الخطبة الأولى اعتقاد السلف في الصحابة رضي الله عنهم 21/4/1448ه
إن الحمد لله . . أما بعد، فإن خير الحديث كلام الله . .
وأوصيكم معاشر المؤمنين بالتقوى، (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب)
والقرن الذي عاش فيه الصحابة رضي الله عنهم، خير قرون هذه الأمة على الإطلاق، فعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) متفق عليه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون عن دينه) رواه الإمام أحمد([1]).
ولرفعة قدر الصحابة رضي الله عنهم، ومكانتهم وسابقتهم، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم والقدح فيهم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) متفق عليه. فأعمالهم وإن قلَّت، أعظم أجراً عند الله تعالى، من أعمال غيرهم مهما عظمت، وما ذاك إلا لكمال إيمانهم وتصديقهم، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلَمَقام أحدهم ساعة مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة) رواه ابن أبي عاصم في السنة([2]).
وقد ورد الوعيد الشديد، فيمن يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يطرده الله تعالى من رحمته، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لعن الله من لعن أصحابي) رواه الترمذي.
عباد الله . . إن من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، أنهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحبونهم جميعاً، وينهون عن التعرض لأحدهم بالطعن والعيب، ويعدون الطعن فيهم من علامات أهل البدع، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (من انتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أبغضه لحدثٍ كان منه، أو ذكر مساوئه كان مبتدعاً، حتى يترحم عليهم جميعاً، ويكون قلبه لهم سليماً). والطعن في أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد إيذاءً للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول البربهاري في شرح السنة: (من تناول أحداً من أصحاب محمد الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه إنما أراد محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد آذاه في قبره).
كما أن أهل السنة والجماعة يكفون عما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم من الفتن، ولا يلوكون ألسنتهم بذكر شيء من ذلك، وإنما ينشرون محاسنهم، ويذيعون بين الناس فضائلهم، لأن الخوض فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم، ذريعة إلى القدح والطعن في بعضهم.
معاشر المسلمين . . إن أفضل الصحابة رضي الله عنهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)، ثم بعد الخلفاء الأربعة في الفضل بقية العشرة المبشرين بالجنة، وهم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين، ثم بعدهم في الفضل أهل بدر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: (وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ثم بعدهم في الفضل الذين بايعوا تحت الشجرة، لقول الله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) رواه مسلم.
بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا معاشر المؤمنين، واعلموا أن أهل السنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والنواصب، فالرافضة يبغضون أكثر الصحابة رضي الله عنهم، ويسبونهم ويلعنونهم، ويرون أنهم قد ارتدوا عن الإسلام إلا نفراً قليلاً منهم، فكان حال اليهود والنصارى خيراً من حال الرافضة، فقد سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟: قالوا أصحاب موسى، وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
والرافضة يغلون في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، حتى رفعوا بعض آل البيت إلى منزلة الإله، فدعوهم من دون الله واستغاثوا بهم في الشدائد والملمات، وطلبوا منهم قضاء الحاجات.
والنواصب على النقيض من الرافضة يبغضون آل البيت ويعادونهم، فأهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فهم يحبون جميع الصحابة رضي الله عنهم، ولا يغلون في أحد منهم، ولا يرفعونه فوق منزلته، ولا ينتقصون أحداً منهم.
فاحرصوا رعاكم الله على هذا الأصل العظيم، ونشئوا أولاكم على محبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، فقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى، يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما يعلمونهم السورة من القرآن.
اللهم ثبتنا على الإسلام والسنة، وارزقنا محبة صحابة نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين، واسلك بنا سبيلهم، واحشرنا في زمرتهم يا رب العالمين، اللهم عليك بمن يؤذي صحابة رسولنا صلى الله عليه وسلم، أو يطعن فيهم أو يكفرهم، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك يا قوي يا عزيز.
وصلوا وسلموا . .
([1]) قال الألباني في تحقيق الطحاوية ص470: حسن موقوفاً.
([2]) وقال الألباني في ظلال الجنة ص: صحيح.