الخطبة الأولى الطـلاق 1448هـ 18/1/1448ه
إن الحمد لله . .
أما بعد
وأوصيكم ونفسي بتقوى الله . .
أيها المسلمون . . لقد شرع الله النكاح لحكم عظيمة، ومصالح كثيرة، فبه تحصن الفروج وتغض الأبصار، ويكثر النسل، وتقوى الروابط بين الأسر، وهو آية من آيات الله عز وجل: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).
فينبغي للزوجين أن يحفظا هذه النعمة، وأن يسعيا في توثيق رابطة الزوجية، وأن يحذرا من أسباب انحلالها وانفصامها، فإن الفرقة بين الزوجين من أعظم مقاصد الشيطان، فعن جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِىءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ ثُمَّ يَجِىءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ - قَالَ - فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ ». قَالَ الأَعْمَشُ أُرَاهُ قَالَ « فَيَلْتَزِمُهُ ». رواه مسلم
والأصل في الطلاق يا عباد الله أنه مكروه، لكن إن وجدت حاجة للطلاق بأن تعذر التوفيق بين الزوجين، وانسدت جميع طرق الإصلاح جاز للزوج أن يطلق امرأته، لقول الله تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)
ولا يجوز للمرأة أن تسأل زوجها الطلاق من غير حاجة، ولا سبب يدعو إليه، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة"، رواه أبو داود وصححه الألباني. كما يحرم على المرأة إذا تقدم إليها الخاطب المتزوج أن تشترط عليه طلاق زوجته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تسأل طلاق اختها لتستفرغ صحفتها فإنما لها ما قدر لها) رواه البخاري.
ومن صفات الزوجة الصالحة أنه متى غضب زوجها عليها سواء أكانت هي التي أغضبته أم هو الذي أغضبها، سعت جاهدة في إرضائه، ولم تنم ليلتها حتى يكون راضياً عنها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي r قال: (ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة، الودود الولود، العؤود على زوجها، التي إذا آذت أو أوذيت، جاءت حتى تأخذ بيد زوجها، ثم تقول: والله لا أذوق غمضا حتى ترضى) رواه النسائي في السنن الكبرى([1]).
والزوجة الصالحة هي التي تكون عوناً لزوجها، تراعي حاله، وتصبر معه، ولا تكلفه ما لا يطيق من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها.
معاشر المسلمين . . لقد جاء الوعيد الشديد لمن يسعى في الإفساد بين المرأة وزوجها، ويكون سببا للفرقة بينهما، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله r : (ليس منا من خبَّب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده) رواه أبوداود وصححه الألباني. فتخبيب المرأة على زوجها كبيرة من كبائر الذنوب، وهو يعني خداعها وإفسادها على الزوج، كما هو الحاصل من بعض قرابة الزوجين أو غيرهم، ممن يتدخل في شؤون الزوجين لغرض التفريق بينهما، وعلى الزوجين أن يحذرا من هؤلاء المتطفلين، وألا يسمحا لأحد بالتدخل في شؤونهما إلا من كان أميناً ناصحاً لهما، وليسعيا في حل ما يطرأ عليهما من المشكلات الزوجية فيما بينهما ما أمكنهما ذلك.
وينبغي للرجل ألا يؤمل كمالاً في امرأته، وأن يصبر على ما فيها من النقص، لقوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) قيل في تفسيرها: هو أن يَعْطف عليها، فيرزقَ منها ولدًا. ويكون في ذلك الولد خير كثير([2]).
عباد الله . . يتساهل بعض الأزواج في أمر الطلاق، فيتلفظ بكلمة الطلاق على أدنى سبب، فتجد الطلاق دائما على لسانه، والواجب عليه أن يحفظ لسانه، ولا يعرض شمل أسرته للضياع، ويلزم الصبر والأناة، وكظم الغيظ، ويقابل الإساءة بالإحسان.
بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد فاتقوا معاشر المؤمنين، واعلموا أن النبي r قد أوصى الرجال بالنساء خيراً، فقال في خطبة حجة الوداع: (اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم – أي أسيرات محبوسات بقيود الزوجية – أخذتموهن بأمانة الله - أي بأن الله ائتمنكم عليهن، فيجب حفظ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها - واستحللتم فروجهن بكلمة الله – أي بإباحته وحكمه - ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) رواه مسلم، وقد جعلت الشريعة الطلاق بيد الرجل لما يتصف به من الحكمة والروية، وإدراكه لعواقب الطلاق، فعليه أن يلزم الرفق مع أهله فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه، والله جل وعلا رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف، وينبغي للرجل قبل أن يلجأ إلى الطلاق أن يسلك طرق العلاج للمرأة العاصية التي بينها الله عز وجل في كتابه فقال: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا)، وأن يوسط أهل الحكمة والرأي للإصلاح بينه وبين امرأته، قال الله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما)
والله نسأل أن يقر أعيننا بصلاح أزوجنا وذرياتنا، ربنا هب لنا من أزوجنا وذرياتنا قرة أعين . .
اللهم أصلح أحوال المسلمين . .
([1]) برقم (9139) وذكره الألباني في الصحيحة برقم (287) وقال: له شواهد يتقوى بها.
([2]) ينظر: تفسير ابن كثير.