مكتبـــــة الخطب

2026-06-26 19:57:59

حسن العشرة بين الزوجين

الخطبة الأولى    حسن العشرة بين الزوجين      11/1/1448ه

إن الحمد لله . . أما بعد.

فاتقوا الله معاشر المسلمين . . وتزودوا من الأعمال الصالحات قبل الممات (قبل أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين) وتذكروا قول الله لكم، وأمره إياكم، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن خبير بما تعملون)

عباد الله . . لقد اهتم الإسلام بالحياة الزوجية اهتماماً عظيماً، وسمى الله جل وعلا عقد النكاح ميثاقاً غليظاً، ففي صلاح الأسرة صلاحُ المجتمع المسلم، وفي فسادها فسادُه، ورغب النبي r في النكاح فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج"، وحث عليه الصلاة والسلام على تيسير النكاح، فقال: (خير النكاح أيسره) رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم 1859.

 وأوضحت هذه الشريعةُ الخالدة، ما لكل من الزوجين من الحقوق على صاحبه، متى ما قام كل زوج بواجبه، وأدى الحق الذي عليه، عاش الزوجان في راحة وطمأنينة، وحياة هانئة سعيدة.

أيها المسلمون . . لقد طبع الله عز وجل هذه الدار على التعب والنصب، فلا تخلو الحياة الزوجية من المنغصات والمشكلات، لما جبل الله عليه الزوجين من اختلاف الطباع والصفات، فلا يطمعن أحد بحياة زوجية مثالية، خالية من كل مكدر ومنغص، لأن النعمة الكاملة، والحياة السعيدة التامة، إنما تكون للمؤمنين في دار النعيم المقيم، وأما الدنيا فهي كما قال الله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد).

 فالخلاف بين الزوجين إن كان يسيراً عابراً، فهذا مما لا تكاد تخلو منه حياة زوجية، فسرعان ما يزول، وتعود حياة الزوجين إلى ما كانت عليه، وأما الخلاف الدائم بين الزوجين، الذي ينتج عنه الشحناء والبغضاء بينهما، والذي يُعرِّض شمل الأسرة إلى الضياع والتفرق، فهذا هو الخلاف الذي ينبغي الحذر منه، والسعي في تلافيه قبل وقوعه.

وأعظم الأسباب لسعادة الزوجين، بل هو سبب لكل سعادة في الدنيا والآخرة، ذلكم يا عباد الله هو تحقيق الإيمان بالله والعمل الصالح، لقوله جل وعلا: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) فالعمل بطاعة الله تعالى، واجتناب معاصيه، سبب للسعادة الأبدية، وطمأنينة النفس وراحة البال، وفي المقابل فإن من أعرض عن ذكر الله تعالى وعصى أمره عاقبه بالآلام والهموم والغموم في الدنيا، جزاء وفاقاً، قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) وقال بعض السلف: إني لأجد أثر المعصية في خُلُق زوجي وخادمي ودابتي.

معاشر المسلمين . . ومن أسباب السعادة بين الزوجين، أن يُوطِّن كلُ واحد من الزوجين نفسه، على حياة زوجية يتعذر فيها الكمال، فمن يريد زوجة كاملة في دينها وأخلاقها، وقيامها بواجبات زوجها، لا يحصل منها نقص ولا تقصير، ولا زلة ولا خطأ، فقد رام محالاً، ولو أنصف الرجل لعلم أنه ليس بكامل، فهو يعتريه النقص والتقصير في حقها، وليس من العدل أن يطلب حقه منها كاملاً، ويبخسَها بعض حقها، ولهذا قال الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) رواه مسلم 1469، أي لا يبغض الرجل امرأته لخلق كرهه منها، ما دام قد رضى منها أخلاقاً كريمة أخرى.    

ومن أسباب السعادة الزوجية يا عباد الله . . أن يعرف كل من الزوجين ما له من الحقوق، وما عليه من الواجبات التي شرعها الله تعالى، فقد أعطى الله القوامة للرجل على أهله (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) فواجب على المرأة أن تطيع أمر زوجها، ما لم يأمرها بمعصية الله عز وجل، وعليها أن تسعى في إرضائه وإسعاده؛ لعظيم حقه عليها، فعن عبد الله بن أبي أوفى t عن النبي r قال: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ» رواه ابن ماجه 1853، وقال الألباني: حسن صحيح. والقتب هو الرحل الصغير الذي يوضع على البعير. لكن لا ينبغي للرجل أن يتجاوز فيما له من الحق على امرأته، أو يظن أن القوامة عليها تعنى الشدة والقسوة، وتنفيذ الأوامر بلا مناقشة أو تفاهم، فيحصل منه بذلك الظلمُ لها والبخسُ لحقها، فإن الله سائله عنها يوم القيامة، لقوله r : "إِنَّ الله سائل كل راع عما استرعاه: أحفظ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بيته" رواه ابن حبان 4439، وحسنه الألباني في صحيح موارد الظمآن 2/82، فحري بالرجل أن يحسن معاشرة امرأته؛ لأن الله أمر الزوجين بالمعاشرة بالمعروف، فالمرأة تحب من زوجها مثلَ ما يحب منها. قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله جل وعلا: (وعاشروهن بالمعروف): (أمرهم الله بمعاشرتهن بالمعروف، أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله).

 بارك الله لي ولكم . .

الخطبة الثانية

الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا أيها المسلمون . . واعلموا أن من أسباب سعادة الزوجين ملاطفةَ الزوج زوجته، وحنوَه عليها، ورحمتَه ومودتَه لها، فإن الله جل وعلا يقول في كتابه: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) وقد كان النبي r أكمل الناس خلقاً مع أهله، وقال r: (أكمل المؤمنين إيماناً، أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم خلقاً) رواه الترمذي، فعلى الرجل أن يحسن إلى امرأته ما استطاع، وأن يُسمعها الكلمة الطيبة، وأن يبش في وجهها، وأن يصبر على إساءتها، ويقابلها بالحكمة والرفق والتسامح، فإن النبي r قد أوصى الرجال بالنساء خيراً فقال: (استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضِلَع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته، لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً) متفق عليه،

وينبغي التعاون بين الزوجين في أمور دينهم ودنياهم، وتربية أولادهم وأن يقوم كل واحد منهما بدوره تجاه الأولاد في التوجيه والمتابعة، وأن يكونوا قدوة حسنة لهم.

ويجب على الزوج الإنفاق على زوجته بالمعروف، والتوسعةُ عليها إذا وسع الله عليه، (لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا) كما ينبغي للزوجة مراعاة حال زوجها الفقير، وعدمُ تكليفه ما لا يطيق، وعلى الزوجين أن يحفظ كل واحد منهما مال الآخر، وألا يتعدى عليه إلا بإذن، وأن يصون الأسرار الزوجية، وأن يحترم كل منهما الآخر، مقتفين في ذلك هدي النبي r في تعامله مع أهله.

والله نسأل أن يديم علينا نعمه، وأن يرزقنا شكرها، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا هو. وصلوا وسلموا . . .

 

 

 

 

 

 

 

خطب ذات صلة