مكتبـــــة الخطب

2026-09-04 13:42:42

الصبر على البلاء

الخطبة الأولى        الصبر على البلاء          21/3/1448ه

الحمد لله الواحد القهار، الملك العظيم الجبار، كتب الفناء على أهل هذه الدار، وجعل الجنة عقبى المتقين الأبرار، وعقبى الكافرين النار، أحمده جل وعلا على ما فرج من الهموم، وكشف من البلايا والغموم، جعل بعد الشدة فرجا، وبعد الضيق سعة ومخرجاً، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أعظم الناس صبراً، وأقومهم لله شكراً، وأشرفهم عند الله قدراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، وتمسكوا بحبل الله المتين، وكتابه المبين، ولا ترجعوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، واصبروا على طاعة مولاكم، وجاهدوا أنفسكم وهواكم، فإنكم في دار متاعها قليل، والآخرة خير لمن اتقى، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.

عباد الله ... إن من أصول الإيمان التي لا يقوم إيمان العبد إلا بها، الإيمانَ بالقضاء والقدر خيرهِ وشرهِ، ويظهر إيمان العبد بهذا الأصل عند حصول المصائب ونزول البلاء, فمن قوي إيمانه صبر واحتسب، وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما قال عز وجل: (ما أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) وقال سبحانه: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) قال علقمة رحمه الله: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلّم.

فعلى العبد أن يُسلَّم أمره إلى الله عز وجل، فإنه سبحانه كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو كان لرجل مثل جبل أحد ذهباً، ينفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره.

أيها المسلمون... لقد بشر الله الصابرين عند البلاء ببشارات عظيمة فقال سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ, الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ, أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)

وعن أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا "، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، - تعني زوجها - قُلْتُ: كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ، رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواه مسلم 918.

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» رواه الترمذي 2398، وقال: حديث حسن صحيح. وقال الألباني: حسن صحيح.

فالله عز وجل يبتلي عباده المؤمنين بأنواع البلاء بحسب قوة إيمانهم، ليُكَفِّر عنهم سيئاتهم، ويُعظِّم لهم أجورهم، وهذا من محبته جل وعلا لهم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» رواه ابن ماجه 4031، وحسنه الألباني.

ومن رحمة الله بعبده أنه إذا كتب له منزلةً في الجنة لم يبلغها العبد بعمله ابتلاه الله تعالى بأنواع البلاء، وصبَّره عليه، لينال تلك المنزلة، قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ، لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى» رواه أبو داود 3090، وصححه الألباني.

بارك الله لي ولكم . .

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المؤمنين، واعلموا أن مما يعين العبد على الصبر عند البلاء، اعتقادَه أن الله تعالى حكيم في أفعاله، لا يقدِّر على عبده إلا ما فيه الخير له، وما تقتضيه حكمته، فهو جل وعلا أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، فالواجب التسليم لأمره، والصبر على قضائه.

والجزع عند المصيبة لا يجدي على صاحبه شيئاً، فلا يردُّ له ما فقد، ولا يعوضه عما افتقد، بل إن جزعه يزيد في مصيبته، ويغضبُ ربه، ويُذهبُ أجره.

ومما يهون مصائب الدنيا عند نزولها، أن يحمد العبدُ ربه أنها لم تكن في دينه، فإن مصيبة الدين أعظم المصائب، ومصيبة الدين أن يقترفَ العبد ما حرَّم الله عليه، ويتركَ ما أوجبه عليه، فهذه أعظم المصائب عياذا بالله، ولهذا قال شريح القاضي رحمه الله تعالى: إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عز وجل عليها أربع مرات: أحمده إذ لم يجعلها أعظم مما هي عليه، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها والاحتساب، وأحمد إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني، فإن من كل شيء عوضاً إلا الدين.

اللهم أجعلنا من الراضين بقضائك، الصابرين عند بلائك، الشاكرين عند نعمائك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

وصلوا وسلموا . .

 

 

 

خطب ذات صلة