كل الأقسام

مكتبـــــة الخطب

2026-10-10 18:34:19

حجاب المرأة المسلمة

الخطبة الأولى         حجـاب المرأة المسلمة              28/4/1448ه

الحمد لله العلي الكبير، ذي العظمة والكبرياء والملك والتدبير، أحمده جل وعلا وأشكره وهو اللطيف الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أقام الله به الحجة، وأبان به المحجة، فصلاة ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.

فاتقوا الله أيها المسلمون . . وراقبوا الله في أقوالكم وأعمالكم، واستعدوا ليوم مماتكم، وتزودوا لمعادكم، فإن خير الزاد التقوى.

عباد الله . . لقد جاءت شريعة الله الخالدة، بما يحفظ للمرأة المسلمة عزتها وكرامتها، وصانها الإسلام ورفع شأنها، وأعطاها كامل حقوقها، بعد أن كانت في الجاهلية والأمم السابقة، مهانة مبتذلة، مسلوبة الحقوق والكرامة، يئدها أبوها بلا شفقة ولا رحمة في التراب، خوفاً من العار والحاجة، وتُحَرم من حقها في الميراث، بل إنها تورث كما يورث المتاع، فجاء الإسلام وخلصها من هذا الظلم العظيم، وحفظ لها حرمتها، ومنع من التعدي على حقوقها، وأكلِ أموالها بالباطل.

ومع هذا التكريم العظيم للمرأة في الإسلام، وما شرعه الله لها مما يحفظ عزتها وكرامتها، إلا أننا نرى كثيرا من النساء قد تساهلن في حجابهن، وأظهرن مفاتنهن، وأصغين إلى دعاة الفتنة، الساعين إلى نزع المرأة حجابها، والزج بها إلى مهاوي الفتنة والرذيلة، فصدق فيهم قول الله تبارك وتعالى: (وجعلنا منهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) وقولِه تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة).

معاشر المسلمين . . لقد جاءت نصوص الكتاب والسنة، بوجوب حجاب المرأة، وسترها عن الرجال الأجانب، منها قول الله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) فهذه الآية خطاب لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن؛ لكونهن القدوةَ لغيرهن من النساء، ألَّا يخضعن بالقول وهو تليين الكلام وترقيقه بانكسار مع الرجال؛ لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا، وإنما تتكلم المرأة مع الرجل الأجنبي عنها، بقدر الحاجة، من غير استطراد في الكلام ولا خضوع فيه، وإذا خُوطب بهذه الآية أمهاتُ المؤمنين، فغيرهن من النساء أولى بهذا الخطاب، وفي هذه الآية دليل على فرضية الحجاب للمرأة، لأن الله جل وعلا، لما نهى المرأة عن مجرد الخضوع بالقول، لئلا يطمع فيها الرجل، فنهيها عن كشف وجهها الذي هو مجمع الحسن، أولى بالنهي والتحريم، إذ الطمع فيها مع كشف الوجه أشد وأعظم، ثم قال عز وجل: (وقرن في بيوتكن) فأمر المرأة بالقرار في بيتها، فلا تخرجُ منه إلا عند الحاجة، وهذا نوع من الحجاب لها عن أنظار الرجال، فإنها إذا خرجت ربما فتنت وافتتنت، فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون المرأة من وجه ربها وهي في قعر بيتها" رواه ابن خزيمة وقال الألباني إسناده صحيح، ومعنى "استشرفها الشيطان" أي أنه ينظر إليها ليغويَها ويغويَ بها، ويزينَها في نظر الرجل، ليوقعهما في الفتنة. ثم قال جل وعلا: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) وذلك بكثرة الخروج من البيوت، وبالخروج متجملات متطيبات، سافرات الوجوه حاسرات عن المحاسن، كفعل نساء الجاهلية.

  عباد الله . . ومن أدلة القرآن الكريم على وجوب حجاب المرأة، قوله سبحانه مخاطباً الصحابة الكرام، عند سؤالهم لأمهات المؤمنين، رضي الله عنهم أجمعين: (وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) هذه الآية، عُرفت بآية الحجاب، وكان نزولها في شهر ذي القعدة، سنة خمس من الهجرة، وسبب نزولها ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهاتِ المؤمنين بالحجاب. فأنزل الله آية الحجاب. ولما نزلت هذه الآية، حجب النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، وحجب الصحابة نساءهم عن الرجال الأجانب، رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم، وبيَّن الله جل وعلا في هذه الآية، أن الحكمة من فرض الحجاب أنه أطهر لقلوب الرجال والنساء.

ومن أدلة وجوب الحجاب يا عباد الله . . قولُ الله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً) فأمر الله تعالى النساء بأن يرخين جلابيبَهن على أبدانهن، والجلباب للمرأة، هو الكساء الكثيف، الذي تشتمل به المرأة، من رأسها إلى قدميها، ساتراً لجميع بدنها، وما عليها من لباس وزينة، وهو بمعنى العباءة التي تلبسها النساء في بلادنا، فمتى ما سترت المرأة بدنها بجلبابها، لم يطمع فيها أهل الفساد، ودل ذلك على عفتها وصيانتها، ولهذا قال جل وعلا: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) فمن لا تلتزم بحجابها فهي عرضة لأذية المفسدين وغرض للطامعين. 

ومن أدلة الحجاب قول الله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) وهذا أمر من الله تعالى للنساء، أن يلقين بالخمار على الرأس والوجه والعنق والصدر، وهذا ما فهمه نساء الصحابة رضي الله عنهن من الآية، ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: " يرحم الله نساء المهاجرات الأُول، لما أنزل الله (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن مروطهن فاختمرن بها. قال الحافظ ابن حجر: " قوله (فاختمرن) أي غطين وجوههن".

بارك الله لي ولكم . .

 

الخطبة الثانية

الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثَ كثيرة تدل على وجوب حجاب المرأة، منها قول عائشة رضي الله عنها: كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذونا، سدلت إحدانا جلبابَها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. رواه أحمد، وفي قصة الإفك المشهورة أن عائشة رضي الله عنها لما ذهب الجيش وتركوها، جلست تنتظرهم حتى أخذها النوم، فجاء صفوان بن المعطل رضي الله عنه، قالت عائشة رضي الله عنها: وكان صفوان يراني قبل الحجاب - أي قبل فرض الحجاب في السنة الخامسة – قالت: فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي عنه بجلبابي. متفق عليه وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعاتٍ بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغلس. متفق عليه. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال (يرخين شبراً) فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن. قال (يرخينه ذراعاً لا يزدن عليه) رواه أحمد. فإذا أُمرت المرأة بإرخاء ثوبها، لأجل أن تستر قدميها عن الرجال الأجانب، فستر وجهها أولى بالوجوب، لكونه موضع الفتنة، ولا يظن بهذه الشريعة الحكيمة أن تأمر المرأةَ بستر قدميها، وتبيح لها كشف وجهها، الذي هو محل النظر والافتتان.

فاتقوا الله أيها المسلمون، وقوموا بما أوجب عليكم من حفظ نسائكم وأمرهن بالحجاب والستر، فإن الله سائلكم عنهن يوم القيامة، قال الله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض) وفي الحديث الصحيح: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).

والله نسأل أن يحفظ نساءنا ونساء المسلمين، من كيد الكائدين ومكر الماكرين، وأن يرزقهن العفاف والحشمة، وأن يعصمهن من مضلات الفتن إنه سميع مجيب.

 

خطب ذات صلة