الخطبة الأولى من أحكام الديون 10/2/1448ه
إن الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا معاشر المسلمين، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد . . .).
عباد الله . . من حكمة الله جل وعلا، أن فضل بعض الناس بالمال على بعض، فجعل منهم أغنياء وفقراء، كما قال سبحانه: (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) ومِن حِكَم هذا التفضيل أن الناس يحتاج بعضهم إلى بعض، فالغني يحتاج إلى الفقير في القيام ببعض الأعمال، والفقير يحتاج إلى الغني في الحصول على المال، فكل منهما قد قسم الله له رزقه، وسخره لما خلق له، (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون).
ومن صور حاجة الفقير للغني أن يقترض منه مالاً، أو يشتري منه سلعة بالدين إلى أجل، وهذه الديون لها في شريعة الإسلام أحكام وآداب ينبغي مراعاتها، والتفقه فيها، حتى لا يقع المرء فيما حرم الله عليه.
والأصل في الدين الجواز، فلا حرج على المسلم أن يقترض من غيره، أو يشتري شئيا من السلع بالدين، خاصة عند الحاجة إلى ذلك، متى ما علم المستدين من حاله القدرة على الوفاء، وعزم على ذلك، فإن كان غير قادر على الوفاء بين حاله للدائن حتى يكون على بينة، فإن شاء أعطاه وإلا منعه.
وعلى المدين أن يتقي الله تعالى، وأن يبادر بأداء الدين الذي عليه متى ما استطاع، لقول الله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ومن أخذ الدين ناويا الوفاء فإن الله تعالى يعينه وييسر له وفاء دينه، ومن أخذ الدين ناويا أكل أموال الناس فإنه متوعد بوعيد شديد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري، بل إن المماطلة بالدين توجب لصاحبها عقوبة الدنيا، لقول النبي r : (لي الواجد يُـحِلُّ عِرْضه وعقوبته) أخرجه أبو داود (3630) وحسنه الألباني. ومعنى "لي الواجد" أي مماطلة القادر على الوفاء.
ومما يحث أهل الإيمان على المبادرة بسداد ديونهم ما جاء عن النبي r أنه قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) رواه أحمد، وعن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ t قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ، فَقَالَ: " هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ "، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: " إِنَّ صَاحِبَكُمْ مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ " رواه أحمد (20124) وقال محققو المسند: إسناده صحيح. وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلاَّ الدَّيْنَ» رواه مسلم (4991). ولذا كان من الواجب على الورثة المبادرة بسداد ديون مورثهم من تركته، فإن لم يكن في تركته ما يفي بالديون فيُستحب لهم إن كانوا قادرين أن يقضوا الدين من أموالهم.
ويجب على الدائن إنظار المدين إلى ميسرة، إذا علم أنه معسر، لقول الله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) وفي إنظار المعسرين عدة أحاديث تدل على فضله العظيم، وثوابه الجزيل، يقول النبي r: (من يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم، وقال r: ( من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) رواه مسلم، وقال r: (كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه) متفق عليه، وقال r: (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه) رواه مسلم.
ولا يعني إنظارُ المعسر إلى ميسرة براءةَ ذمته من الدين، بل هو باقٍ في ذمته، عليه أن يسعى جاهداً في وفائه، وردِّه إلى صاحبه الذي أحسن إليه، وفرج له كربته، فإنما جزاء الإحسان الإحسان.
ولا يجوز للدائن عند حلول الدين وعجز المدين عن السداد أن يعطيه مهلة أخرى مع زيادة الدين عليه، فإن هذا من ربا الجاهلية، الذي قال الله تعالى فيه، (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة)
معاشر المسلمين . . ليحذر المؤمن من الاقتراض من بنوك الربا، مهما سهلوا له الأمر، وقللوا من فائدة الدين، فإن الربا محاربة لله ورسوله، وكبيرة عظمى من كبائر الذنوب، لا يجوز التهاون فيه أبدا، ومن اتقى الله تعالى وترك قروض الربا، والمعاملات المحرمة جعل الله له فرجا ومخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب.
ويستحب لمن عليه دين أن يزيد فيه عند الوفاء؛ إحسانا لصاحب الدين، فعن أبي رافع t: قال: «استَسلَفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- بَكْراً – وهو الفتي من الإبل - فجاءته إبل الصدقة ، فأمر رسولُ الله r أبا رافع أن يعطيَ الرجلَ بَكره ، فقال: ما أَجدُ إِلا جَمَلاً خِياراً رَباعِياً، فقال رسولُ الله r: أعطِهِ إِياه ، وإن خِيارَ الناس أحسنُهم قضاء» رواه مسلم، هذا إذا لم تكن الزيادة في الدين مشروطة عليه من قبل الدائن، أما لو اشترط عليه الزيادة فإن هذا من الربا.
ويُستحب أن يقول المدين لصاحب الدين عند وفائه ما جاء في حديث عبد الله ابن أبي ربيعة t: قال: «اسْتَقْرَضَ مني النبيُّ r أربعين ألفاً ، فجاءه مالٌ، فدفعه إليَّ، وقال: بارك اللهُ في أهلك ومالكَ، إنما جزاء السَّلَفِ الحمدُ والأداءُ» رواه النسائي 4683، وصححه الألباني. وحسنه العراقي في تخريج الإحياء مع الإحياء 1/434 ويراجع كلام الغزالي.
بارك الله لي ولكم . . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله أيها الناس، والزموا الاعتدال في الإنفاق، وتمثلوا قول الله تعالى في وصف عباده المتقين: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) واحذروا من التساهل في تحمل الديون بلا حاجة، فإن بعض الناس يقترض أو يستدين مبالغ كبيرة، لغير ضرورة ولا حاجة، وإنما لأمور كمالية يمكنه الاستغناء عنها، كمن يقترض لإقامة حفلات الزواج بتكاليف باهضة، أو للسفر للسياحة، وأشد من ذلك من يستدين للسرف والمباهاة، معرضا نفسه لذل الدين وهمه، بل وللمطالبة وإقامة الدعوى عليه عند عجزه، ومن مخالفات بعض الناس في الديون أن يقوم بكفالة من عليه دين مع عدم قدرة هذا الكفيل على الوفاء عند عجز المدين، وإنما يكفله مجاملة له، وهذا لا ينبغي، وفيه تعريض نفسه للمطالبة، وإلزامه بدفع مبلغ يعجز عن دفعه.
والله نسأل أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، وأن يرزقنا دنيا لا تلهينا، وصحة لا تطغينا، وأن يجعلنا من عباده المتقين، وأوليائه الصالحين.