما قال تعالى: ﴿© ª « ¬ ® ¯ ° ± ² ³´ µ ¶ ¸ ¹ º » ¼ ½﴾ وقال سبحانه: ﴿Ê Ë Ì Í Î Ï﴾، وإنما يُعرف الحقُ بالأدلة الشرعية كما قال سبحانه عن اليهود والنصارى: ﴿¹ º » ¼ ½ ¾ ¿ À Á ÂÃ Ä ÅÆ Ç È É Ê Ë Ì﴾ وأَتْباع الحق قد يكونون قلة كما قال سبحانه وتعالى: ﴿¨ © ª « ¬ ® ¯ °±﴾.
والواجب على من منَّ الله عليه بمعرفة السنة ألا يوافق أهل البدع في بدعهم، بل الواجب الإنكار عليهم ما استطاع بالحكمة والموعظة الحسنة، مراعيا في ذلك تحقيق المصالح ودفع المفاسد، لقول الله لقوله تعالى: ﴿v w x y z { |} ~ ¡ ¢﮲﴾ ولما روى أبو سعيد الخدري I أن النبي ﷺ قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم.
ومن أراد التوسع في موضوع البدع فليراجع:
كتاب البدع والنهي عنها لابن بوضاح، والاعتصام للشاطبي فقد تكلم فيه عن البدع بما لا تكاد تجده مجموعا في غيره، والسنن والمبتدعات للشقيري، والبدع والحوادث للطرطوشي، والباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة، والإبداع في مضار الابتداع لعلي محفوظ، وتنبيه الغافلين للنحاس، واقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية. وتصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد، C.
اللهم ثبتنا على الإسلام والسنة، وأعذنا من الشرك والبدع، وارزقنا محبة نبيك ﷺ، واتباع سنته، وسنة صحابته M أجمعين.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.